حتى لا أكون إرهابيا ..!!

 
حتى لا أكون إرهابيا ..!! للكاتب محمد العمري #السعودية

أخيرا .. قررت أن التحق بركب المسافرين ، وأكون راحلا مرتحلا إلى حيث ألقى رحله “جون كابورت”مكتشف الساحل الكندي مرفأ أحلام الغرباء ، و مأوى المضطهدين الهاربين من أوطانهم ، فأنا لم اعد أرى في هذا المكان الذي أعيش فيه الآن سراجا منيرا بعد أن أفل نجمي في سماءه ، الليل حانك هنا و يبدو إن إقامته قد طالت في الحنايا ولا بد لي من الرحيل قبل إن يتمكن مني اليأس و الجنون .. لقد انكسر في هذا الشتاء فؤادي وخرج من داخلي عنفوان المثابرة و الحماس ، و أصبحت لا أرى في عيني إلا تلك الصور البائسة .. اليائسة.. التي تجعلني متقوقعا و منعزلا ، قررت الهروب إلى المجهول في مكان ما على وجه كوكب الأرض حتى أكون بعيدا عن مرارة الفشل و الضياع.. !! مكان جديد يبعد أميالا كثيرة .. مكان اهرب فيه بوجه أخر بعيدا عن عيون الشفقة و التشفي ، مكان أكون فيه متحديا لعثراتي و لجحود أصدقائي .. ! مكان استرجع فيه طموحي و أتذوق فيه معنى الحرية وحب الذات و الحياة ، أهرب حتى لا أتحول إلى مسخا أو قنبلة موقوتة ..!

لكن..! لن اركب المخاطر و البحار في أي حال من الأحوال أو أغادر ارض الوطن متسللا أو متوسلا المهربين بإخفائي في قواربهم والوصول بي سالما إلى الضفة الأخرى كما يفعل المهاجرين العرب الغير شرعيين في أعالي البحار..! أولئك الذين ملأت صورهم شاشات التلفزة ، و الروايات الحزينة التي عرضت عن الفارين و الغارقين في البحر نتيجة الهجرة السرية , وقائع لا شك إنها درامية صادمة تبعث في النفس شعورا بأن المعاني الإنسانية قد ماتت في زمننا و إن الرحمة قد نزعت من القلوب تجاه هؤلاء المستضعفين من الرجال و النساء و حتى الأطفال ، جاءت الروايات مصورة تحكي قصص مأساوية ومبكية عكست حجم المعاناة و الحياة البائسة التي يعيشها الإنسان الشرقي في مطلع هذا القرن وكيف تواترت به الأحداث و الانقلابات العسكرية إلى التغيير الديموغرافي لوطنه و التهجير القصري منه ، حتى غدا سلعة رخيصة لا قيمة له في ميزان المنظمات الإنسانية و الحيوانية ، و أصبح يواجه وحيدا مصير مجهول ، فالبعيد يجهله و القريب قد خذله و تخلى عنه وعن قضيته المصيرية نحو انتزاع تاج الحرية ، حتى إن ثورته السلمية قد تقهقرت هي الأخرى أمام آلة الطواغيت المستبدين ..! فالآمال التي كانت معلقة كثيرا على الصوت الحر في العالم المتحرر قد تبددت أيضا بعد أن التزم الصمت ..!! ، لقد تحول العالم إلى مخلوقات من “الزومبي” ، ما يجعلني اشعر بان حياة الإنسان الحجري كانت أجمل من واقعنا الحالي ..

كما لا يخفى أن العقل العربي مختطف أيضا مثل الوطن من أقلية متسلطة تمكنت من فرض سيطرتها عليه وعلى كل الوطن و التحكم في مقدراتها و نهب ثرواتها فهي تتحمل المسئولية الكاملة بلا شك ، وسوف يلعنها التاريخ و الأجيال القادمة لما آل إليه حال هذه ألامه العظيمة من الإحباط و التخلف والبطالة و صولا للحرب و الخراب في بعضها ونزوح الأسر العربية في إرجاء الأرض ، لقد تمزقت خارطة الوطن و المجتمع الواحد بعد إن عم الفساد والغلاء كل البلاد ، والهرج و المرج بين الناس ما دفع البعض للهرب في كل الاتجاهات مستغيثين و لاجئين .. ومن لم يهرب وتمسك بأرضه و بيته فانه يتعرض لحصار الجوع و الظلم و الفقر .. حقا أننا نعيش نحن العرب في وهن شديد إمام قوة استبدادية تعصف رياحه بنا و تتقاذفنا أمواجه لتكون مقابرنا في أعماق البحر بدلا من إن تكون أجسادنا بجوار أبائنا و أجدادنا تدفن تحت الثرى ..!

لذلك تشبثت بالبقاء على اليابسة منتصبا ومتماسكا ، عزيز النفس ، رافضا صور البؤس من إن تتشكل أمام عيني يوما ما ، وحتى لا يكون مصيري مثل أولئك المنسيين في أعماق البحر أو مدحورا أو منحورا على يد الدواعش الإرهابيين ..!!

كنت قد خططت من قبل و فكرت كثيرا ومليا و بالاستعانة بمحرك البحث “جوجل” لمثل هذه الرحلة التي أردتها أن تكون طويلة الإقامة و بعيدة المسافة عن ارض الوطن فلم تكن وليدة اللحظة ، لكني كنت محتارا في تحديد الوجهة بين كندا و أمريكا حتى استقر بي القرار على شمال القارة الأمريكية ، فتدبرت أمري في توفير المال الكافي الذي أتمنى أن يوفر لي العيش الرغيد ، والشعور بالأمان و الاستقرار النفسي في بلاد المهجر ، والاستفادة منه في فتح مشروع يكون مصدر دخل اقتات منه ، و يكون أيضا سببا في حصولي على الإقامة الدائمة ، فالرغبة جامحة في التجديد و التغيير ، و بناء حياة اجتماعية و أسرية هناك ..

في السابق تعودت في أسفاري على أن أكون مسافرا وسائحا لا ينتظر تأشيرة عبور ، و لا حتى الوقوف أمام السفارات ، هذه المرة تعمدت أن أخوض تجربة جديدة وجريئة كتجربة المغامر النمساوي “فيليكس” صاحب القفزة التاريخية من الفضاء إلى الأرض ، لكن قفزتي هذه ستكون من الجانب المظلم للقمر إلى الجانب الأخر المضي في وثبه واحدة ، من على رمال الصحراء إلى قمم الثلوج و إلى ما بعد المحيط ، إلى حيث الأماني حقا ممكنة ، و الحلم هناك يبقى حقيقة كما يقولون , لان بلاد العم سام فيها يعم الرخاء و السلم في السياسة والاقتصاد ، ولكي أتمكن من عبور المحيط بطريقة شرعية كان لابد لي من استخراج التأشيرة من السفارة ، وكان لي ما أردت بعد أن قدمت ما يؤهلني للانتقال و الهجرة دون أن أعاني كما يعاني البعض في الحصول على تأشيرة الدخول لتلك البلدان ، المستهدفة من أبناء العالم الثالث الذين يتمزقون عشقا ، و شوقا ، و أحيانا انتحارا من أجل الفوز بها ، حتى الغني يتساوي مع الفقير في الأحلام عند باب هذه السفارة ..

في منتصف الليل من اليوم الذي يسبق موعد إقلاع الطائر الكبير الجاثم على أرض المطار الذي سينقلني إلى تورونتو العاصمة الاقتصادية لكندا , جلست وحيدا في غرفتي متأملا تارة ، و ململما تارة ما بقي من بقايا أنفاس علقت على جدران الغرفة ، تختزل عمر من الزمان بل صور من أفراح و أحزان ، في ليلة تمنيتها باردة المشاعر والشجون ، خاصة إنها ستكون الليلة الأخيرة لي في الغرفة بل المنزل كله ، لكنها جاءت ملتهبة فكلما أطبق السكون على شفتي هاج فيني الوجد ، فيما الفؤاد يمني النفس في روضة أماني سوف تملأ حياتي في غربة المنفى ، مضت سويعات الليل سريعا وأنا لا زلت هائما في فلكي مخيل الفكر،ساكن الصوت حتى نطق الحق مناديا لصلاة الفجر، أدركت حينها إن نهار الغد قد حان ولابد من الرحيل وإن طال السفر فأمامي يوم طويل من الطيران ..

في هذه اللحظة حاولت قطع أفكاري بوضع حقيبتي الكبيرة القديمة أمامي و هي حقيبة لها مكانه خاصة في نفسي اعزها و تعزني ومصدر من مصادر التفاؤل و البهجة في حياتي ففيها حملت الكثير من الهدايا السعيدة للأصدقاء والأحباب ورافقتني في جميع تنقلاتي من مكان إلى أخر لذلك اشعر إنها أصبحت جزء من ماضي سعيد يجب المحافظة عليه ، الآن الحالة مختلفة فانا ليس لي أصدقاء أو معارف في كندا لذلك أعددت فيها كل ما يحتاجه المسافر عند الرحيل ، وتركت ورائي ما يتركه مهاجر الأوطان عندما يشتد به ألم الفراق ، و اليأس من الحياة ، وفقدان الكرامة في وطنه ..

أخذت أضع كل ما يمكن حمله من الملابس لهذه الرحلة الطويلة ، و كلي رجاء إن لا تكون هذه الرحلة شاقة و متعبة ، وان تسير الأمور كلها على ما يرام و أتمناه ، لأني أدرك جيدا أن عالمنا لم يعد كما كان سابقا هادئا و محبا للتعايش فهو الآن مضطربا يعيش حاله هياج تصل لحد الهستريا في بعض الأحيان ، كثير من المتغيرات

طرأت على كوكبنا فالحكومات أعلنت حالة الطوارئ ، وتوجست الخوف من كل شئ ، تتعامل بحذر ،تتحسب لأي هجمات إرهابية أو تفجيرات انتحارية تقوم بها جماعات تقول إنها إسلامية الأمر الذي جعل كل من يحمل الهوية الإسلامية يتعرض للمضايقات العنصرية والكراهية ، حتى المطارات غدت مثل الثكنات العسكرية أفتقد فيها الخصوصية وحسن الاستقبال ، ضابط الجوازات قد يرفض تأشيرتك في المطار ، ويعيدك في أقرب رحلة لبلدك فقط لأنك مسلم تشكل خطرا إرهابيا على أمن بلده , كابتن الطائرة أيضا قد ينزلك و لا يسمح لك بالسفر في رحلته لنفس السبب لأنك مسلم تشكل خطرا على الركاب وهذا الأمور لا تقلقني ابد إذا عرفت بان هناك ملايين من العرب و المسلمين يتنقلون بين الشرق و الغرب بشكل طبيعي بل أعداد المهاجرين المسلمين تتزايد عن ما قبل وربما تعد هذه مجرد حالات فردية و إن تكررت ، أضف لذلك أنا كعربي اعتدت على مثل هذه المعاملة بل أقسى منها و أمر في وطني ، لكن المثير هي تلك الوسائل الإعلامية العربية التي ما أنبرات تتشدق بوصف هذه الأفعال بأنه اختراق صريح لحقوق الإنسان من قبل الغرب فيما تتجاهل هي انتهاكات أنظمتها الاستبدادية لأبسط معاير حقوق الإنسان ، كل ذلك لا يعني بأنه لا يوجد مؤامرة على الإسلام و المسلمين بل هي موجودة و تنفذها أجهزة المخابرات الغربية التي تحاول للحد من انتشار الإسلام داخل نسيج المجتمع الغربي بشتى الطرق فبدأت تبث رسائل الرعب في نفوس المسلمين الجدد بإلصاق أعمال العنف و الإرهاب بالإسلام في وجهه شرير يتمثل في داعش صنيعة تلك المخابرات ..

عندما أهممت بالخروج من المنزل حاملا في يدي حقيبة السفر، كانت السماء للتو قد توقفت عن هطول المطر وتشكلت على الأرض قطع صغيرة عبارة عن مستنقعات مائية تتماها فوقها قشرة الفجر تصفو ثم تأسر الروح عشقا و تألقا ، اتجهت سيرا باتجاه الشارع الرئيسي عبر ممرات الحي الضيقة , وفي طريقي رأيت ذلك العجوز الطاعن في السن منهكا ويتكئ على الجدار، اقتربت منه فإذا هو العم ناصر “المطوع” أمام مسجد الحي السابق إذ لم يعد يصلي بعد إن إصابته أمراض الشيخوخة ..!! اقتربت منه أكثر وألقيت السلام عليه .. لم يرد علي !! لم يبالي بي أمسكت بيده المرتعشة لمساعدته على الجلوس أمام باب منزلة ، نظرت في وجهه عله يتذكرني ..! أو يسألني من أنا؟ لكنه لم يبالي أيضا ..! رحت أتفحص بالنظر في عينيه لمحت فيها بريق نجما قد بدا يأخذ في الانزواء كأنها تلوح لي بالوداع أدركت انه قد عاد به الزمان و إن ذاكرته لم يعد فيها سوى أصدقاء طفولته وأهله الذين غادروا الحياة منذ زمن بعيد ، تركته ثم أخذت حقيبتي و مضيت باتجاه الشارع ليأخذني سائق التاكسي إلى المطار فانا لابد لي من المضي إلى حيث ما قررت أن أعيش زماني بكل تفاصيله خارج حدود الوطن .

لا تعليقات

اترك رد