قصيدة النثر المغربية: الطبيعة و المسار التاريخي


 
قصيدة النثر المغربية: الطبيعة و المسار التاريخي
لوحة للفنان نصر سامي

1- قصيدة النثر: المفهوم و الطبيعة
إن ” قصيدة النثر” جاءت وفق تطور تاريخي و منطقي للتحولات التاريخية والحضارية و الثقافية التي عرفها المجتمع العربي و المغربي، فمسألة تطور الأجناس الأدبية؛ رهينة بتطور الفرد/ الإنسان عبر سيرورة تاريخية.
و لم يكن الشعر بعيدا عن هذه التحولات منذ العصر الجاهلي، و مرورا بالشعر الرومانسي، و الشعر الحديث الذي حاول أن يزعزع المعتقد العربي قليلا بخصوص الربط بين الشكل والموسيقى على الأقل، على مستوى الوحدة و البنية و تجاوز السيمترية الحادة للبيت، حتى جاءت ” قصيدة النثر” التي حاولت أن تقلب المعتقد الشعري العربي الذي ارتبط بالوزن و القافية؛ عند النقاد القدامى و الفلاسفة، منذ “قدامة بن جعفر” (ت377).
و يبدو في الثقافة الغربية أن “قصيدة النثر” ارتبطت في بداياتها ب “الحداثة” عند الشاعر الفرنسي “شارل بودلير”، و قد بدأ نحت هذا المفهوم في ارتباطه بالشعر مع ديوانه “أزهار الشر”. و ما لبث أن عمقه مع ديوانه الثاني ” سأم باريس ( قصائد نثر قصيرة)”. ومن ثم فالحداثة وجهان لعملة واحدة؛فالأول تعد فيه الحداثة وجه ثابت أزلي. بينما الوجه الثاني؛ هو لحظة عابرة مرتبطة بذات الفرد/ الإنسان، وفق التحولات السريعة التي يعرفها السياق التاريخي تناسبا مع خصوصية الكتابة الشعرية.
و بذلك، دشنت ” قصيدة النثر” معالم جديدة في الشعر العربي، مخالفة ما دأبت عليه الذاكرة الشعرية العربية، باعتبارها طريقة تعبيرية مفتوحة على مصراعيها، واقتحمت عالم الشعر اللامتناهي واللامحدود، و المتجاوز لكل القواعد التي كانت تتسم بالمطلقية والثبات،فأسست لنسبية الشعر داخل كائن يتميز ببعده الدلالي و التأويلي هو ” اللغة”، و هذه الرغبة الجامحة في تجاوز الكائن، و التأسيس للممكن و المحال؛ يتجسد أولا في التسمية “قصيدة النثر”؛ إذ هناك علاقة تشاف بين الدال الأول ” قصيدة”، و هو مجرد من أل التعريف، و بين الدال الثاني المضاف إليه “النثر” الحامل لسمة التعريف أل، و هو ما يدل على أن تضايف المجهول= النكرة، بالمعلوم= المعرفة، بكسب المضاف= قصيدة؛ هوية التعريف والتحديد” .
فإذا نظرنا إلى هذا التعريف من وجهة كلاسية، تعتمد التمييز بين الشعر و النثر؛ فهي تقوم على هجنة لغوية و أجناسية، انطلاقا من الحاجز الوهمي الذي سيطر ردحا من الزمن على الذاكرة العربية، أما إذا نظرنا من وجهة مفتوحة؛ فإن التناقض ما هو إلا صورة للتعبير عن الحقيقة بأوجهها المختلفة والمتناقضة، فهي تقوم على نوع من التركيب الديالكتيكي المفتوح.
و هذا التوتر القائم على مستوى التسمية في اللغة العربية، غير مطروح في اللغة الفرنسية، لأن قصيدة poème” ” مشتقة من الشعر ” ” poésie أما ” قصيدة” فهي بعيدة من الناحية الاشتقاقية عن الشعر، بل مرتبطة بمفهوم القصيدة التي حددها القدامى بمجموعة من الأبيات؛ أي أن المفهوم مرتبط بالجانب الكمي، و بالغرض الشعري و ربما هذا التوتر هو الذي دفع بعض النقاد إلى وضع تسميات أخر ل “قصيدة النثر” مثل ” عبد العزيز المقالح” الذي أسماها ب ” القصيدة الأجد” و “أدونيس” ب ” الرقيمة”،وغيرهما.
و يمكن الإشارة إلى أن “قصيدة النثر” قد بدأت في الثقافة الغربية و ارتبطت بالمدينة؛حيث ” يعتبر “الوسيوس برتراند” و “بودلير” مؤسسا هذا الجنس الأدبي، و قد تم الاعتراف بقصيدة النثر وممارستها كما هي من لدن جيل 1880″ . مع العلم أنها في الثقافة العربية؛هناك من يعتبرها قد بدأت منذ زمن ضارب في التاريخ البعيد، من خلال كتابات الفلاسفة والمتصوفة و غيرهم، بل هناك من يعتبر أنها تشكل بدايات الشعر في الحضارة الإنسانية؛لأن مسألة الموسيقى و الوزن ليسا سوى إضافات تزيينية؛لذلك فالشعر قد عاد إلى أصله، متجسدا في ” قصيدة النثر”.
أما من حيث طبيعتها؛ فهذا أمر فيه اختلاف بين النقاد و الأدباء؛ هناك من يعتبرها جنسا قائما بذاته؛ و هذا الاتجاه يحاول أن يقطع صلتها بجنس الشعر؛ لكن يصعب هذا الفصل . واتجاه آخر يعتبرها نمطا شعريا إلى جانب القصيدة التقليدية و الشعر الحديث؛لذلك فهي ” شكل ( مطواع)، يقبل دائما أن يتغذى على أشكال أدبية أخرى – مُكَرَّسَة- ” ،ينفتح على أشكال إبداعية أخر؛ مثل ” الحكاية الأخلاقية/ القول المأثور (Aphorisme)” و” القصة” و “نثر الفن” و “بيت الحر” (…) و غيرها. و هذا يظهر من خلال قراءتنا لقصائد الشعراء الكبار أمثال “بودلير” و “رامبو” و مالارميه (…) وغيرهم؛كما الشأن عند الشعراء العرب أمثال “محمد الماغوط” و “أنسي الحاج” و “شوقي أبي شقرا”؛ و غيرهم بصفة عامة، والشعراء المغاربة؛ أمثال ” محمد الصباغ” و محمد السرغيني” و “ياسين عدنان” و “حسن نجمي” و محمد بوجبيري” وغيرهم بصفة خاصة.
إن ” قصيدة النثر” بهذا المعنى، قد أحدثت قطيعة إبستيمولوجية نوعية، على مستوى التصور الإبداعي، ذلك أن منطلق الإبداع الشعري عند العرب هو الشكل الثابت، و هو أمر لم يلتفت إليه على أنه من عناصر إبداعية النص الشعري. و قد بقي مرتبطا بالأغراض الشعرية؛ بمعنى أن الشعر العربي كان يعمد إلى قواعد خارج النص، في حين أن الشعريات اللاعمودية مع الشعر الحديث، و الشعريات المفتوحة مع ” قصيدة النثر” أولت أهمية للشكل و ربطته بالمضمون، لأن الإبداع في حقيقته سابق عن الشكل،وليس العكس، و بذلك أصبح في ” قصيدة النثر” ” الشكل يتخلق في المضمون، و المضمون يتخلق في الشكل، بلا مسافة فاصلة بين ما هو شكل و ما هو مضمون، تماما كما يكون الكائن الحي” .
و إذا كانت ” قصيدة النثر العربية” قد خرجت من رحم حركة تجديد الرؤيا، مع شعراء “مجلة شعر”، التي نادت بسقوط الإيقاع القائم على التنويع في التفعيلة و القافية والأرواء،في سياق ظهور ” الحداثة”، فإنها لم تظهر بشكل ملفت للنظر بالمغرب إلا في تسعينات القرن الماضي، مع انهيار المعسكر الشرقي، و ظهور العولمة، و إن كانت إرهاصاتها تعود إلى بداية الخمسينات مع كتابات ” محمد الصباغ”.

2- قصيدة النثر المغربية: المسار التاريخي
لم يكن الشعر المغربي في منأى عن التطورات التي عرفها الشعر العربي بكل أنواعه و تطوراته ( الشعر التقليدي و الشعر الحديث و قصيدة النثر)، فقد كانت القصيدة الكلاسية، التي ارتبطت بالقصيدة العربية القديمة، و مثلها شعراء ليس من وجهة إبداعية،بقدر ما هي من وجهة علمية؛ ذلك أن مكانة العالم/ الفقيه لا تكتمل إلا بقرض الشعر، فكانت تمتح من نماذج الشعراء القدامى في جميع أغراض الشعر العربي.
و ابتداء من سنة 1930، سيظهر شعراء حركة البعث و والإحياء تأثرا بحركة البعث و الإحياء في المشرق، اعتمادا على مفهوم النهضة، الذي يمتح من الفكر السلفي،مؤطرا بالقومية العربية، لذلك نجد شعراء مغاربة قد مثلوا قصيدة إحياء النموذج؛أمثال ” علال الفاسي” و “محمد حجي” و ” محمد الحلوي” وغيرهم.
و في نفس الفترة، سيظهر التيار الرومانسي، أو ما أسماه ” عبد القادر القط” بالاتجاه الوجداني، لأن المشهد الشعري آنذاك سيعرف تعايش هذين التيارين بالمغرب الذي كان مؤطرا بظروف سياسية و فكرية و ثقافية؛ متمثلة في الظهير البربري، و تنامي الحركات السياسية التي تفرعت عن الحركة الوطنية، علاوة على الانفتاح على الثقافة العصرية، و قد مثل هذا الاتجاه في المغرب شعراء أمثال؛ “مصطفى المعداوي” و “إدريس الجاي” و عبد المجيد بن جلون” و عبد الغني السكيرج”، الذين حاولوا أن يطبعوا القصيدة الرومانسية آنذاك بالخصوصية المغربية، من خلال استحضار قضايا تاريخية و اجتماعية وسياسية،ترتبط بالحرية و الخروج من وطأة الاستعمار، و الاهتمام ببناء المغرب الحديث.
و في ارتباط بالمشرق معرفيا و ثقافيا؛ سيظهر بالمغرب ” الشعر الحر”، حيث ثم توسيع مجال الإيقاع الشعري و تطويره باعتماد “التفعيلة” و التنويع في القافية والروي،وقد مثل هذا الاتجاه؛ “محمد بنيس” و “المجاطي” و “عبد الله راجع” و “عبد الكريم الطبال” وغيرهم من الشعراء الذين ارتبطوا بالقومية العربية،انطلاقا من نكبة فلسطين مع الاهتمام بالخصوصية المغربية، علاوة على تنامي الفكر الاشتراكي.
و منذ هذه الفترة، دخل الشعر المغربي مرحلة التجريب، خاصة مع ظهور الحداثة و ما بعد الحداثة، انطلاقا من أنها تعطي أهمية للذات في تحديد شكل وجودها في ارتباط باللحظة، أكثر من الارتباط بالماضي أو التراث في عمقه الثقافي و الفكري، و ذلك تأثرا بالثقافة الغربية و الثقافة الحقوقية التي جعلت من الإنسان/ الفرد مركز الدينامية الاجتماعية،علاوة على استمرار التأثير المشرقي.
بفعل هذه العوامل، سيظهر نمط شعري جديد، عرف ب “قصيدة النثر”، و إن عرف تناقضات كثيرة؛ ليس على مستوى الانخراط في الكتابة التجريبية، بل على مستوى المتابعة النقدية، و غالبا لم ينج هذا النمط من أحكام مسبقة، و منمطة، تكاد لا تستجيب لرحابة الأفق الإبداعي الذي أسست له هذه القصيدة في الشعرية العربية و المغربية على حد سواء. وبذلك نجد الموقف الرافض مستندا إلى الأصولية الثقافية، و بالمقابل نجد القبول المطلق؛ و هو موقف الشعراء و النقاد الذين يؤمنون بقيم “التجريب”، و أن السياق التاريخي و الحضاري يمارس تأثيرا قويا على الذوق الجمالي الفني و الأدبي إبداعيا وتلقيا. علاوة على الموقف الوسطي، مما يثبت أن مسألة النظر إلى ” قصيدة النثر” بشكل مسبق والحكم عليها بطريقة مجانية لا يمت بصلة للمنطق النقدي في شيء، فالمسألة ليست أزمة الخيار الشعري بقدر ما هي أزمة إبداع ترتبط بذات المبدع و على أية مساحة جغرافية يضع قدميه.
و إذا ذهبنا إلى أن ” قصيدة النثر” المغربية قد ظهرت بشكل واضح خلال التسعينات من القرن الماضي، فإنه تجدر الإشارة إلى أن إرهاصاتها كانت قبل ذلك، مع ” إدريس الجاي” منذ 1948 . ويمكن أن نشير هنا كذلك إلى فترة الخمسينات مع الأديب المغربي ” محمد الصباغ” (1929)، الذي نجده متأثرا بأدب المهجر، و الأدب الغربي خاصة الإسباني، و بذلك فقد كتب قصائد نثرية في ديوانيه المبكرين؛”شجرة النار” (1955)،و”أنا و القمر” (1956)، لكن السياق الثقافي لم يكن مهيأ آنذاك لهذا النمط الشعري الحداثي،وما يفسر هذا هو ترجمة الشاعر لعمليه إلى الإسبانية قبل إصدارهما باللغة العربية،ورحيله إلى نوع آخر من الكتابة؛ مثل المقالة،والقصة، و هذا ما ذهب إليه “عبد العلي الودغيري” في كتابه ” قراءات في أدب الصباغ” (1977).
و تبعا لهذا، فعلى مستوى ” قصيدة النثر” المغربية، تستوقفنا تجربة ” رشيد المومني” الذي كان سباقا إلى كتابة ” قصيدة النثر” بالمغرب، في فترة السبعينات التي كانت تعرف” فيها الساحة الشعرية آنذاك هيمنة شعر التفعيلة، و ما يثبت هذا هو حنينه إلى هذه القصيدة بعد عقدين من الزمن؛ جعله يكتب نص ” كيمياء الاستحالة”؛ بالعلم الثقافي/ 30 دجنبر 1995، الذي يمكن أن نعده “بيانا” حول هذه القصيدة.
كما نستحضر الشاعر ” المهدي أخريف” الذي سيفترع طريقا جديدة من داخل أفق قصيدة التفعيلة،و ذلك حين اعتمد على “نثرية الإيقاع”، إذ اعتمد التفعيلة لكن بعيدا عن الغنائية؛ متأثرا ب “حسب الشيخ جعفر”، و تجلى هذا الانعطاف نحو النثرية في ديوانه “باب البحر” الصادر سنة 1983.
و إذا كان جيل السبعينات قد بدأ يخرق الذوق الجمالي و الإبداعي، من خلال اعتماد التفعيلة والانعطاف بها نحو النثرية، فإننا نجد جيل الثمانينات قد حاول الاستغناء عن التفعيلة، لكن لازالت الرنة الموسيقية و الإيقاعية عالقة بقصائدهم أمثال؛ ” أحمد بركات” و”محمد بوجبيري” و “وفاء العمراني” و “الزهرة المنصوري”، لكن مع “مبارك وساط” ومن خلال ديوانه المعنون ب “على درج المياه الموعودة” الصادر سنة 1990، يمكن أن نقف عند “قصيدة النثر” باعتبارها كتابة تتجاوز الأذن و الإنشاد، إلى ” البصر” والقراءة الهادئة، باعتماد نثرية الدلالة عوض نثرية الإيقاع، و هذا النمط من الكتابة يمكن إدراجه فيما أسماه ” جون كوهن” ب”القصيدة الدلالية” .
لكن ستعرف تراكما كميا منذ الألفية الثالثة، بفعل التطور التاريخي والحضاري،وانتشار حرية الفرد و حقوق الإنسان، علاوة على تطور الوسائل التكنولوجية و الإلكترونية و وسائل الإعلام؛ حيث ظهر ما يسمى ب ” دمقرطة الكتابة” على المواقع الإلكترونية،خاصة على مستوى ” المدى الأزرق”. مما أسفر عن مجموعة من الإشكالات التي ينبغي أن يقول النقد الأكاديمي و العلمي كلمته فيها، بعيدا عن المحافظة والتقليدية البعيدة عن التحولات التي تحيط بنا، و التي لا ينبغي تجاهلها.
هوامش

شارك
المقال السابقالبرلمان العراقي.. مرعى ومحتطب
المقال التالىيا أهل العالم
رشيد طلبي ناقد و شاعر من المغرب. أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي. له ديوان بعنوان : " الرقص على إيقاع الصمت". منشورات وزارة الثقافة بالمغرب. عضو هيئة تحرير مجلة " الموجة الثقافية" بالمغرب. مكلف بالفضاء الثقافي في جريدة " المسائية". و عضو هيئة مجلة " كتاب الشاعر" التونسية.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد