فلاّحون يصبحون فرنسيين : تمدين الريف الفرنسي ، ١٨٧٠-١٩١٤ …. ح٢

 
فلّاحون يصبحون فرنسيين : تمدين الريف الفرنسي , ١٨٧٠-١٩١٤ .... ح١

Peasants into Frenchmen , The Modernization of Rural France , 1870-1914
By: EUGEN WEBER
( Stanford University Press , 1976 (615 pages)

في الحلقة الاولى عرضت القسم الاول للكتاب كما رتبه مؤلفه ورد فيه مظاهر الحياة الريفية بشكل عام ومدى بعدها عما نعرفه مما توحي به كلمة ” مواطن فرنسي ” من انطباعات وفي هذا القسم من الكتاب يعرض المؤلف للوسائط التي قادت الى التغيير الذي طرأ على شخصية الفلاح الفرنسي وساعدت على تبلور شخصيته لتنصهر بشكل كامل في نمط الشخصية والهوية الفرنسية كما نعرفها اليوم وبضمنها الهوية الوطنية . هذا التغيير لم يحصل من ذاته بل جاء بعد دخول وسائط عديدة مخططة لتعمل كوسيط نقل الشخصية الفرنسية الريفية الى الحال الجديد وهي كما يدرجه ويفصلها المؤلف :
١- طرق المواصلات :
حتى أوقات متاخرة من القرن التاسع عشر شكلت الطرق الرئيسية في فرنسا نظاماً يخدم بشكل أساسي أغراض الحكومة والمدن ول تكن هنالك شبكة طرق فرعية تتصل بحاجات الريف او تسهيل اندماجه في الحياة الوطنية العامة ، فكانت الطرق مكرسة لاغراض نقل القوات العسكرية او لجمع ونقل عوائد الضرائب ولم يكن هنالك تكامل او انسيابية بين شبكات الطرق الرئيسية والشبكات الريفية ؛ كانت مواقع سكن الريفيين بعيدة عن الطرق الرئيسية وبقي الريف منكفئاً على نفسه ؛ لقد بذلت خلال القرن التاسع عشر جهود كبيرة لإدامة الطرق وإصلاحها لكنها اقتصرت على الموجود منها وللأغراض القديمة ذاتها وحتى السكك الحديد فقد انشات بمحاذاة الطرق القديمة وظلت بعيدة عن قلب الريف .
كانت الشبكات المحلية تعزز من عزلة الريف حيث لم تتجاوز الربط بين قرية واُخرى وهي طرق بدائية ، وان تعدت ذلك فقد كانت لأغراض محدودة للغاية مثل تأمين الوصول الى المناجم او للمراكز الحرفية . لقد أدى ذلك الى تحجيم حركة المبادلات التجارية – الزراعية فضلاً عن تأطيرها في نطاق جغرافي محدد واذا اقتضت الضرورة تنقلاً الى ماهو خارج هذا النطاق فقد كان ذلك مكلفاً وصعباً ؛ استمر هذا الحال حتى العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر .
جرى خلال العقدين الاخيرين من القرن التاسع عشر حركة انشاء لطرق ريفية جديدة بهدف ربط القرى والارياف عموماً بشبكة الطرق الرئيسية التي يعود تاريخها الى القرن السابق لكن شبكة السكك الحديد بقيت دون فروع او تشعبات ثانوية حتى الفترة ١٨٩١-١٩١٤ حيث أنشأت أولى السكك الفرعية ذات المقاسات الضيقة لتأمين نقل المنتجات الزراعية كما آمنت في بعض الحالات إيصال بعض أنحاء الريف بالمراكز المدنية المختلفة .
لقد ازالت الطرق العادية والحديدية الكثير من عزلة الريف وجلبت للريف الكثير من معالم الثقافة المدينية وكان لذلك تأثير جوهري وملموس في الثقافة الريفية كما آمن للاقتصاد الريفي فرصاً مهمة للاندماج بالاقتصاد الوطني وتوحيد المصالح اليومية للناس في هذين العالمين ، الريف والمدينة .
بشكل عام يمكن القول ان تقدم فرنسا الصناعي لإيقاف بحجم ماكناتها او بنوعيتها فحسب بل بأطوال الطرق واتجاهاتها التي جعلت من هذه الاَلات شلعاً تجارية نافعة في الاقتصاد العام فضلا عن دور الطرق في نشر الرفاه العام في عموم البلاد .
٢- التقدم الصناعي والمهن وصيغ تعايشهما :
ظلت الصناعات الحرفية في فرنسا الريفية تتعايش الى جانب الصناعة الحديثة حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى سميت فرنسا ببلاد ارباب العمل وفي الريف شكل الحرفيون قاعدة الصناعة .
لقد لعب ارباب الحرف دوراً مزدوجاً وملتبساً في قضية تطوير الهوية الوطنية ؛ لقد شكلوا الشريحة الأكثر وعياً وتعلماً وتسييساً في مجتمع الريف وشكلوا في ذات الوقت احد مصادر الاكتفاء الذاتي والانغلاق على الذات للكيانات الاجتماعية الريفية . هذا الدور المزدوج هو ماشكل المساهمة الجوهرية لأرباب الحرف في تشكيل الهوية الوطنية ، ففي الوقت الذي قدموا رمزاً للانطفاء كانوا في ذات الوقت يمثلون بوابة من بوابات الاعتماد المتبادل بين الريف المنعزل وحياة الأمة الشاملة من خلال طبيعة احتياجات مهنهم لفضاء أوسع من القرية .
كان لتطور الطرق وتسهيل الارتباط بالمدينة دورا في زيادة نشاط الحرفيين خلال المراحل الاولى حيث فتحت أبواب وآفاق أوسع امام ثمرة إنتاجهم أواخر القرن التاسع عشر ، ولكن اتجاهات معاكساً في هذه العلاقة بين الريف والمدينة كان ينمو وفرض نفسه بحكم توغل السلع الصناعية في الارياف بحكم عامل الكلفة .
٣- نمو وتطور منظومات السكن :
انتشرت في الريف عدد من المستوطنات السكانية او البلدات الصغيرة التي تسودها أنماط واساليب العيش المعتادة في الريف البعيدة عن نمط العيش المديني النمطي في المدن الفرنسية وقد اعتبرها ابناء المدن الذين اضطروا للعيش فيها : المعلمون والضباط والموظفون نوعاً من المنافي ؛ في داخل هذه المستوطنات شكل هؤلاء الغرباء من سكانها والذين يتواجدون عادة في دور المحاكم ومؤسسات الادارة المدنية نوعاً من الوصاية الحضارية على أهل الارياف المحيطين بهم . شكل هؤلاء المستوطنون عامل التمدين البشري في المحيط الاجتماعي من حولهم . غير ان هذه المستوطنات كانت تخلو من الكثير من مستلزمات العيش التي ألفها القادمون من المدينة لذلك اضطرت الحكومة للبدء بمشروعات تحديث شاملة ، وخاصة من الناحية العمرانية ، بما يؤمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة السليمة من الناحية الصحية وفي العديد منها ادخلت الانارة الصناعية ، كما شهدت بعضها اضاءة للشوارع .
شهدت هذه المرحلة أيضاً تحسناً في مستوى المعيشة والتعليم والصحة العامة وأصبحت لدى السكان من أصول ريفية بعد دخول التعليم امكانية اشغال مناصب في مجالس البلديات وإدارات التعليم وهيئات المحلفين مما سهل اندماجهم في الحياة العامة للبلاد مما عزز شعورهم بالانتماء للفضاء الوطني الذي يتجاوز محيطهم اليومي المباشر .
٤- تسييس الفلاحين :
بدأ الاهتمام بالشؤون السياسية العامة في الارياف الفرنسية منذ سبعينات القرن التاسع عشر وقد رافق ذلك ، كما عبر عن ، الاندماج الريفي بالحياة الوطنية العامة تحت ثائر وصول المدينة الى الريف من خلال المواصلات والاستيطان المديني في الريف . ما كان يثير اهتمام الفلاحين بشكل أساسي هو مايمس حياتهم مباشرة مثل الخدمة العسكرية وما يتصل بشؤون معيشتهم ومواردهم .
بالنسبة لماركسية فان الفلاحين الفرنسيين لم يشكلوا طبقة لعدم وجود بنية تنظيمية تعبر عن هوية او وعي موحد كما ان تنوع أصناف الحياة الريفية ساعدت على عدم نمو مثل هذا الوعي ؛ كان هنالك الفلاحون من مالكي الارض ومن لايملكونها ، وهنالك مربي الحيوانات وقاطعي الأخشاب وبذلك توزعوا على أصناف عدة .
بدا التعامل الأولي للفلاحين مع السياسة مشوشاً في بدايته ويسوده الاضطراب وارتبط الى حد كبير بالشخصية بعيداً عن التجريدات النظرية والقضايا المبدأية وحتى الاهتمام بالقضايا الوطنية فقد ارتبط بالقضايا المحلية وكان يدور حول شخص او أسرة .لقد كانت العزلة التي عاش فيها الريف فترة طويلة قد حددت خيارات الفلاحين وفرضت عليهم ارثاً من الاولويات مثل العمل والحاصل والأرض . لقد حمل لهم الغرباء القادمون من المدينة افكاراً غريباً ولم تكن في البداية تعني الكثير بالنسبة لهم وكان المدخل الوحيد لاثارة اهتمامهم هو تقديم المعونة عند الحاجة لها وذلك متصل بالعلاقات الشخصية والأسرية فظهر في كل اقليم من الريف عدد محدود من الأشخاص او الأسر وأصبحت صلة الفلاحين بالسياسة صلة ذات طبيعة نفعية لا صلة لها بالعقائد والأيديولوجيات . اصبح بيع الصوت الانتخابي او منحه للسيد في جوهره عبارة عن مبادلة لحق فارغ لا صلة له باي منفعة شخصية مباشرة وسادت عادة تقديم الاعطيات ايام الانتخابات . لقد وصف احدهم ذلك بالقول ” انهم لايفهمون ما يترتب عن الإدلاء باصواتهم ، انهم يصوتون فقط للأفندي gentleman وهذا هو كل شيء بالنسبة اليهم ” . لكن الحقيقة ان الفلاحين كانوا يصوتون لذات الدوافع التي يصوت لها ناخبوا اليوم : تخفيض الضرائب وما هو على شاكلة ذلك مما يتصل بالعيش اليومي البعيد عن الاعتبارات الأيديولوجية . لذلك توجهت أصوات الفلاحين دائماً نحو من كانت له صلة طيبة بالحكومة وليس من يقف معارضاً لها لان الاول اقدر على تقديم الخدمات بحكم علاقاته الحكومية . كانت شخصية المرشح هي المهمة قبل معتقداته ولذلك لم تكن هنالك احزاب حقيقية في الارياف حتى مطلع القرن العشرين { يذكرني ذلك بتصويت ابناء العشائر العراقية مع شيوخهم خلال العهد الملكي والذي نظر اليه البعض وكأنه نقص في الديمقراطية ؛ هكذا بدات كل الديمقراطيات في سياقات نشأتها الاولى }
هذا الوضع بدا بالتراجع مع اتساع نطاق المشاركة السياسية وقد بدات السياسات ذات الطبيعة الوطنية تحظى باهتمام الفلاحين مع دخولها عالمهم مترافقةً مع قضايا ذات طبيعة تتصل بحياتهم اليومية مثل قضايا الضرائب ونظام التأمين الاجتماعي ، ورغم ان الفلاحين لم يعرفوا الكثير عن كيفية عمل المؤسسات الوطنية او الاقتصاد الوطني لكنهم أصبحوا يدركون انها اصبحت شؤوناً تؤثر مباشرة في حياتهم .
٥- الهجرة الى المدينة :
شكلت العمالة في أماكن اخرى غير منطقة الإقامة الدائمة مصدراً لتأمين مدخول إضافي للفلاحين ، وأخذت الهجرة طلباً لمورد عيش سمة دائمة في حياة الريف الفرنسي ، وكانت تتم في الغالب باتجاه المدن الكبرى حيث تتوفر فرص عمل دائمية او مؤقتة .
كانت بعض هذه الهجرة ذات طابع موسمي وقد وصفها احد كتاب مرحلة سبعينيات القرن التاسع عشر بقوله ” لقد كانوا يسيرون في هجرتهم الموسمية بالالاف حيث يخيمون في احياء تخصهم وينتقلون منها الى مواقع العمل ويعودون مرتين في اليوم بمجموعاتهم الكبيرة ويتحدثون بلغتهم الخاصة ، كانوا غرباء في بلاد غريبة ” . ويصف كاتب اخر احوالهم فيقول ” ان المهاجرين الموسميين من عمال البناء ظلوا غير متأثرين بالمرة بالبيئة المحيطة بهم . غير مبالين لما كان يجري حولهم وقاوموا اي تغيير في حياتهم كما رفضوا تعلم اي شيء قدمته لهم باريس وكان من المستحيل تحطيم لا مبالاتهم ” ، وهكذا تشكلت في باريس وحتى الحرب العالمية الاولى نوع من الغيتووات التي كان سكانها يتحدثون لغة محلية غريبة عن الفرنسية .
تحولت الهجرة المؤقتة بمرور الوقت الى هجرة دائمة بفعل مشاهدته المدن من تنمية وبذلك استوطنت إعداد كبيرة من الفلاحين بالقرب من المدن لما وفرته لهم من عوائد مالية كما حررتهم من قيود حياتهم القديمة وتحولت الهجرة من عامل داعم لحياة الاسرة الريفية الى عامل انتقلت من خلاله بعض أنماط حياة المدينة الى الريف والموطن الأصلي .
كانت الحياة في المدينة اسهل والاجور اعلى والعمل اقل فضلا عن توفيرها اللهو والرعاية الصحية اضافة الى توفيرها امكانية العيش على العطايا في بعض الأحوال . كان الحصول على وظيفة دائمة وإمكانية الحصول على راتب تقاعدي من اعظم الإغراءات وبالتدريج اصبح الآباء في الريف فخورون بأولادهم المقيمين في المدينة وبطريقة لباسهم وعيشهم .
هنالك عوامل اخرى سهلت الهجرة ومنها تعميم التعليم حيث اصبح الفلاح المتعلم اكثر قدرة على العمل في المدينة اضافة لوسائل النقل التي آمنت انتقالا سهلاً ورخيصاً الى المدينة . كان للهجرة اثار غي مباشرة على تحسن اوضاع الفلاحين ؛ لقد اصبحت الهجرة سبباً في ندرة اليد العاملة في الريف مما رفع الاجور كما ان الافكار التي كان يحملها المهاجرون العائدون من المدينة ازالت الحواجز النفسية التي كانت تحول بين الفلاح والمطالبة بتحسين موارده من صاحب الارض ، كما كانت المدينة بمثابة مدرسة للممارسة السياسية والاهتمام بالشؤون الوطنية العامة .
٦- الخدمة العسكرية :
مثلت الخدمة العسكرية الإجبارية بمثابة هجرة من نوع اخر . لقد فرضت الخدمة العسكرية الالزامية لمدة ثلاث سنوات في تسعينيات القرن التاسع عشر وأصبحت خدمةً عامة بعد استبعاد جميع انواع الاستثناءات .
كانت الخدمة العسكرية عاملاً لاثارة الاهتمام بالشؤون السياسية والخارجية وكانت الحروب التي تشارك فيها فرنسا عرضة للنقاش العام وخاصة في الارياف باعتبار انها قد تؤدي الى رفع البدل النقدي او قد تقود الى تمديد فترة الخدمة الالزامية مما يحرم عوائل الجنود من أيدي ابنائهم في الحقول او الى استدعاء الاحتياط الذين يشكلون معظم ابناء الريف من الشباب .
ظلت الحروب من الأمور المكروهة بالنسبة لمعظم الطبقات في فرنسا ؛ بالنسبة للاغنياء كانت تخيفهم فكرة اختلاط ابنائهم بالريفيين اما بالنسبة للأخيرين فقد كانت تعني نوعاً من الضريبة غير المباشرة او سرقة تمارسها الدولة بحقهم واصبح الهروب من الخدمة العسكرية شائعاً وخاصة في الارياف حيث يسهل التخفي عن اعين السلطات ، وتنوعت أسليب الاحتيال على قوانين الخدمة العسكرية مثل تسجيل المواليد الذكور على انهم إناث . كانت الخدمة العسكرية طويلة الامد والتي تتعدى خمس سنوات تسبب ضررا مباشراً للسكان ، فقد كانت تعني حرمان الحقول من أذرع لاتعوض كما أدت دائماً الى رفع اجور العاملين ممن يبقون في الحقول ويلحق ذلك ضرراً بالمتألمين فضلا عن كونها سبباً كان يحول بين الشباب والزواج ثم الاستقرار العائلي لذلك كانت الروح المعنوية بين المجندين في أدناها وقد كانت الهجرة من أماكن السكن الاعتيادي احدى وسائل الهرب منها .
كما كان ينظر الى الجيش الذي يكلف بالواجبات في الارياف على انه قوة احتلال وكان على القوات العسكرية ان تتصرف بحذر تجنباً للاحتكاك بالسكان او الدخول في نزاعات معهم .
تبدلت الحال في أواخر القرن التاسع عشر مع صدور قوانين جديدة تنظم الخدمة العسكرية وحددت مددها بين ٣-٥ سنوات كما فعلت التطورات التي زرعت وحفزت الاندماج الريفي بالحياة الوطنية فعلها ، ثم جاءت الحرب الفرنسية البروسية عام ١٨٧٠ وساعدت على خلق الظروف التي اندمج فيها المحلي بالوطني وبدات النظرة الى مؤسسة الجيش تشهد بعض التغيير وأصبحت بعض فئات السكان تتعامل معه باعتباره جيش جميع الناس .
عمل الجيش من جانبه كمدرسة في دمج الريف بالروح الوطنية العامة وتم انشاء بعض الخدمات داخل الجيش تتولى تعليم الجنود الأميين اللغة الفرنسية وتلقينهم معنى ان يكونوا فرنسيين وعززت المراسم العسكرية من هذه المشاعر الوطنية الناشئة كما كان لنوع المعيشة التي أمنتها الوحدات العسكرية لجنودها دوراً مشجعاً للالتحاق بصفوفه عند استحقاق الالتحاق بالخدمة ووصل الامر الى حد ان بعض الجنود صاروا يتطوعون للخدمة لفترات أطول في الجيش بعد انهاء الخدمة الالزامية مع مايعنيه ذلك من تعزيز للروح الوطنية لديهم ولدى اسرهم ومحيطهم الاجتماعي . لقد كان الجيش بالإجمال مدرسة لتعليم الروح الوطنية وروح التمدن ونبذ روح العزلة في ان واحد .
٦- المدارس والتعليم :
رغم وجود المدارس خلال عهد الجمهورية الثالثة الا انها لم تؤت ثمارها الا في العهد الذي تلاها بفعل انتشار طرق المواصلات الحديثة مما مكن الأطفال من الوصول اليها كما اصبحت المدرسة مؤسسة ذات مردود ربحي في الحياة العامة للمواطن وترفق ذلك مع كون المدرسة هي وسيلة لتعليم الطلاب قيماً بديلة وتصورات جديدة عن الحياة بشكل عام وساهمت بذلك في صناعة اجيال جديدة من الفرنسيين ، واصبح الطلاب يذهبون للمدرسة ليس لكونها الزاماً بل لانها تقدم بدائل مفيدة لهم في حياتهم الخاصة والعامة خصوصا وانها اصبحت تلبي احتياجات المجتمع بشكل عام لمواطنين متعلمين ، لذلك صارت قضية التعليم موضع سياسات حكومية .
جاءت الموجة الأهم في حملة التعليم أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر حيث ألغيت جميع الرسوم المترتبة عن التسجيل في المدارس العمومية ثم جاء التعليم الإلزامي الأساسي واصبح لزاماً تقديم العون لكل قرية فيها اكثر من عشرين طفلاً ان تشمل بإعانات انشاء مبان مدرسية وتخصص لها رواتب للمعلمين وتم كذلك اعتماد برنامج دراسي أساسي موحد فضلا عن قواعد صارمة للاشراف والتفتيش المركزي على التعليم وقد نزامن ذلك مع مجمل التطورات التي شهدتها البنية التحتية في البلاد وخاصة في مجال تأمين الطرق والمواصلات .
” والى الحلقة الثالثة والاخيرة في الاثنين القادم مع بقية موضوع التعليم مع الثمرات التي قادت الى زراعة وتنمية الهوية الفرنسية الموحدة لتصبح نموذجاً يحتذى به في العالم “

المقال السابقعانس!
المقال التالىحرّية التّعبير في العراق: تأجيل المؤجّل!
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد