ليس للفقراء وطن..


 
ليس للفقراء وطن..

“رحم الله الشاعر الذي قال ..
كالعيش في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمول”

في درس التربية الفنية كان المعلم يقول لنا افتحوا كراسات الرسم وارسموا موضوع تأميم النفط.
فكنا نرسم أبراج النفط والغاز الطبيعي التي تعلوها شعلات من النار
وعلامات الانتصار.
وتحرير القدس من الصهاينة الاشرار
وكنا في رفعة العلم نمدح الاب القائد وانجازات الثورة ونردد النشيد الوطني كالببغاوات ونحن مصطفين باجسادنا الخاوية ..نرتجف من الخوف والبرد في ساحة المدرسة ونلبس احذية ممزقة ونرتدي أسمال من سوق اللنكَات .. وأغلبنا كان مصاب بفقر الدم وبمرض البلهارسيا وسوء التغذية.
وحين كبرنا قليلا كنا نتسائل بصمت وخشية ونهمس في آذان بعضنا نحن الفقراء أي نفط هذا الذي كانت توهمنا به السلطة.. وأية أحلام للعيش الرغيد كان يلقنها لنا المعلم والمسؤول!!؟؟
لقد عشنا طفولة معاقة في وطن كانت حكوماتنا تهدننا بالعقاب اذا لم نردد مبادىء الحزب وتمجيد القائد, او معلم الدين القاسي وهو يلوح بعصاه اذا لم نحفظ عن ظهر قلب ونتلو بالسور والآيات أو هناك مشعوذي الدين.. يرعبون طفولتنا ويلوثوا مخيلاتنا الناصعة بعذاب القبر وبجحيم في الاخرة وسعير.
وحين كبرنا قليلا في هذا السجن الذي يدعى وطن تحولنا الى وقود وبنادق في معارك التحرير والصمود والتحدي .. وفلسطين لم تتحرر !!

فأي وطن هذا الذي يمتص دماء أبنائه ثم يستعبدهم فيقتلهم أو ينفيهم
ولم نزل ضحية للسياسة والدين والبترول

كل الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق رفعت شعار “النفط ملك الشعب” ما أوسخها من كذبة مستهلكة وعليك مبايعتها.
وحين كبرنا قليلا ادركنا ان خيرات البترول كانت تذهب دائماً الى الحاكم والغريب وحاشيته وسماسرته والى محارق الحروب واستيراد أخر آلآلات التعذيب والموت..
والشعب ذليل راضخاً يعيش البؤس وعليه ان ينحني للحاكم ويشكره على كسرة خبز يتباهى بها ويذل بها الضعفاء.
هنالك نكات تنتمي الى الكوميديا السوداء والضحك على الذقون كما يقول المثل العربي , أو مقارنة بما قاله وزير الاعلام النازي جوزيف جوبلز
“اكذب ثم أكذب حتى يصدقك الناس”

وأيضاً هنالك حقيقة مؤلمة وهنالك وجع وهنالك ظلم وهنالك طبقات معدمة من العراقيين تعيش تحت خط الفقر, أقصد في احدى البلدان الغنية في هذا العالم مازال يوجد هنالك أناس يسكنون في بيوت من الصفيح وهم يعتاشون ويرتزقون من القمامات والمزابل هذا اليوم وهم ينظرون بحسرة الى شعل نيران آبار النفط التي تحيط بيوتهم من اطلال الصفيح .
وحين كبرنا قليلا صفق الشعب لمنقذ وقائدا قيل انه جاء من اجل كرامة الانسان والوطن .. لكنه سرعان ماتحول الى ملك الطغاة فاستعبد الوطن والانسان وجعل النفط وقوداً للحروب العبثية والخاسرة .. ثم رحل طاغية الحروب .. وجاء بعده ملوك الفساد واحزاب الدين بسماسرتهم من اراذل السفلة والحرامية .. وحين كبرنا قليلا أدركنا ان الاوغاد واللصوص تفرقهم التسميات وتجمعهم الفريسة.

لا تعليقات

اترك رد