عانس!


 
عانس!
لوحة للفنانة رانيا جاد علي

ولأن الحكاية تنتهي بتلك الخاتمة التي تتكرر دائما ؛ حاولت أن تكون فريدة في تفاصيلها ومن ثم نهايتها،الجراح تشفى من داخلها ، ما يظهر على السطح ماهو إلا علامة المرض، أخفيت كل تلك الآلام لم يشعر بي أحد، مثل وجه كئيب عالجت تجاعيده بستى المساحيق، مسحة من حزن تطل من بين تلك الخفايا،منذ متى أفلح الطب وكهنته في علاج الجراح التى تقرحت بين حنايا القلب؟!
أخفيت كل ما يدل على وجودي الأنثوي المنزوي بين عالم يثور بركانا، ارتديت ثوبي الذي يضج بما يعتمل داخلي من عاطفة مقهورة، وضعت المساحيق التى قد تخفي بعضا من ألمي، ثمة إحساس يسيطر علي ؛ ما بقي لي من الأربعين عاما التى تصرمت رغما عني مثل قطرات الماء من بين أصابعي المعتلة برهق القلق ووجع الاغتراب النفسي!
راتبي ذلك المبلغ الذى أتسلمه حدادا كل شهر يمضى من عمري،كنت أنفقه يمنة ويسرة ، لا يجلس جواري غير الضياع، كتبي مثل عالم اللامعقول الذى كتب علي أن أتعاطاه.
أعيش اللحظة كيفما اتفق، أتبلع الأفكار الأكثر غرابة ، “موضات الثياب ” تركت آثارها على جسدى ،كنت مثل سجين مقيد بثوبه قبل قيده، الأحلام تنتهي بتلك المفزعات التى تحوط بي.
حاولت جاهدة أن أتخلص من تلك المشاعر، جربت الرحلات، سافرت بعيدا، تبنيت القطط الوديعة ، رغم الشعور بالوحدة الباردة كنت مع تلك القطط مثل مهرج السيرك يضحك من بلاهته كل الحضور، ولا يدرون عمق محنته.
وأنا بين تلك ةالأوهاوم والخيالات أعاني، لم تكتحل عيني برؤية شروق الشمس، الفراغ يملأ حياتي ، ما عاد لي شيء ذو قيمة، كانت حجرات البيت أشبه بمعزل الحجر الصحي ،أعيش بين جدرانه الكئيبة التى لا لون لها غير تلك الصفرة التى تشير إلى الموت!
العيدان لم يكونا غير استراحة قصيرة في مسيرة أيامي الكليلة، تهرأت الثياب فكانت يد الدهر أسرع صلة بها، لقد عرفت هي الأخرى طريقها إلى البلى ، تقطعت بها الصلة من عالم يتسع لكل تلك الجراح.
تكاد المرارة تترك آثارها في كلملتي التى أتبادل بها إشارات التواصل مع الآخرين تخلصت من المفردات التى تعبر عن ذاتي.
الآن وجب علي أن أعاود النظر في تلك الأيام التى ربما يقدر لي أن أمضيها،
الأربعون !
وهل حقا تلاشت مثل برق سحابة صيف خادع؟
من يقبل بتلك المرأة التى تحطمت قبل أن تمسها يد العطار فيصلح ما أفسده الدهر؟ كم تمنيت أن أغير هذا اللقب الوصمة، أن أكون حتى مطلقة أوربما أرملة!
أن يقال كانت أنثى بها نفع ذات يوم، ما أقسى الآمال حين تأتي مغطاة بدثار الخيبة!
هاهو الجلد قد تغضن ، بدأت الشعيرات البيضاء تلوح مثل عدو حقود، ينفث سمه كتلك الأفعى التى تعاود الظهور في كوابيسي المرعبة!
أهو نذير الموت يأتي؟
ليتني قبلت الزواج منه ، كان فقيرا ، لا بل كانت حجوة واهية ، أخفيت وراءها رغبتي أن أنتظره حتى يعود من بعثته التى لم ولن تنتهي ، ابتلعته الشقراء ، مثل مغارة الكهف الذي أتخيله حين أقرأ القرآن الكريم، خاصة يوم الجمعة!
تقف أدوات زينتي مثل الدمى لا نفع منها غير أن تؤنس الخائف الفزع!
حاولت أن أقذف بها من النافذة مثل ذكريات عمري الضائعة، ما أقسى أن تكون تلك البرودة في مشاعري والتى تحاصرني بلا انتهاء.

لا تعليقات

اترك رد