بوح الياسمين : صلوحة


 
بوح الياسمين : صلوحة

في اوائل الستينات انتقلت عائلتي من الدوحة الى دبي وقد كانت إحدى امارات ما يعرف وقتها باﻻمارات المتصالحة وكانت ماتزال تحت الوصاية البريطانية يعيش موظفوها في مبنى جميلا يشبه القصور ويمتد على رقعة ارض واسعة ربما كان المبنى الوحيد الذي تضاء اسواره ليﻻ بالانوار الملونة -إذا ما أغفلنا قصر الشيخ راشد آل مكتوم رحمه الله – فتعكس اﻻضواء جمال محيطه المزروع في وسط شبيه بالصحراء .هذا البناء كان مقرا للمعتمدية البريطانية ومن باب المعلومة أحببت أن اخبركم ان التعامل المالي حينها كان بالروبية الهندية والمنقوش عليها صورة لمخلوق ذو رأسين. كانت دبي مدينة في بداية نهضتها ومن يراقب حركتها انذاك يستشف من التخطيط الصادق والجدي لحكامها انها ستواكب يوما اكثر البلدان تقدما وربما ستفوقها لتصبح في مصاف الأماكن السياحية التي تستقطب شخصيات عالمية وتكون حلما لعشاق السياحة وذلك لسبب بسيط لفتتني له صديقة غالية على قلبي وهو ان هؤﻻء الحكام احبوا ارضهم وشعبهم فأحبتهم اﻻرض ودان لهم الشعب بهذا الحب.
كانت عائلتنا حينها مكونة من والدي ووالدتي وابنتين وولدين أضيف الى القائمة اخ ثالث أصبح آخر العنقود .
في زوايا ذلك الماضي توجد ذكريات جميلة ماتزال عالقة بوجداني عن طفولتي بالدوحة بعضها مشوش بما يشبه الصور الغير واضحة مثل أيام قضيناها بالمستشفى عند ولادة اخوتي وعند مرض والدي ولكني أتذكر جيدا كيف ساعدته وانا طفلة على الهرب من المستشفى لأنه كان يكره رائحة الأدوية .كانت أياما جميلة أتذكر أشياء مفرحة بها ربما سأكتب عنها يوما ما .كان اخي الصغير متعلقا بجدتي ﻻمي التركية اﻻصل المعروفة بطريقتها القاسية في تربية ابنائها تلك القسوة التي انقلبت الى منابع من الحنان في تعاملها معنا خاصة بعد سفرنا واغترابنا فقد كانت تميزنا بمعاملتها المتطرفة الممتلئة حبا عن باقي احفادها مما خلق عندهم بعض من الغيرة المشروعة مازلنا ندفع ثمنها حتى اﻻن . هذا الاغتراب والبعد عن جدتي اكثر ما عانى منه أخي الصغير فمرض ولم يكف يوما عن ذكرها رغم انه لم يتجاوز السنتين من عمره . وصلنا الى دبي وأقمنا في احدى البنايات المعدودات على أصابع اليد الواحدة في دبي والمكونة من طابقين وتقع في شارع نايف بالقرب من مكان عمل والدي في مطبعة دبي حيث كان يشغل وظيفة المدير الفني لها . كان بيتنا في الطابق الأرضي له بلكونة صغيرة تقع بمحاذاة الطريق الترابي الخلفي للشارع وغالبا ماكنا نجلس فيها فقد كانت المكان الوحيد الذي يسمح لنا بالخروج اليه .
في إحدى الايام كنا نقضي وقتنا بهذه البلكونة وكانت امي معنا تمسك باخي الصغير وهو جالس ممسكا بقضبان سور البلكونة وهو يتفرج على المارة وماهي اﻻ دقائق حتى لمح امرأة متشحة بعباءتها السوداء فاعتقدها جدتي التي وعينا عليها وهي لم تخلع يوما لباس حدادها . رمى نفسه عليها وهو يصرخ تيتا تيتا وقد اعتقد انها جدتي.
لم يكن هناك اي وجه للشبه بينهما ابدا فهذه المرأة طويلة وشديدة السمرة تفوح منها روائح العطور القوية العابقة بالعود والعنبر والبخور و التي لم نكن نستسيغها ابدا وعلى اﻻصح كنا ننفر منها ولم نكن نعلم ان هذه الروائح العطرة بالذات ستكون يوما من ضمن ﻻئحة العطور المفضلة على مناضد زينتنا بحكم العادة والحب والوفاء لاهل هذا البلد.
هذه المرأة كانت صلوحة وهو ربكا يكون تدليع لاسم صالحة وهو اسمها الحقيقي. امرأة في العقد الخامس من عمرها لها ابن وحيد في عمر المراهقة وتربي بنتا تبنتها تقارب اعمارنا وربما اكبر منا . من يومها تعلقت صلوحة باخي وبدوره هو لم يعد يتركها ابدا ولن يصدق بشر انها وبهذا العمر وبعد تجاوزها مراحل الحمل والوﻻدة كانت من شدة احساسها بأمومتها نحوه تدر حليبا وترضع اخي لفترات طويلة . وبعد فترة وعندما كبر نوعا ما كنا اذا اردنا ان نزعجه وبطريقة صبيانية نحاول ان نذكرها بسوء فيبدأ بالبكاء فنشفي غلنا منه وننتقم لما فعله لنا.واذا ما اردنا زيارتها وقد كانت تسكن بقربنا كان يقف حاجزا بالباب لكي يعطيها وقتا كافيا لتلبس وتخرج الينا غيرة منا عليها .كان لوالدي طريقة طريفة يمازح بها أخي وهو يسأله مستنكرا عما يحبه بها وهي كلها سمراء البشرة فكان يرد بعصبية ان اسنانها بيضاء وللحقيقة كانت هذه المرأة تشع جماﻻ داخليا فيطغي لون قلبها اﻻبيض على حياتنا روعة لانها احست بغربتنا واحتضنتنا بكل احاسيس الجدة الحنون وعوضتنا غياب حضن جدتي .وقد كانت توجه والدتي بخبرتها الطويلة بالحياة وبطريقة التعامل مع الناس . الى هذه الدرجة كانت تصرفاتها نابعة من خوفها وحرصها علينا.
اجمل ايام طفولتنا كانت معها .فقد كانت دائما تحتفظ لنا بعلب الشوكوﻻته الكيت كات والليون ولم اكن اعرفها قبلها .وقد حفظت اغاني ابوبكر سالم وأحببته من خﻻلها.
يوم الجمعة كان له نكهة خاصة معها لانه مخصص (للكشتة) والكشتة تعني رحلة في البر وأعتقد انها كلمة هندية ومعناها النزهة .هناك كلمات كثيرة غير عربية مستخدمة في لهجة ابناء اﻻمارات المتصالحة وقتها والتي مازلت اذكرها ولكنها اضمحلت مع الوقت حتى اختفى استعمالها مثل البشتختة وهو جهاز تشغيل اﻻسطوانات الموسيقية والكبت وأظن ان اصلها انجليزي وهو الخزانة والخ … هذه الكشتة أو رحلة السفاري كنا ننتظرها كل أيام الاسبوع وأشد ماكان يفرحنا بها عندما تعلق السيارة بالرمل فنضطر الى دفعها بأيدينا الصغيرة متظاهرين كذبا بالتململ . اما منتهى سعادتنا فكانت عندما يلبي السائق طلبنا فيسرع باقصى مايستطيع من سرعة حتى نصل الى أعلى نقطة بقمة الهضبة الرملية فيوجه السيارة نزوﻻ الى القاع بنفس السرعة .هذا الهبوط السريع كان أعلى درجات السعادة عندنا واكثر مانرتجيه من الكشتة.
وعندما يحين وقت الراحة نجلس للغذاء ونستمع لصوت ابو بكر سالم وهو يغني يازارعين العنب واغنية على سلم الطائرة واظنها لطارق عبد الحكيم . لم تكن صلوحة مغيبة عن الساحة السياسية فصورة الزعيم جمال عبد الناصر تتوسط حائط غرفتها واغاني عبد الحليم الوطنية موجودة بقوائم مفضلاتها .

كبرنا وابتعدنا عن دبي منتقلين إلى إمارة أبوظبي بعد تولي المغفور له الشيخ زايد مقاليد الحكم وقتها ولكن بقيت صلوحة تعيش بوجداننا ولحد الان أحس ان تلك الايام تحمل اجمل ذكريات عند كل واحد فينا .عرفت بعدها أن صلوحة غيبها الموت ولكنها لم تغب ابدا عن احاديثنا وعن قلوبنا . اكتب اﻻن من الدوحة وقد قدمت من دبي منذ يومين فقد مررت باطﻻل غالية ذكرتني بها خاصة عندما انعطفت سيارتنا بمنطقة كتب على لوحتها المرورية (هور العنز) وﻻ ادري لماذا ربطت اﻻسم بها ربما هي كانت تعيش هنا تلك الايام ولكن الذي ادريه انني قرأت لها الفاتحة وطلبت لها الرحمة والمغفرة وأرسلت لها رسالة حملت أحرف الحب والوفاء لانسانة عوضتنا حنان حضن افتقدناه .
اعلن اﻻتحاد بعدها بسنوات واصبحت دولة اﻻمارات العربية المتحدة من اوائل الدول تقدما وريادة بفضل جهود زعيمها ومؤسسها . رئيسها العربي الخالد الذكر والمغفور له باذن الله الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رحمه الله وقد كان لي معه ومع السيدة حرمه أم الإمارات عدة لقاءات ربما ذكرتها يوما.
تحية لروحك صلوحة فقد كنت مثال اﻻم التي لم تلدنا .
وتحية خالصة لحكام اﻻمارات الذين ضربوا مثﻻ بحب الحاكم لشعبه ووطنه فبادلهم شعبهم حبا ووفاء وعرفانا .
ونلتقي ببكرا … الأحلى

تنويه : هذه الكلمات كتبت قبل سنتين تقريبا

لا تعليقات

اترك رد