الاصلاح واللمسة الاخيرة


 
الاصلاح واللمسة الاخيرة

بعد فاجعة الكرادة في الثالث من تموز الماضي اصيب الكثير من الحالمين بالتغيير بالذهول والياس وفقدان الامل من امكانية ان يعود شعب العراق الى الحياة، وحين كتبت عنها مثل آخرين في حينه كنت اجد صعوبة في ايجاد الكلمات المناسبة لوصف المأساة، لاني لا اعرف كيف يمكن لشعب ان يكون بهذا القدر من الصمت والخنوع والرضوخ لامتهان كرامته ، وكنت كغيري من المراقبين والمثقفين والحالمين قد استبشرنا خيرا بطرد اهالي الكرادة للعبادي واعتبرناها صحوة متاخرة، ولكنها يمكن ان تكون بداية لثورة عارمة، تعيد الحق الى نصابه وتنهي سيطرة الماجنين المفسدين على شؤون البلاد والعباد، غير اننا صدمنا بعد يوم واحد، باستقبال اهالي الكرادة لقادة بعض الميليشيات والعصابات بالاهازيج والهلاهل وكأن الذين استشهدوا كانوا مجرد اكباش فداء لهؤلاء القتلة المجرمين، لم نفهم حينها كيف يمكن ان يطرد رئيس الوزراء الذي لغباءه الساحق لم يمتلك ميليشا لحد الان، في حين يستقبل قادة العصابات بالترحيب والاهازيج، فتأكد لدينا نحن الآملين بالتغيير ان لا أمل في شعب ينام على مهانته وجوعه بترديد دعاء كميل وخبز العباس وكرامات ام البنين، وتغير المزاج من امل الثورة الى كل ماهو غير معقول ومفهوم، وانتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي اراء اليأس والشلل وفقدان الامل، حتى ان بعض الناشطين الذين تواصل نشاطهم على مدى عام كامل في ساحة التحرير وفي شبكات التواصل الاجتماعي اعلنوا قرارهم بالتوقف ومغادرة البلاد دون رجعة..

يردد الكثير من المعلقين والمحللين الرياضيين حين يلعب الفريق العراقي لكرة القدم امام اي فريق اخر عبارة: (الفريق العراقي قدم اداءا رائعا ولكنه يحتاج الى اللمسة الاخيرة).. اللمسة الاخيرة هي تلك اللمسة التي تحقق الهدف.. ولم يكن هؤلاء المعلقين مدركين اننا كعراقيين كنا ومازلنا بحاجة دائما في حياتنا العامة والخاصة وعبر تاريخنا الطويل الى اللمسة الاخيرة، فريقنا يخسر امام جنوب افريقيا مع انه لعب بمستوى لم تشهده الكرة العراقية من قبل، ولكنه بالنتيجة لم يتاهل للمرحلة الثاني من الاولمبياد لانه افتقد الى اللمسة الاخيرة، حياتنا قبل الاحتلال كانت ايضا بحاجة الى لمسة اخيرة، كقيادة افتقدت الى لمسة من التعقل والهدوء ، وكشعب كنا نحتاج لمسة من الحرية ، وجميعنا انذاك حكومة وشعبا كنا بحاجة الى لمسة من الوعي..
بعد الاحتلال، كنا بحاجة الى لمسة من الاحترام، احترام تاريخنا وبلدنا وحاضرنا ومستقبل اجيالنا، وحين فقدنا الاحترام فقدنا كل شيء، والذي لا يُحتَرَم يعيش بمهانة واحتقار حتى ينتفض لنفسه ويعيش بشرف او يموت بشرف ايضا، والذي لا يُحتَرَم يسمح لكل من هدب ودب ان يعتلي ظهره ويقوده كما تقاد المطايا..

واصبحنا مطايا، كفاءاتنا بين قتيل ومهجر ومحارب، عقولنا غيبت، واراداتنا استبيحت، وكرامتنا اهينت الى الحد الذي ارتضينا بما لايمكن ان يرضاه اي كائن على وجه الخليقة، هل هناك شعب يرتضي ان يكون قادته فاسدين عملاء للاجنبي وينتخبهم لاكثر من مرة، هل هناك شعب يرتضي ان يكون وزير نفطه وثروته شهرستانيا وليس عراقيا، هل هناك شعب يرتضي ان يكون وزير خارجيته خبلا مجنونا ورئيس برلمانه متهما بالارهاب، هل هناك شعب يرتضي ان يكون وزراءه مجموعة من الاغبياء والتافهين، نحن من فقد احترامه لنفسه وارتضى بكل ذلك واكثر..

مرت علينا ايام دامية كثيرة، جمعة دامية واحد دامي وثلاثاء واربعاء وامتلأت ايام الاسبوع بالدماء التي تحركت ضمائر العالم لاجلها، ولكن ضميرنا بقي مستترا، وجاءت فاجعة الكرادة لتسدل الستار على تاريخ شعب بدى وكانه لم تعد تؤثر فيه الكوارث، كارثة الكرادة وقبلها سبايكر وتفجيرات مدينة الثورة واخيرا وليس اخرا ماساة اطفال اليرموك.. ماعاد الضمير حيا، ولم يعد بعد ذلك الحديث مقبولا عن الفساد، فالفساد ليس فساد السلطة فقط بقدر ماهو فساد شعب باكمله، فلاموظف امين شريف ولا طبيب ولا محامي ولا شرطي ولا عامل ولا فلاح.. الفساد هو الختم الذي ختمنا به ولم يعد باستطاعتنا تخطيه، حتى دعواتنا للاصلاح فسدت هي الاخرى، فتحول الاصلاح الى لعبة نلعبها مع بعضنا مع اننا جميعا نفتقد فيها الى اللمسة الاخيرة..
عام كامل يمر الان على عمر التظاهرات والاحتجاجات من اجل الاصلاح، ومازلنا نفتقد الى اللمسة الاخيرة التي تحقق الهدف، عام كامل من دوري الاصلاح بين الحكومة والشعب كانت النتيجة ان خسر الشعب مبارياته بسبب فقدانه للمسة الاخيرة، حتى هجومه على الخضراء لم يكن متقنا فجاءت تسديداته خارج الشباك، صحيح هي اثارت الخوف والقلق لدى الحكومة وزمرة العملاء والفاسدين ولكنهم يعرفون جيدا اننا لا نمتلك من يضع الكرة في الهدف، مقتدى الصدر وضع نفسه رغم انف المدرب راس حربة للفريق، والكل يعلم انه معاق فجاءت تسديداته في الفراغ، فاضاع على الجمهور جهد عام من الغضب والمعاناة وفرصة لن تتكرر قريبا او ربما لن تتكرر للابد..

في شبكات التواصل الاجتماعي ترى الجميع يسب ويشتم، في الفضائيات يطل علينا الفاسدون بثياب النزاهة والشرف، المالكي يدعو الى محاربة الفاسدين، والشهرستاني يدعو هيئة النزاهة للقيام بواجباتها في مكافحة الفساد، والعبادي مازال يردد انه يحارب الفاسدين مع انهم يحيطون به من كل جانب، وزير الدفاع يكشف عن فساد رئيس البرلمان والقضاء يعلن ان الادلة غير كافية، والمرجعية تتفرج والشعب يصرخ (علي وياك علي) دون ان يعلم ان عليا(ع) كان ايضا بحاجة الى لمسة اخيرة لتثبيت حكمه وتغيير مجرى تاريخ امة ايلة الى الخراب..

1 تعليقك

اترك رد