لهيب الأسعار في تونس يذيب الدخل ويذهب العقل …. فهل أصبح المواطن التونسي مهددا في أمنه الغذائي ؟؟؟

 
لهيب الأسعار في تونس يذيب الدخل ويذهب العقل .... ؟؟؟ للكاتبة فردوس كشيدة #تونس

شهدت الفترة الأخيرة تدهورا كبيرا في مستويات المعيشة في تونس , حيث غالبية المواطنين يعانون من غلاء وارتفاع الأسعار بشكل جنوني , شمل كل المواد الضرورية الكمالية , فلا يكاد يخلو مكان من تذمر التونسي من غلاء المعيشة الذي أصبح لا يطاق . وفي ظل تراجع قيمة الدينار وتدهور الاقتصاد والسياحة بسبب الارهاب , أن موجة الغلاء ولهيب الأسعار سيتواصل ويزيد من معاناة العائلة التونسية التي أصبحت عاجزة على مواجهة المصاريف اليومية , باعتبار أن أسعار وتكلفة “قفة التونسي” منذ الثورة الى الان ارتفعت بنسبة تجاوزت الى 60 % دون تراجع وفق الخبراء . فهل أصبح المواطن التونسي مهددا في أمنه الغذائي ؟ وما هي أسباب أزمة غلاء المعيشة التي تمر بها البلاد ؟ وما هي الحلول المقترحة لمواجهتها ؟
بات المواطن خلال السنوات الأخيرة يعاني أزمة الغلاء الجنوني للأسعار , مما أضر بمقدرته الشرائية . وتفيد الاحصائيات الرسمية أن العائلة التونسية تخصص حوالي 30 % من ميزانيتها للغذاء . وأمام تواصل ارتفاع المواد الاستهلاكية الأساسية , وخاصة منها الخضر بأنواعها والغلال ومنتجات الدواجن واللحوم , فان المواطن يجد نفسه مجبرا على الترفيع في النفقات المخصصة للأكل وأحيانا يصبح مرغما على مضاعفتها وهو ما يجعله غير قادر على مجابهة النفقات المعيشية الأخرى من صحة وتعليم ونقل….
فالوضع المعيشي لا ينذر بخير ولم يعد المواطن قادرا على ” القفة ” ولا على تدريس أبنائه وتوفير كسوتهم ولا على خلاص الفواتير المتضخمة للكهرباء والماء ولا للتداوي , فالراتب واحد والمشارب كثيرة !!!
ومن أبرز المؤشرات التي تبين عن تدهور المقدرة الشرائية للتونسي , نجد أن 67,9 % من أصحاب الأجور قد تجاوزوا مدخراتهم وهم يستهلكون رصيدا على حساب الأجر القادم أو ما يعرف بالتسبقة ” في الروج ” . فحسب استبيان قامت به المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك , أثبت أن مع مرور كل شهر تزداد وضعية المواطن التونسي صعوبة , فذا الدخل المتوسط كان في فترة ما يدخر من راتبه مبلغا ماليا يصل بعد فترة الى 3 أو 5 الاف دينار , وهو ما نسميه ” عندي تحت رأسي تفتوفة ” , لكن هذا المبلغ تبخر اليوم وصار مواطنو الطبقة المتوسطة يقومون بسحب راتبهم الشهري وراتب أو اثنين اضافيين ” في الروج ” لتغطية المصاريف بعد غلاء الأسعار , مما يؤكد معاناة الطبقة الوسطى في مواجهة المصاريف اليومية , فما بالك بما يعانيه مليونين من التونسيين المصنفين في خط الفقر !!! .
ولعل من أسباب ارتفاع الأسعار في تونس , يعود الى الاحتكار وانخفاض قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية , وهو ما يثقل كلفة استيراد المواد الأولية والسلع الاستهلاكية , اضافة الى ذلك الاقبال على الاستهلاك مقابل ضعف الانتاج ومحدودية المراقبة الاقتصادية وانتشار ظاهرة التهريب , كل ذلك يتسبب في غلاء المعيشة في البلاد . ولقد أرجع بعض الخبراء في ادارة المنافسة والابحاث الاقتصادية , ارتفاع أسعار الخضر والغلال خاصة الى غياب برمجة مدققة للانتاج , اضافة الى الاستهلاك الوطني أصبح التصدير ينقسم الى جزئين قانوني وعشوائي , كما أن مسالك التوزيع تعاني من عديد النقائص والتجاوزات على العديد الأصعدة وخاصة عند تدخل الوسطاء وعدم تكفل الفلاح بتزويد السوق بطرق قانونية تهربا من دفع الأداءات , الى جانب ذلك تأثير السوق الموازية وعمليات التهريب في أسعار المواد الاستهلاكية وخاصة الخضر والغلال . وكل هذه التجاوزات دعمت ظاهرة الاحتكار لدى التجار والوسطاء, وتغول السماسرة لم يعد بالامكان السيطرة عليهم بعد أن تحولوا الى أباطرة يسيطرون على السوق دون حسيب ولا رقيب .وهذا ما أضر أكثر بالمقدرة الشرائية للمواطن التونسي , حيث ارتفعت كلفة ” قفة ” المواطن وبلغت حاليا أكثر من 1,100 دينار شهريا أي ضعف ( السميغ) بأربع مرات والحال أن أغلب مرتبات موظفي الدولة لا تتعدى ال700 دينار وهو ما يتسبب في عجز متواصل لميزانية العائلة بنحو 50 % مما يجبر التونسيين على التداين والتقشف . ولهذا في دراسة حديثة حول غلاء المعيشة في العالم , نشر موقع GO Banking Rates المختص في الدراسات الاقتصادية والمالية في 19 فيفري 2016 , أسند فيها لتونس المرتبة 32 على 122 دولة شملتها الدراسة , وتتقدم تونس على المغرب التي تحتل المرتبة 46 في حين تحتل الجزائر المرتبة 25 لتكون الدولة الأرخص في المغرب العربي .
وبناء على تقرير المنظمة العالمية للصحة الأخير والذي أفاد بأن حوالي مليون و 287 ألف تونسي يعانون سوء التغذية , وأن مليوناوتسعمائة اخرين يعجزون عن تحصيل قوتهم اليومي من الغذاء وأن 45 % من موظفي الدولة فقراء . فهل يمكن اعتبار المواطن التونسي قد أصبح مهددا في أمنه الغذائي ؟ وما هي الحلول اللازمة لتجاوز أزمة غلاء المعيشة التي تمر بها بلادنا ؟
يعتبر الأمن الغذائي من التحديات الرئيسية لكل الحكومات المتعاقبة على البلاد , ألا وهو ” توفير الغذاء لجميع أفراد المجتمع بالكمية والنوعية اللازمتين للوفاء باحتياجاتهم بصورة مستمرة من أجل حياة صحية ونشطة ” الا أنها عجزت بعد الثورة عن السيطرة على الأسعار والحد من لهيبها , مما يهدد الأمن الغذائي لملايين التونسيين , نظرا للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة ولغياب استراتيجية وبرامج ومنظومات من شأنها أن تعطي أكلها على المدى القريب والبعيد . فوفقا لبعض الخبراء , أن الأ سلوب الأمثل لمواجهة غلاء الأسعار وضبط الأسواق بعودة مشروعات الأمن الغذائي والثروة الحيوانية ودخول الفلاحة حيز التصنيع , وهو حل كفيل من دعم الحراك الاقتصادي بصفة عامة في البلاد وذلك من خلال تنظيم أطر الانتاج والتوزيع والبيع , وهو الية تساعد على توزيع المنتوج وتقسيمه الى ثلاث وجهات سواء التصدير أو الاستهلاك المحلي أو التخزين بطرق صناعية وعلمية , وهذا من شأنه أن يؤدي الى انخفاض أسعار المنتوجات الفلاحية , وخاصة من خلال انخفاض تكلفة النقل والتوزيع بعد تهيئة الخضروات والغلال , مما سيكسب المستهلك الوقت ويريحه من عناء تنظيف الخضر , حيث أن هذه الأخيرة سيتم بيعها بعد مرورها على وحدات صناعية , أين يتم تخليصها من الشوائب سواء كانت طازجة أو معلبة . الا أن مثل هذه المنظومات تحتاج الى تكاتف المجهودات الجماعية حتى تكون ذات جدوى ومردودية وكفيلة بتقليص الأسعار وتوفير مواطن شغل , مما يقلص من أزمة البطالة من خلال توفير وحدات صناعية .
اضافة الى ذلك يجب تكثيف حملات المراقبة على مسالك التوزيع وفي الفضاءات التجارية الكبرى وفي أسواق البيع بالجملة والتفصيل , مع مزيد العمل من أجل الحد من توسع رقعة التجارة الموازية والممارسات الاحتكارية واحباط عمليات التهريب التي طالت العديد من المواد الأساسية , واهتمام وسائل الاعلام بحالة الأسواق وتوعية المواطنين بالأسعار العادلة للسلع وتشجيع منظمات المجتمع المدني لدفع المستهلكين الى الامتناع عن شراء السلع والمقاطعة في حالة قيام التجار بالمغالاة في أسعارها .
وفي انتظار حكومة الوحدة الوطنية برئاسة السيد يوسف الشاهد وما تحمله للبلاد من رؤية استراتيجية تحقق العدالة الاجتماعية والتنمية العادلة والمستدامة وتؤسس الى الحوكمة الرشيدة ومقاومة الفساد وتكريس سيادة القانون , فان التدخل الناجع للسلطات العمومية وجميع الهياكل المعنية أصبح ضروريا لانقاذ المقدرة الشرائية للمواطن التونسي وأمنه الغذائي .

لا تعليقات

اترك رد