مجتمع المعرفة والبحث العلمي العربي – ج1

 
مجتمع المعرفة والبحث العلمي العربي - ج1

أجريت منذ أكثر من خمسة عشر عاماً تحقيقاً صحفياً ميدانياً عن “البحث العلمي في سوريا-جامعة تشرين نموذجاً” لصالح صحيفة الثورة السورية التي نشرته في حينه مع ما تضمنه من أرقام وإحصائيات وشواهد وقرائن ودلائل، ولقاءات، وحوارات دارت حول الموضوع ذاته، أشارت ودلت بمجملها على الحالة المأساوية التي بلغها واقع العلم والعلماء (إن وجدوا) في مجتمعاتنا العربية، وحجم الخطورة الكبيرة لما يمكن تسميته تجاوزاً “بحث علمي عربي”.. ويومها طرحنا السؤال التالي باستنكار واستهجان شديدين: هل هناك بحث علمي حقيقي في بلداننا العربية؟!..

وقد عدت منذ فترة قصيرة -وعلى نطاق أوسع- لمتابعة واستكمال بعض الأسئلة والمضامين العملية التي طرحناها في سياق إعدادنا لهذا التحقيق، وذلك عندما اطلعت على بعض الأرقام والإحصائيات العربية والدولية التي تحدثت عن أنه ومن أصل حوالي 400 جامعة مرموقة ورفيعة المستوى ومعروفة دولياً لا يوجد اسم لأي جامعة عربية (أو ربما وجد اسم واحد لجامعة عربية واحدة فقط مؤخراً) على الإطلاق في مقابل وجود أكثر من جامعة إسرائيلية ضمن التصنيف ذاته.. وهذا ما يجعلنا نستنتج بأن إسرائيل تقوم على العلم والمنطق البحثي العلمي، وليس على الجهل والتخلف، أي أنه ينطبق عليها وصف مجتمع المعرفة بامتياز، بقطع النظر عن توجهات أفرادها ومعتقداتهم المتعصبة وقناعاتهم الأسطورية، وبصرف النظر عن سياساتها ضد العرب والمسلمين غير المبررة بأي منطق أخلاقي أو علمي أو إنساني..

ونعني هنا بمجتمع المعرفة امتلاك المقدرة الفكرية والعملية على استعمال واستثمار قيم العلم والمعرفة العلمية من أجل إدارة مختلف شؤون وموارد وطاقات المجتمع، واتخاذ القرارات السليمة والرشيدة لتنمية معارف ومهارات الأفراد كقاعدة لعملية التنمية الإنسانية الشاملة، وذلك بالاستفادة من منظومات وحقائق ونظريات العلم المتعددة، ومنها عملية إنتاج المعلومة لمعرفة خلفيات وأبعاد الأمور بمختلف أنواعها.

وقد دفعني ذلك كله إلى توسيع مضمون تحقيقي الصحفي السابق، ومحاولة التقصي عن طبيعة المعرفة البحثية العلمية العربية، وتقديم دراسة فكرية حول واقع البحث العلمي العربي..
ولا بد في البداية من الإشارة إلى أن موضوع مجتمع المعرفة والبحث العلمي ترتبط بالنسبة إلينا –كعالم عربي يقف أمام متغيرات وتحولات سياسية واقتصادية ومعرفية هائلة على بداية القرن الواحد والعشرين- ارتباطاً وثيقاً بتقديم رؤية إجمالية موضوعية عامة عن طبيعة الوضع العربي والدولي وظروفه ومستجداته المتعددة في الحقبة الراهنة التي أصبحنا نتعامل معها من منظور مصطلحات فكرية وعملية جديدة فرضت نفسها على واقعنا بقوة ومن دون استئذان.. الأمر الذي يلزمنا -كنخب مثقفة تبحث عن أيسر وأنجع السبل للبدء بتطبيق مشروع النهوض الفكري والعلمي في عالمنا العربي- بضرورة تحليل ودراسة الاستجابات وردود الأفعال “السياسية-المجتمعية” العربية المتحركة في سياق تكتيكات واستراتيجيات مختلفة تحاول بلورة مواقف وفتح إمكانات عملية متعددة للرد العملي المتوازن والمدروس على تلك المتغيرات والتحديات الخطيرة التي تثيرها تلك الأوضاع والمتغيرات, وذلك بهدف تأمين موقع آمن ومأمون، وبلورة دور فاعل للعرب في المعادلة الكونية والدولية المستجدة والسائدة في عالم اليوم، أو تلك التي يمكن أن تقوم في عالم الغد..

ومن الواضح هنا أننا عندما نتحدث عن قضية الاستجابة أو رد الفعل الجماعي تجاه متغيرات العصر, فإننا نقصد بها -تحديداً- حركية الفعل السياسي العملي.. أي مجموعة السياسات التطبيقية المختصة بإيجاد أنساق ومجالات عمل, وبلورة مواقف مجتمعية وتعزيزها وتطويرها من خلال خلق واستحداث آليات جديدة للعمل تؤمن إرادة جمعية عامة يمكن أن تعمل -في إطار تفعيل تلك الاستجابات- على تقدم المجتمع العربي نحو أهدافه وتطلعاته ومستلزمات وجوده الأساسية في الحياة.

من هذا المنطلق نجد ضرورة ملحة في ترسيم حدود حقيقية وواقعية للوضع العربي المستجد, ودراسة طبيعة التقلبات السائدة على الساحة العالمية كلها بعيداً طبعاً عن المجاملات والرغبويات والظنيات.. على اعتبار أن الانطلاق الفاعل نحو بناء المستقبل والتحكم ببعض مساراته مرهون -إلى حد كبير- بدراسة ظروف وملابسات الواقع الراهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وبالنظر إلى الحجم الهائل لهذا العمل الفكري، وتعدد عناوينه الثقافية والاجتماعية، وتنوع مواضيعه المعرفية ومساراته العملية، وسعة الأفكار والطروحات المتشعبة التي يمكن معالجتها في سياق طرح مفاهيمي ناقد حر يأخذ فقط بالرقم والقرينة والإحصائية ليبني عليها رأياً وموقفاً نقدياً, فإننا سنكتفي بدراسة الجانب العلمي التخصصي من هذه المسألة المعرفية الواسعة أي من زاوية (البحث العلمي والتقني العربي الحالي)، وذلك من خلال إجراء مراجعة بسيطة لبعض الأرقام والإحصائيات القائمة في بعض مؤسسات ومراكز البحث العلمي العربي التي يمكن أن تعطينا رؤية واقعية عن طبيعة هذا البحث السائد في بلداننا.. ومن ثم سنحاول تحليل تلك الأرقام، واستخلاص العبر والدروس من خلالها, على ضوء مستجداتنا المعاصرة.. لنصل في النهاية إلى التساؤلات الاستنتاجية التالية, ومحاولة الإجابة عليها وفق الإمكانات والمقدمات العملية
المتاحة أمامنا.
ونبدأ بطرح الأسئلة المحورية التالية:
– هل تتوافر لدينا الإمكانيات المادية والمعنوية الواسعة والقواعد العملية والمنهجية المحددة التي يمكن أن نرتكز عليها، ونتحرك على طريقها باتجاه بناء حاضر صاعد ومستقبل واعد.. قبل أن ندرس كيفية تشييد وبناء (هذا المستقبل) والإمساك بناصيته؟!..
– ثم كيف يمكن أن تعمل أمة من الأمم على امتلاك المستقبل إذا لم تستطع أن تنهض بأعباء ومتطلبات الحاضر الذي يجب أن يشكل -بحد ذاته- قاعدة أساسية لبناء ذلك المستقبل؟!
– وما هي الاستراتيجيات التي وضعتها أمتنا في لحظتها الراهنة -بما تحمله في داخلها من عوامل الضعف والتخلف والتبعية العلمية- لمواجهة تحديات قيام حاضرها قبل أن تبدأ بالسيطرة على مستقبلها؟!..
يتبع الجزء الثاني..

1 تعليقك

  1. Avatar مزهر جبر الساعدي - العراق

    الأستاذ المحترم: مهمة تلك التسألات والتى تدور في المجمل منها: ـ تأسيس لحاضر علمي بحثي من قاعدته يتم الأتجاه الى المستقبل، هكذا مقال يتناول واحد من أهم تخلف العرب عن العالم؛ يحتاج هذا المقال والذي أخذ شكل الدراسة الى حد ما الى تحديد الوسائل والأدوات والمؤسسات التى ترعاها، والى شكل العلاقة بين الشعب والسلطة في عالم اليوم، ونمط العلاقات المجتمعية ودرجة أهتمامها بالبحث العلمي والذي يستند بدوره على درجة التنوير المجتمعي وليس النخبوي مع أن النخب العلمية في هذه الحالة هي الأساس. ولو كان ما طرحته جر ى العمل به لما جرى للعرب ما يجري لهم الآن……. مع محبتي

اترك رد