رسالةٌ إلى صديقتي بيرثا فون سوتنر


 
رسالةٌ إلى صديقتي بيرثا فون سوتنر

من باليرمو مدينة القباب الحُمْر والأولياء والصدّيقين والشهداء الأربعين، إلى براغ مدينة المحبّة والعشق، ومنّي إليكِ يا صديقتي بيرثا، سيّدة السلام وصاحبة الرواية الشهيرة (ارمو الأسلحة).
لا أعرف أيّ ملاك همس بقلبي في هذا اليوم الصيفي الجميل من شهر حزيران 2016، وحثّني على الكتابة إليكِ قبل أن تُشرق شمس الصّباح؟ قد يكونُ صاحبي جبريل، طاووس الملائكة المُطوَّق بالنّور، وقد يكون ميكال، صاحب السّيف الذهبي والخوذة الفضّية، وقد يكونا هُما معاً، فكلاهما عندي نبض الفؤاد وأجنحة الرّوح، كما كانا ولم يزالا بالنسبة لكِ شمعتان أنارتا وتنيران لليومِ المهدَ واللّحد. ولا أعرفُ لماذا الكتابة إليكِ بعد قرن من الزمان مرّ على رحيلكِ؟ كّل ما أعرفه هو أنّه لا حجاب الآن يوجدُ بيننا، فصورتكِ أمامي، أتأمّل فيها ابتسامتَكِ الخجولة، ونظرة عينيك الحزينة، وكذا الريشةَ والحبر بين يديك، وأنتِ تخطين بهما أفكاركِ النيرة للعالم، عساه يعدلُ عمّا هو فيه من جنون.
لا شيءَ تغيّر منذ تركتِني إلى اليوم، ولا حتّى روايتكِ التي كنت تصرخين فيها بأعلى صوتك على لسان البطلة (مارثا): “ارموا الأسلحة”، نفعت في شيء، بل لا أحد يتذكرها اليوم، أو يتذكّر ما كتبتِ فيها عن معاناتك أثناء تلك السنوات المريرة التي لم يكن الناس يعرفون فيها سوى لغة السلاح والديناميت، والبِدَل العسكرية، والأوسمة والتكريمات الحربية، وأصوات حوافر الخيول وهي تركضُ غائصة في وديان الدماء، من إيطاليا إلى النمسا، ومنها إلى فرنسا وبروسيا.
وحدي يا صديقتي أرى في عينيكِ بقايا تلك السنوات المريرة، ووحدي أعرف لماذا تركتِ بسرعة البرق عملكِ في باريس كسكرتيرة خاصّة لألفريد نوبل؛ ليس فقط لأنك تزوَّجتِ سرّا من حبيب الروح آرثر، وسافرتِ للعيش معه بعيدا عن أهله الذين كانوا يعارضون بشدّة هذا الحبّ، ولكن لأنّ عملكِ نفسه مع ألفريد كان لا يعني لك شيئا بغضّ النّظر عن المراسلات التي استمرّت بينكما كصديقين حتى بعد الزواج. أقول هذا، لأنني يا صديقتي أعرف الكثير عن لباقتك وديبلوماسيتك في تسيير شؤون حياتكِ والتعامل مع نبلاء وأثرياء عصرك. ولأقُلْ بكلّ بساطة إنّ العمل مع رجل اخترع الدّيناميت وكان يعيش هو وأسرته من بيع الأسلحة والألغام البحرية وتمويل الحروب، لم يكن أقصى ما تحلمين به، فأنت مثلي تحلمين بالسّلام، أيْ ذاك القائم على نزع التسلح، والاستغناء عن الجيوش، ولعلّ هذا هو السبب الذي دفعك إلى التردد كثيرا في قبول جائزة نوبل للسلام التي مُنحت لك سنة 1905، وإن كان صديقك العزيز ألفرد هو من أوصى بها.
صديقتي بيرثا، أنا مثلك لا أثق بمثل هذه الجوائز، ولا أثق برجال السّلام، وأعني بهم أولئك الذين يروّجون للسلام وأجسادهم مغموسة في الدّماء من قمة الرأس إلى أخمص القدم. ويستخدمون جوائزهم ومؤتمراتهم لتخدير الشعوب والتغطية على أنشطتهم الحقيقية التي كانت ولم تزل الحروب ثم الحروب، ونظرة في لائحة العديد ممّن نال من رجال السياسة لليوم جائزة نوبل للسلام هذه ستؤكد لكِ صديقتي صِدق ما أقول.
هل كان لابدّ أن يموت الأخ الأصغر إميل وعمّال مصنع ستوكهولم، حتّى يستفيق ألفرد من غفوته؟ أجل يا عزيزتي بيرثا، فلكي يصل الإنسان إلى السلام الحق، لا بد له أن يمرّ أيضا بمرحلة الحرب أيضا، وأعني بها هنا تلك الحرب الداخلية الطاحنة التي يفقد فيها الإنسان الشيء الكثير وهو في طريقه إلى تصفية الروح من الشوائب والغبار والعتمة. ولقد استفاق حقا ألفرد نوبل من غفوته حينما منح كل ثروته وكرّسها للعلم والعلماء والخير والخيّرين من البشر وذهب للعيش كناسك في مدينة سان ريمو الإيطالية إلى أن انقضى أجله ورحل حيث السلام الحقيقي، إلّا أنّ الذين أتوا بعده أفسدوا كلّ شيء من جديد، كما يحدث عادة أمام موقف الثروة والجاه.
ويبقى سلامك يا حبيبة الروح بيرثا، غير سلامهم جميعا، سلامك هو سلام الأمّهات والجدّات، هو سلام الأنثى العاشقة التي ترفض كل مظاهر الزيف، وتتنازل عن الألقاب البارونية والكونتيسية بالضّبط كما فعلت أنتِ، حينما ذهبتِ للعيش مع حبيبك والسّهر على شؤونه كما يليق بكل عاشقة أن تفعل مع زوجها إلى أن توافيه المنية.
سلامك يا بيرثا هو اختراق الحُجب في زمن لا يعترف بأنثى السلام أبدا، وأنّى له ذلك وهو يحبلُ ويُفَرّخ كلّ يومٍ أبناء عاقّين تنكّروا لأمّهم حواء (ع)، فما بالك بباقي الأمهات من براغ إلى باليرمو، ومنهما إلى آسفي ومراكش، ومنهما إلى روما وباريس، ومنهما معا إلى بغداد والحلّة والبصرة والنجف وإلى مدن أخرى لا حدّ لها ولا حصر من كوكبنا البديع. وعلى ذكر الحلّة، يسعدني أن أخبرك بأنّني ذهبتُ اليومَ إلى لقائها، رغما عن الحرّ والقيظ والعطش. كنتُ صائمة، وحينما رأتني أعطتني ديواني الذي صدر في العراق عن دار الفرات وكنتُ قد كتبتُه عن مريم (ع) وخديجة (ع)؛ حاملتَيِ الطّيب والمسك والعنبر، وراعيَتَيِ السلم والأمن والأمان في كلّ البلاد.
ألا تعرفين الحلّة يا بيرثا؟ لكنّها هي تعرفكِ جيّدا، ولقد أرسلتْ لمدينتكِ الجميلة براغ شاعرا كان يُعلّم الأجيال معاني السلام والمحبة في مدارسها العتيقة، وأعني به محمد مهدي الجواهري! نعم يا صديقتي؛ أراكِ الآن تبتسمين، وأسمعكِ تقولين: [ومن ذا الذي لا يعرفُ الجواهري؟ قصائده في براها وحسناواتها أعرفها كاملة. وحتى تلك التي قالها في بائعة السّمك حينما كان ذاهبا هو وصديقه الوزير فيصل السامر ليشتري سمكا حيّا، وهناك رأى الفتاة التي سلبت لبّه فقال فيها من الشّعر ما يعجزُ لسان عن وصف بداعته وجماله]. هو كذلك يا صديقتي، واسمعي الآن هذا النجفي ماذا قال في براها ويقصدُ بها براغ، قلب أوروبا ومدينة المئة برج:
(براها، سلامٌ كلما خفق الصباحُ على الهضاب
ما هز فجرٌ بالندى خضر الأباطح والروابي
ما طارح الروض الحمامُ لدى الشجيرات الرطاب
ما طارحته حمامة بهديلها، شجو التصابي
براها، سلام ما اكتسى ألقُ السنا مزق الضباب
براها، سلام ما ارتمت كِسَرا أغاريد الشباب
ما فاض كوبٌ بالشراب وخلا على شفتي كعاب)
أجل يا صديقتي، فإذا كان الجواهري نهر العراق الثالث وشاعرها الأكبر، فأنت نهر بوهيميا الأول وبعدكِ يأتي المولدافا. أقول هذا وأعود الآن إلى غرفة مكتبي الورديّ، لأغلق عليّ الباب من جديد، ولن أترك الفرصة لأحد هذه المرة كي يفسد عليّ خلوتي، فحرفي عنيد وصعب المراس، مثلك تماما يا صديقتي، لا تغريني أبدا الكلمات المعسولة ولا القصائد المرشوشة بالسكر الأبيض الناعم. إذ كلّ ما أريده هذه اللحظة، هو أن أدخل إلى محراب قلبي، لأسمع صوت مدينتي آسفي وهي تخاطبكِ بحرف المحبة، وتبثك أشجانَها، وتشكو لك ما ارتكبه ولمْ يزلِ الظالمون حفدة شجرة الزقوم في حقّ أبنائك وأبنائنا من جرائم، إنّهم كما الأمس مصرّون على تدمير كل شيء من حولنا، ويستعينون في هذا بحلفائهم في كلّ مكان، إلى أن اختلط الحابل بالنابل، ولم نعد قادرين على تمييز أيّ شيء.
أمر مؤسف حقا، أن تندلع أفظع الحروب بعد موتك مباشرة يا بيرثا، وأنت التي قضيتِ حياتكِ مسافرة وزوجَكِ من بلد إلى بلد لتحدّثان الناس عن السلام في كل المحافل الدولية، وتنشران بينهم ثقافة جديدة كانوا يجهلون لغتها تماما. ومن المؤسف أيضا أن أكتبَ إليكِ اليوم رسالتي وأنا أعيش زمنا اندلعت فيه أكثر من حرب، واستُخْدِمت فيه أبشع الأسلحة وأفتكها بالإنسان والنبات والحيوان، ومن المؤسف كذلك أن أهجر الشِّعرَ لأكتبَ أيضا عن الحرب بحرف النثر، وأنا أعلمُ أنّ والدتكِ قدْ فعلتْ هذا قبلي وقبلكِ، فهي كانت مثلنا تحبّ الشِّعر والشّعراء، لكن زمن الحروب والموت والفقدان والهجر أنساها كلّ شيء، وحرمَها من أن تنظم قصيدةَ وداع في زوجها الذي رحل وتركها تنتظر خروجكِ إلى هذا العالم الغارق في الظلام البهيم.
من أين أتت هذه الوحوش يا بيرثا؟ إني أخشى أيضا أن يصيب بلدي المغرب الحبيب مكروه؟ أنت تعلمين جيدا أنّه أرض الجمال، وأنني مفتونة به، وأني كلّما زرته، ازدادَ خوفي عليه لما أعاينُ فيه كلّ مرّة من معاني سامية تدعو إلى التآزر والتآخي بين بني الإنسان بغض النظر عن العقيدة والمذهب والدين. وتعلمين جيدا أنّ الجمال حيثما كان فهو يستفز الشياطين ويثيرُ شهوة الخراب بداخلهم حسدا من عند أنفسهم ليس إلّا. لذا، فإنه لا يسعني اليوم سوى أن أرفع يديّ للمولى عز وجل صاحب السلام الحقّ والأول والأخير، أن يحفظ بلدي بما حفظ ذكره الحكيم، ويُبعد عنه شرّ الخلق ما ظهر منه وما بطن، ويجعله بلدا آمنا في كل آن وحين، لأنه هو وحده شمسي التي لا تغيب، وفيه وحدهُ شربتُ كأسَ الأمان مذ كنت طفلة صغيرة، وفي حضرته أيضا تعلّمتُ كيف أنصِتُ إلى قداسة الأبجدية، وكيفَ أمْسكُ بتلابيب السرّ وأغلِقُ عليه في كهوف وسراديب الصمت الأبدي.
ويبقى العِلمُ صديقتي بيرثا هو سلاح الأمم الحقيقي، والعلماءُ هم السفراء والجيوش الحقّة، وما عدا هذا فهراء في هراء. هذا حقا ما علّمني إياه بلدي المغرب. فارموا الأسلحة يا تجار الموت والحروب في كل مكان، ودعوا الخلق والخليقة يعيشان بأمن وسلام، فما من طفل على وجه البسيطة إلا وهو في حاجة إلى العيش الكريم القائم على احترام كرامة الإنسان في كل مجال، بدءا من المسكن والملبس والمأكل والدواء والمشرب، إلى الدراسة والعلوم عبر الاطلاع على حضارات البلدان المجاورة له والبعيدة عنه كذلك. أجل يا صديقتي بيرثا هذا ما يجبُ فعله، ومن يدري فقد يأتي يوم أزوركِ فيه بمدينتكِ براغ، وكذا في فيينا الجميلة التي تحتضنُ لليوم رفاتك، لأحملَ إليك الشموع وأقدم بين يديك قلبي حمامة سلام تحرسك أينما كنتِ وحللت، وأردِّد بعلو صوتي كما كنتِ تردّدين: أسقطو الأسلحة، وأخبروا الجميع بأن يفعلوا الشيء ذاته!

لا تعليقات

اترك رد