أحب قلبي لأن وطني يسكن فيه ..


 
أحب قلبي لأن وطني يسكن فيه ..

الموسيقى في العراق قديمة كقدم العراق نفسه. من أقدم قيثارة في العالم وصولاً إلى العود وإضافة الوتر الخامس له. إلى الإيقاعات والمقامات العراقية المختلفة. وقد شهدت الموسيقى العراقية تطوراً ملحوظاً في بداية القرن العشرين. وصل عدد المطربات العراقيات آنذاك إلى ما يقارب الأربعين مطربة ومن ثم ولد للعراق العديد من الملحنين أمثال ” عباس جميل، ناظم نعيم، محمد نوشي، رضا علي، كمال السيد، كوكب حمزة، طالب غالي، حميد البصري، طارق الشبلي، مفيد الناصح، جعفر الخفاف، وطالب القرغولي. وأيضاً كان العراق يزخر بالأصوات بالعديد من الحنجرات العذبة مثل ” ناظم الغزالي الصوت الذي كسر الحدود العراقية ليكون سفير الأغنية العراقية للعالم العربي بأكمله بعدد قليل من الأغاني والتي ما تزال حتى عصرنا هذا تصدح في حناجر المطربين العرب؛ وكذلك: داخل حسن، زهور حسين، قحطان العطار، فؤاد سالم، حسين نعمة، رياض أحمد، ستار جبار، سعدون جابر وصولاً إلى القيصر كاظم الساهر.
لست هنا لكي استعرض تاريخ العراق الموسيقي، حضارات العراق بما فيه هو غني عن التعريف؛ لكنني عزمت الكتابة عن الطرب العراقي بلكنته المحلية ومفرداته ذات النكهة الخاصة والطابع المتميز بحزنه وشدة الشجن فيه. حين بدأ العديد من مطربي العراق بالتنصل من تلك الهوية واللهجة المحلية، وراح يغني بلهجات أخرى تماشياً مع العصر وتلبية للذوق الدارج؛ لا للذوق الأصيل، والبعض منهم تخلى عن جنسيته العراقية ليحصل على جنسية بلد آخر وصار يغني بلهجة البلد الجديد، ويتغزل ببلاد هو لم يعش بها، ولم تكن له في بيوتها طفولة ولا ذاكرة. كما فعل المطرب ماجد المهندس الذي حصل على الجنسية السعودية. ذاك الصوت الشجي صاحب الموال العراقي “القح” هو الذي فتن بأغنياته ورقة صوته قلوب الصبايا والشباب، من خلال اللحن العراقي والمفردة العراقية. نراه اليوم ينسلخ عن عراقه ليغني الشعر النبطي واللهجة الخليجية. لا أحد يقدر أن ينكر جمال الشعر النبطي وعمق صوره التي تشبه كثيراً الشعر العمودي وشعر المعلقات؛ لكن هذا النمط له أهله وله مطربيه؛ فلماذا هذا المطرب الجميل بصوته لم يكتفِ بالتخلي عن جنسيته العراقية، لكنه تخلى حتى عن موسيقى العراق واللكنة العراقية؛ ليصبح رقماً من ضمن الأرقام الكثيرة في الساحة الخليجية.
الدراما السورية هي أيضاً لها تاريخها القديم والأعمال الفنية العظيمة ورموزها الكبار أمثال : هاني الروماني، منى واصف، والثنائي نهاد قلعي ودريد لحام، وأبو صياح وأبو عنتر. ظلت إلى فترة ليست بالبعيدة محط أنظار الفضائيات، من خلال حضورها الأنيق والمادة الفنية التي كانت تتناولها واللهجة الشامية التي أصبحت محببة لدى المشاهد العربي ؛ نلاحظ اليوم وبعد أن دخلت سوريا في جنون حرب فوضوية، بأن الكثير من الفنانين تخلوا عن لهجاتهم المحلية واعتتقوا اللهجة الأكثر رواجاً ومصدر الشهرة والثراء.
مصر كانت وما تزال الأقوى سينمائياً وغنائياً وهي البلد المصدر للفن؛ والتطبيع الفني المصري كان مقتصراً على الغناء، وعرفنا العديد من المطربين العرب الذين غنوا باللهجة المصرية وتخلوا عن لهجاتهم المحلية؛ وهذا إنما ينم على القوة الفنية التي تحتلها مصر؛ لكن مؤخراً لم يقتصر الأمر على الغناء، بل امتد إلى التمثيل فنجد نجوم الشاشة السورية، أصبحوا يمثلون باللهجة المصرية، ليس محبة باللهجة المصرية، لكن خوفاً من أن يعيش الممثل السوري على هامش الفن، بعد أن احترق وطنه الأم سوريا. لم يفكر بما يعانيه وطنه، بل فكر بما سوف يعانيه لو اقتصرت اعماله الفنية على المسلسلات المحلية والأجر القليل الذي سوف يتقاضاه جراء ظروف البلد. فالولاء الحقيقي لم يعد للوطن، بل صار الولاء للمال والأضواء وليحترق كل الوطن.
أنا لست ضد أن يكون هناك مزيحاً عربياً في المسلسل الواحد، على العكس هذا يعطي العمل الفني شمولية وواقعية ومساحة أكبر لتمتيع المشاهد؛ لكني ضد التخلي عن اللهجة والانتماء. طالما أن الوطن العربي كله بات على كف عفريت ولم ينجو بلد من آثار الحرب، وبما أن الجرح بات شاسعاً ولم يعد محلياً؛ بمقدور كتّاب السيناريو أن يكتبوا أعمالاً فنياً مشتركة تطرح القضايا التي استجدت في الحرب على سوريا وعلى العراق واليمن وغيرها؛ لكن كل ممثل يتكلم بلهجته المحلية. بهذا يستطيع أن يجعل المشاهد في أنحاء الوطن العربي التعرف على جميع اللهجات وكأنه يأخذه في جولة سياحية وهو جالس أمام الشاشة الصغيرة دون أن يكبده عناء السفر ومصاريف السياحة.
لماذا؟ كلما اشتهرت أغنية بلهجة من اللهجات العربية تحولت إلى عنصرية واحتكرت المفردة الغنائية لها. بعد أن ذاعت شهرة أغنية ” أنت معلم” ووصلت إلى مشاهدات تفوق الوصف وعلى الرغم من أنها أغنية من حيث العمق الموسيقي واللغة الشعرية أقل من عادي ؛ وجدنا الصحوة المغربية تدب في عروق مطربيها لأنها أصبحت الأكثر رواجاً. سميرة سعيد التي تبرأت عن لهجتها المغربية قرون طويلة، عادت لتغني إلا باللهجة المغربية ليس من باب الولاء، بل من أجل الثراء والأضواء.
من خلال هذه التقلبات والتغيرات والتخلي وعدم الولاء للإنتماء الأصلي نكتشف بأن أصحاب الرسالة الفنية من مطربين إلى ممثلين أقوى شريحة من شرائح الوطن لديهم القدرة على التخلي وطعن الوطن بظهره حين يسقط جنسيته ويغير من لهجته المحلية.
“هي حالة لا تختلف عن الخيانة العظمى للوطن؛ وخيانة للولاء والانتماء. لأن صوت المطرب هو هوية الوطن وهو السفير الأجمل الذي يحمل صورة الوطن؛ فإن تخلى المطرب عن هويته وجنسيته، وهاجر الجميع إلى بلاد آخرى من سيحمل هوية الوطن ومن يغني عنه وله؟ ليس وحدهم الطغاة والمرتزقة هم من يخونوا ويطعنوا بالوطن؛ كذلك الفنان والكاتب والشاعر في أحيانً كثيرة يخون الوطن، وخيانة الفنان أشد وجعاً على الوطن من خيانة الطغاة”
عندما يكون الوطن قوياً ويملأ جيوبنا بالنعيم نحبه ونباهي بأن نحمل جنسيته، وعندما يُصاب بحمى الحرب نهاجر عنه نتركه على فراش الألم يحتضر لوحده ونتخلى عن جنسيته ونستحي من ذكر أصلنا، نبيع تراثنا وفلكورنا ومورثنا الشعبي، ولا نكتفي بتغيير ألستنا وأشكالنا بل نغير حتى ضمائرنا ونمزق هويتنا مقابل حفنة من الدولارات وأن يكون لنا نصيب كبير من عدسة الكاميرا والأضواء. حتى وإن كسرت الحرب ظهر الوطن، وجوعت وشردت أهله ولم يعد فيه كسرة خبز يابسة هذا لا يبيح لنا أن نتعرى منه ونتبرأ من جنسيته. الوطن اليوم بأمس الحاجة للفنان الذي يحمل صوته المبحوح حيث يكون، ينقل صورة الألم الذي يعيشها للعالم الآخر لا أن يدخل مطارات العالم بجواز سفر آخر وجنسية آخرى. من يُسقط عنه جنسية وطنه وهو ليس مضطراً لذلك. كما هو حال اللاجئ والنازح؛ سوف يسقط من عيون الوطن والزمن ويفضحه التاريخ.

شارك
المقال السابقلا للاغتراب…………
المقال التالىاضاءة السر: قصيدة للدكتورصباح عباس عنوز

الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح.
الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد