القاهرة ثانية


 

رجعت الى القاهرة بعد شهرين وحملت معي سيناريوهات فيلم وثائقي – بنت الرافدين – وفيلم روائي طويل – ستة على ستة – لكي اخذ رأي وملاحظات يوسف شاهين لاني عزمت ان اخوض تجربة الاخراج ..اعطاني بعض الملاحظات على فيلم بنت الرافدين … واعترض على ان اقوم باخراج فيلم كوميدي للاسباب منها انه صعب جدا .. وانه من الصعوبة على المخرج ان ينتزع البسمة من المشاهد العراقي ولا سيما العراق يخوض حرب مع ايران..بس من السهولة ان تبكيه لانه فقد الكثير في هذا الحرب … وقال :
– اعملي فيلم عن الحرب بكل صراحة وحسب قناعاتك وبصدق بأخذ حدوتة عراقية ومن خلالها اشتمي الحكومة وبيني نتائج هذه الحرب السلبية على الشخص العراقي من نواحي الاقتصاد والسياسة والمجتمع … وكذلك الطرف الاخر يقصد ايران … لان الحكام لا يصيبهم اي شيء من هذه الحروب وانما الشعوب هي التي تدفع الثمن .
– جو لا استطيع ان اعمل ذلك لان مؤسسة السينما تمويلها حكومي وجميع روافد الفن تمجد الشهادة والحرب وتحث عليها … لو نظرت الان لخارطة الافلام التي تنتجها مؤسسة السينما كلها افلام ذات توجه قومي عربي وافلام ذات صبغة اجتماعية وفي الحالتين وقعت هذه الافلام تحت قبضة الدعاية المباشرة الفجة للمراحل التي تمر بها سياسة الحكومة وكان ذلك على حساب العمل السينمائي وهذا الامر اوقع الفيلم العراقي الاما ندر في فخ عدم القبول لدي الجمهور العراقي وعزوفه عن مشاهدة تلك الافلام. والمخرج العراقي يريد ان يعمل لأن البطالة قتلت ابداعه .. واحيانا المواضيع تأتي من مستوى عالي فلا يستطيع اي مخرج ان يرفض تلك المواضيع وان رفض معنى ذلك انه ضد سياسة الدولة وهذا يجعله في موقف لا يحسد عليه..لاننا ليس لدينا قطاع خاص يمول الافلام وغير مسموح بذلك … الحكومة هي التي تنتج الافلام وطالما هي المنتجة فمواضيع الافلام تصب في فلك سياستها او تمجدها .
وذلك اتخذت من الكوميديا وسيلة نقدية ليس فقط للاضحاك وانما اطرح معاناة وهموم المواطن العادي بطريقة كوميدية حتى اتجنب المسائلة والتحقيق .. ووضعت الفيلم تحت جملة هل تستطيع ان تفك قيودك وهي عليك ؟؟.. وفي الفيلم من المحاور لو انتبهت لها الرقابة لقامت بمنع الفيلم حيث اتنقدت كثيرا من الظواهر والاهم من ذلك ان العائلة والتي يرمز بها الى العراق يرتدون النظارات واي شخص لا يرتدي تلك النظارة يقع في مشاكل ومطبات اي ان الفرد في غنى عنها .. أردت ان اتحرر من كل سلبيات السينما السابقة المباشرة وان اقدم فيلم كوميدي بنكهة مقبولة وظل خفيف وان اضرب بالسوط ولكن بيد ناعمة .
– طالما انت ترين ذلك وانت أدرى بمجتمعك انا قرأت السيناريو ولو استطعت ان تنفذي من خرم الابرة بهذا السيناريو سوف يكون لفيمك اهمية وموقع متميز على خارطة الانتاج السينمائي العراقي ويكون لك السبق في اخراج نوعية جديدة من الافلام او مغايرة تماما للسينما العراقية السائدة من ناحية المضمون والذي يتطلب شكلا فنيا في سرعة ايقاع الفيلم بلقطات سريعة اعتقد انت قادرة عليه .. اتمنى لك التوفيق .
غادرت القاهرة بعد ان عرفت ان شاهين سياتي لزيارة العراق وسيعرض فيلم حدوتة مصرية بعد عرضه في القاهرة .
سنة مرت على اخر زيارة لي للقاهرة وانجزت فيلمي الوثائقي بنت الرافدين الذي حصد الجائزة الثانية في مهرجان موسكوالسينمائي الدولي وكانت 186 دولة مشاركة ..وهنا بعد ان نلت الجائزة تغير عنواني من مخرج مساعد الى مخرجة .. وباشرت بتصوير فيلمي الروائي الاول 6 / 6 وتم عرض الفيلم وكانت هنالك مشاكل عدة لا مجال لذكرها الان حول عدم عرض الفيلم وخضع لعمليات حذف وبتر قاسية من الرقابة ومن المخرجين انفسهم الذين وقفوا ضدي والذين عجزوا عن تحقيق اي نجاح لأفلامهم علاوة على كل هذا امرأة شابة قادت هذا الفيلم ونجحت بامتياز بعد ان حقق الفيلم نجاحا ساحقا واستمر عرضه ستة اشهر في اربع دور عرض وحقق ارباحا وهذه سابقة لاي فيلم عراقي… واقبلت عليه العائلة العراقية وحقق لي شهرة واسعة سواء في العراق او في المهرجانات العربية وحصد كثيرا من الجوائز .

1 تعليقك

  1. الاستاذه الدكتوره المحترمة: لا اعرف هل الوقت هناك صباحا ومع ذلك صباح الخير: لا زلت الى الآن اذكر الفليم 6 على 6. انت رائعة دكتوره ما كتبتيه هو من دمر بلدنا وقادنا الى ما نحن فيه سيدتي؛ جميع الابداعات مقيدة بفكرة معينة ومحددة سلفا وهذا ايضا ما اضعف او قلل من قوة المادة في جميع اجناس الابداع وشتى صنوف المعرفة. تعرفين مرات كثيرة وخاصة في الليل وانا ليلي النشاط اتسائل بيني وبين نفسي لماذا نحن على هذا الوضع الغير انساني الا ما ندر من الحالات. من المسوؤل عن كل هذا الخراب في النفوس والعلاقات؛ انه هذا الذي ورد في مقالك سيدتي. بفعل الضيم والهم والجهل تحولت الشخصية العراقية الى العدوانية؛ تصوري الكثير من الناس مع الأسف الشديد يبخل حتى بالكلمة الطيبة والتى يلطف بها مشاعر الناس وهي مطلوبة كشرط انساني. المقال جميل وفيه الكثير من المعناة وقوة الإرادة والشجاعة والمحبة للناس بالتوفيق سيدتي الرائعة. مع الف سلام وسلام.

اترك رد