في فهم ما تبقى من السياسيين – ج1

 

المتتبع للواقع العربي يفهم جيدا ما يحصل وما يجري الآن على الساحة العربية، ما يحاك وراء الستار من طرف أشقاء وأعداء همهم تدمير المجتمع العربي والقضاء على اقتصاده ومقوماته وبث الفتنة بين كل مكوناته.

الوضع العربي الراهن وضع لا يحسد عليه، شعوب متفككة وحروب هنا وهناك ونازحون بالملايين. الصراع بين المذاهب والأحزاب السياسية تعدى الإطار المشروع للعمل القومي وتحول إلى صراع بالوكالة لأطراف أخرى من أجل أهداف إقليمية ودولية لا تخدم الوطن ولا المواطن بل تخدم سياسات وأهداف ضيقة.

ظل الصراع في الغالب بين كل الأطراف صراعا إيديولوجيا ومذهبيا محضا اتسم بالخلط بين المواضيع والمستويات بالخصوصية والإبتعاد عن الواقع، كما اتسم أيضا بإلقاء اللوم دوما على الأخر والمؤامرات الخارجية والتهرب من تحمل المسؤولية التاريخية أمام ما يحدث من مجازر وألام، ووضع الذات العربية أمام واقعها ومصيرها.

المجتمع العربي مجتمع فاسد سياسيا بطبعه، وحتى في زمن الفتن والفوضى لا زال الفساد ينخر الجسم العربي ولا زالت نخبه السياسية والمذهبية غارقة في فساد فاحش. والغريب في الأمر أن هته النخب لم تتعلم شيئا من تجاربها لا الماضية ولا الحاضرة، وهي بذلك تدفع المجتمع إلى مزيد من الهلاك ومن ضياع فرص إيجاد حلول واقعية وفرص النهوض من جديد.

النخب السياسية والمذهبية بحاجة إلى تقبل النقد الموضوعي واستعمال العقل في الحوار الجاد والبناء والإنتقال من التعميم إلى التمييز والإبتعاد عن العصبية والقبلية وإلى وضوح الأهداف والمقاصد، ووضع برامج عمل واضحة وملتزمة يتحمل أصحابها المسؤولية التاريخية اتجاه الوطن.

إن الوصول إلى فهم ما وراء الصراع وجعل قضية الوطن أولوية يقتضي التخلي عن التبعية للأطراف الخارجية وعن الإيديولوجيات الفاسدة والتبريرات الفارغة وتقبل النقد وإعمال الأسلوب العقلي والتحليلي، وهو ما يغيب عن جل النخب السياسية العمياء للأسف.

لعل الإخفاق المستمر في استيعاب الأحداث يبرهن على مدى غباوة الأطراف المتنازعة والتي تفتقد لرؤية واضحة وطموحة تساعد على الخروج من مأزق الفوضى التي تجتاح الشعوب العربية. هذا الإخفاق يزيد من التفكك والإنحلال ويعمق الاستلاب ويكرس الفساد ويدفع إلى تفاقم مشاكل عمل المؤسسات السياسية والدينية. ومن بين الحلول الضرورية وجوب النجاح في التوصل إلى المشاركة الإيجابية في العمل السياسي وهو ما سيشكل لدى كل الأطراف شعور بالرضا وبالذاتية الإيجابية الفاعلة.

كل الأطراف العاملة في الحقل السياسي العربي المعاصر بحاجة إلى إعادة التأثيث من الداخل وإعادة النظر في مبادئها وقيمها وتصوراتها الواقعية والمستقبلية، فهي بحاجة إلى بناء جديد لمفاهيم تضمن تطبيقا دقيقا في الواقع العربي للنهوض بالفرد والمجتمع.

لا تعليقات

اترك رد