فلّاحون يصبحون فرنسيين : تمدين الريف الفرنسي , ١٨٧٠-١٩١٤ …. ح١

 
فلّاحون يصبحون فرنسيين : تمدين الريف الفرنسي , ١٨٧٠-١٩١٤ .... ح١

PEASANTS INTO FRENCHMEN , The Modernization of Rural France , 1870-1914
By : EUGEN WEBER
Stanford University Press , 1976. ( 615 pages )

عنوان هذا الكتاب يلخص محتواه ؛ انه يروي واحدة من اجمل ماقرات من قصص التاريخ المعاصر وهي كيفية تحول مجاميع الفلاحين ، الجهلة ، الأميون ، المتعصبون لمحيطهم القروي الريفي الضيق ، الجهلة باللغة الفرنسية ذاتها ، في فرنسا الى المواطنين الفرنسيين الذين نعرفهم اليوم كرموز للذوق الرفيع والسلوك المهذب والموضة والطعام الشهي .. وكل مايمكن ان يرد على خاطر الانسان عندما يسمع باسم فرنسا .
يروي لنا البروفيسور اوجين ويبر الامريكي المتخصص بالتاريخ الفرنسي هذه القصة الممتعة وهي تبدأ من الفرضية المعروفة بان الهويات الوطنية ليست معطى بل تكوّن ، تتحكم في عملية بذره وتنميته عوامل موضوعية منها ماهو معطى وأغلبها مما يعمل الناس على صنعه وتنميته بوسائل مادية ومعنوية باتت معروفة للمتخصصين والدارسين للعلوم الاجتماعية ، وبالتالي فالتنوع والانقسام في بلد ما ليس قدراً لاقرار منه بل هو حالة اجتماعية في حالة صيرورة دائمة اما باتجاه المزيد من الانقسام والتفكك او بالاندماج على أساس مشتركات تعلو فوق الانتسابات الفرعية ، الجهوية او القبلية او الدينية او الاثنية ، ومن اهم هذه المشتركات المصالح ومتطلبات الحياة اليومية وعوامل الفخر بالانتساب للهوية العليا القائمة أصلا او الناشئة . الكتاب يختصر تاريخ تطور شعب نحو إيجاد هويته ، وهو ليس تاريخ حاكم او سلطة بل هو التاريخ الحقيقي للناس ، وهذا هو سبب حرصي الشخصي على ان اعرض التجربة الفرنسية كما يرويها البروفيسور ويبر لان في تفاصيلها مايشبه الكثير من حالنا العراقي الذي نعيشه اليوم بكل مافيه من انقسام وكيف كان الامر يسير بالاتجاه العكسي حتى جاءت دكتاتورية العسكر ، مخربوا الاوطان حين يُسَيّسوا ، في ١٩٥٨ التي مهدت لأشكال الطغيان الاخرى ، لتعكس الاتجاه ولنعيش اليوم حالنا الذي نحن فيه ولذلك سأنقل مضمون الكتاب بقدر من التوسع على بضع حلقات . يروي لنا المؤلف ماحصل في فرنسا … ويبدا بتوصيف الحالة العامة في القسم الاول من كتابه …
وصل التباين بين سكان المدن وسكّان الارياف في فرنسا حتى أواخر القرن التاسع عشر حد اعتبارهما شعبان يعيشان في بلد واحد ؛ كانت هنالك أقاليم فرنسية باكملها لا تتحدث باللغة الفرنسية وان احتاج احدهم للحديث مع سكان أقاليم اخرى فقد كان يلزمه مترجم . وكان أهل المدن ينظرون لسكان الريف على انهم أحط قدرا ووصل الامر درجة العنصرية ؛ ان وصف شخص ما بانه ريفي يعني حطاً من قدره اجتماعياً . وكان هذا الوضع قائماً وبشكل قوي حتى مطلع القرن العشرين .وقد نظر المثقفون الفرنسيون حينها الى ثقافتي الريف والمدينة على أنهما طريقين مختلفين ولا يوجد مكان في العالم تتناقض فيه هذان الطريقان كما الحال في فرنسا آنذاك .
خلال الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ اندفع الفلاحون بعفوية ومارسوا الحرق والسلب حتى تم اخماد تمردهم من قبل المليشيات المدينية وحين تحرك الجيش في الارياف لفرض القوانين الجديدة للثورة كان يتصرف وكأنه يتحرك في ارض معادية ؛ كان العداء متبادلاً ومصدره الثقافة والتقاليد .
كانت حياة الفلاحين تتسم بالشظف والفقر المدقع وكان العمل نوعاً من الأشغال الشاقة دون سلاسل والموت هو الخلاص الوحيد . كان الخوف من كل شيء هو طابع الحياة العام للفلاح ، الخوف من كل شيء : من الطبيعة ومن الحرائق ومن الحيوانات المستذئبة ومن الجوع ؛ كانت القناعة هي ان الفقر والاستغلال والظلم قدر لا فكاك منه .
لم يبدأ هذا في التبدل الا في أواخر القرن التاسع عشر حيث بدات مستويات المعيشة بالارتفاع ؛ بدا الغذاء والملبس والسكن بالتحسن وأصبحت المعايير النسبية لمستوى المعيشة بالارتفاع وما كان يعتبر ترفاً في السابق اصبح يمثل الحد الأدنى للعيش بل نوعاً من التقشف . بدات معايير التمدن باختراق منظومة الحياة الريفية وعليها بُنيت امال جديدة بدات بالظهور والترسخ ؛ بدات منظومات فكرية مهمة بالتغير مثل عقائد السحر والشعوذة التي بدا الايمان بها يتراجع بشكل ملحوظ .
بدات أولى تباشير ذلك في الريف من خلال فرض المقاييس والمكاييل الموحدة . في عام ١٨٤٠ فرضت المقاييس المترية لكن الالتزام الكامل بها لم يتم الا ببطءٍ شديد وكان يتماشى مع درجة اندماج الاقتصاد الريفي بالاقتصاد الوطني . كانت المقاييس والمكاييل متنوعة بقدر تنوع المناطق في الريف وكانت الحكومة مجبرة على التعامل معها رغم عدم الاعتراف الرسمي بها وذلك من اجل تسهيل استيفاء الرسوم والضرائب التي كانت تتم وفقا لها . بدات المقاييس المترية الموحدة تنفذ مع نفاذ الاقتصاد الوطني ، وفق قنوات يرد ذكرها لاحقاً، الى عمق الريف .
النقود المعدنية ذاتها كانت تشهد ذات القدر من التنوع والتباين ولم تتوحد الا في فترات متاخرة نسبياً . كان الفلاح قادرًا على تأمين احتياجاته مثل الحديد والملح او قطعة قماش وزوج من الاحذية بالمتوفر من النقود وكانت تفي بامكانية استخدامها لدفع الضرائب ؛ وفي القرى الصغيرة لم تعرف النقود أصلا لان المقايضة كانت تفي بالاحتياجات . لقد دخلت النقود الموحدة في الاستخدام الواسع مع توغل الاقتصاد الوطني وبدات منظومات القيم الاجتماعية بالتبدل . صارت الثروة النقدية وحجم الملكية الزراعية تعبر عن المكانة الاجتماعية وتؤهل لبعض المزايا الاجتماعية مثل الزواج من فتاة ذات مكانة ، كان تحسن طرق المواصلات ووسائل النقل احد العوامل الاساسية في ذلك .
في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر بدا الاقتصاد النقدي بالحلول تدريجياً محل اقتصاد المقايضة والاكتفاء الذاتي كما بدات النقود الورقية تجد طريقها بدءاً من العقدين الاخيرين للقرن التاسع عشر ، اما الطفرة الحقيقية للنقود الورقية في التداول في الارياف فلم تحل الا بعد الحرب العالمية الاولى .
حتى مطلع القرن العشرين عاشت الكثير من أقاليم فرنسا الريفية نوعاً من العزلة والاعتماد على النفس في نوع من الاكتفاء الذاتي وحافظت على طابع حياتها الخاص بمعزل عن التماثل الذي شهدته الحياة المدينية في عموم البلاد . كانت المواصلات بدائية ونادرة والعلاقات الاقتصادية محددة بالأسواق المحلية ولم يبدأ هذا الوضع بالتغيير الا في ثمانينات القرن التاسع عشر حيث مُدت الطرق والسكك الحديد ولم يبدأ الفلاحون بشراء احتياجاتهم من مصادر غير محلية الا في اوائل القرن العشرين في العديد من أقاليم البلاد .
الجهل بما كان كائناً خارج المحيط المباشر والشك بالغرباء هما الطابع العام ونادرا ماكانت أسئلة هؤلاء الغرباء تلقى الإجابة . كان شعور الانتماء للمقاطعة او المهنة قوياً الى الحد الذي حال بين الناس وبين وصف أنفسهم بالفرنسيين ولم يتولد شعور الانتماء للوطن الفرنسي الا بالتعليم ولم يأخذ هذا التعليم مفعوله الا بعد ان اصبح متطابقاً مع الخبرة الحيادية اليومية . لقد تاخر حصول ذلك حتى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر حيث بدأت روح الوطنية الفرنسية بالانتشار التدريجي في الارياف الفرنسية . لقد ظلت مظاهر الدولة من رجال السلطة والقانون تمثل روح القهر والاذعان بالنسبة الريفيين حتى بدات هذه المشاعر بالتلاشي تدريجياً في وقت متأخر نسبياً .
على صعيد اللغة فقد أظهرت إحصاءات تعود لعام ١٨٦٣ ان ربع الشعب الفرنسي لايتحدثون الفرنسية وان عشر الطلاب بين ٧-١٣ عاماً يجهلون الفرنسية تماماً وان ثلاثة اضعاف هذا العدد من الطلبة الآخرين كانوا يتحدثون الفرنسية دون القدرة على القراءة او الكتابة . لقد كانت الفرنسية لغةً اجنبية بالنسبة لجزء هام من الشعب الفرنسي بضمن ذلك نصف الأطفال الذين على حدود سن البلوغ وذلك خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، وهنالك من الأسباب مايدعو للاعتقاد ان هذه الأرقام اقل من الحقيقة .
شكل تعدد اللغات عائقاً إدارياً فضلاً عن كونه يمثل عامل فرقةٍ وطنية التي تقتضي فهماً واضحاً من المواطنين لماهية مصالح البلاد وما هي سياساتها كما انه من البديهي ان قدرة اي نظام على النفاذ الى فهم وادراك المواطنين تتوقف على معرفة المواطنين باللغة الرسمية . حتى قبيل الحرب العالمية الاولى كانت اللهجات المحلية هي اللغات الام بالنسبة لجزء كبير من الشعب الفرنسي وكان بعض هذه اللهجات تختلف عن اللغة الفرنسية . كانت المراسم والطقوس الكنيسة تجري باللغات واللهجات المحلية وصدرت أواسط سبعينات القرن التاسع عشر تعليمات حكومية بمنع اجراء هذه الطقوس باللغات المحلية لكن اجراءات الأرغام هذه فشلت واستدعت قيام نوع من الاحتكاك بين الدولة والكنيسة ولم ينته ذلك الا في اوائل القرن العشرين . لقد انتهت هذه المشكلة بشكل تدريجي مع تزايد حاجة الأطراف للمركز واعتبار إجادة اللغة الفرنسية شرطاً للانخراط في الوظيفة العامة مع تزايد أهمية المجتمع الوطني على حساب المجتمعات المحلية .
لقد كانت فرنسا حتى وقت متاخر نسبيا من القرن التاسع عشر كياناً موحداً بالكاد وقد وصف احد مفكري فرنسا الفارق الزمني بين باريس ومحيطها الريفي بانه يبلغ حوالى ١٠٠ سنة وقد كشفت الثورة الفرنسية حقيقة ذلك ، فقد اعتُبرت الروح الوطنية سمة من سمات الحياة المدينية وبدت العلاقة بين الريف والمدينة كما لو كانت علاقة احتلال واستغلال امپريالي . لقد حملت الثورة والحراك الثوري السياسةَ الى أنحاء لم تُمس من قبل وبدات معها زعزعة سكون الحياة الريفية ومجتمعاتها وحدث في أنماط الحياة هذه شرخٌ ، لكنه ظل شرخاً فحسب وظلت جدران هذه المجتمعات صامدة حتى وقت متاخر نسبياً . بقي “الباسك “على شعورهم بأنهم ليسوا فرنسيين وفي جنوب فرنسا بقي الشعور بالانتماء الوطني ضعيفاً حتى اوائل القرن العشرين وحتى الحروب الوطنية أواخر القرن التاسع عشر مثل حرب ١٨٧٠ ضد بروسيا لم تثمر مشاعر وطنية عامة الا بالقدر الذي مَسّت فيه هذه الحرب المجتمعات المحلية . لقد كانت الدولة – الأمة غائبة عن الشعور العام في الارياف حتى أواخر القرن التاسع عشر ولم تكن تعني للسكان شيئاً اكثر من ضابط التجنيد وجامع الضرائب والقاضي ، وقد ظلت معظم احداث تاريخ فرنسا بالنسبة للأرياف ، حروبها وثورتها ، غائبةً عن وعيهم او تروى على سبيل الحكايات الخرافية .
وفقاً لبعض النظريات فان مفهوم الأمة هو مزيج مركب في طور التغير الدائم وفي علاقة متغيرة ببعضها البعض ؛ انها ليست شعوراً غريزياً فحسب ولكنها هوية قابلة للتعليم ، وقد تعلم الفرنسيون وطنيتهم خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبسرعات مختلفة حسب المناطق . لقد كانت قضية الوطنية والانتماء لفرنسا ونبذ المناطقية ودمج التاريخ المحلي بالتاريخ الوطني قضية يتم تدريسها في المدارس اضافة الى الوقائع التي كانت تتم على الارض .
شكل الفلاحون ثلثي سكان فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر وفي عام ١٩٢٩ اصبح سكان الريف اقل من النصف بقليل . وقد انقسم سكان الريف الى صنفين . الفلاحون ( peasants ) والزرّاعة (farmers ) ؛ يعيش الصنف الاول لياكل ويكفي حاجات عائلته اما الصنف الثاني فهو الذي يستثمر في الارض لاغراض السوق ، وقد كان الفلاحون هم الصنف الغالب حتى أواخر القرن التاسع عشر ولذلك ظلت العملية الإنتاجية في الريف تدور حول سد الاحتياجات الخاصة بالفلاح وأسرته ولم تجد المنتجات الزراعية ولحوم حيوانات المزارع طريقها للسوق وبقيت الشبكة التجارية وعقلية الفلاح من الناحية الاقتصادية تدور في اسلوبها التقليدي ؛ لقد حصل التحول الكبير من الفلاحة الى الزراعة في العقدين الاخيرين السابقين للحرب العالمية الاولى حيث حلت وسائل الزراعة الحديثة محل المحاريث الخشبية كما استُخدمت الاسمدة الصناعية وباتت عزلة الارياف بالتفكك لصالح السوق بدلاً من اقتصاد الكفاف . لقد لعبت قضية تدني إنتاجية الارض جراء طول الاستخدام دوراً ثورياً في هذه المرحلة وأظهرت الحاجة لزيادة الخصوبة وتحديث الأدوات الزراعية وجلب هذا بدوره المستثمر من خارج المنطقة القادر على تمويل هذه العمليات .كما بدا التوجه نحو تنمية الثروة الحيوانية يأخذ حيزاً مهما في حياة الارياف الإنتاجية وَقّاد ذلك الى زيادة موارد الأفراد وظهرت نتائج ذلك في تحسين ظروف المعيشة بشكل عام كجزء من عملية نمو المشاعر الوطنية وتفكك المنظومات الحياتية التقليدية . ذلك تم ببطء ولكنه تم بوسائل وسياسات شدت الحياة في الارياف نحو المركز .
كيف تم ذلك ، هذا موضوع الحلقات القادمة ……

المقال السابقالاحزاب الدينية
المقال التالىحاميها ..حراميها
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد