اصلاح الفوضى والجنون


 
اصلاح الفوضى والجنون

مشهد المجنون قبل الاحتلال كان واضحا وصريحا لدى العراقيين جميعا، شخص قذر مقطع الثياب شارد الذهن بهلواني الحركات، ينام على الاسفلت او في الحدائق، ياكل من الازبال حين يجوع، ولكن الله من على العراقيين بعد الاحتلال فاعطى للمجانين صورة اخرى، نظافة ولطفا وملابس غالية الثمن واحذية واربطة عنق ملونة وعمائم مبهرجة، ومآدب طعام من كل مايتشتهي الانفس، وجعلهم ايضا بمناصب ورتب مختلفة، فمنهم الوزير والقاضي ومنهم السفير والتاجر، ومنهم فيلسوف كونفوشيوسي معاصر، ومفكرين على مقام النهاوند والبيات، اسكنهم في قصور فارهة، وسلطهم على المال الثروة والسلطة، فانقلب المشهد تماما،اصبح فكر على الوردي وشاعرية عبد الرزاق عبد الواحد وفلسفة عزيز السيد جاسم وتلميذه خضير ميري وعبقرية الدكتور كمال السامرائي وعلاء بشير وزها حديد عناوين لجنون مجتث بدستور المجانين وقوانين النهابين، فتعدى مايعيشه العراق اليوم مراحل الفوضى بكثير، لينتقل الى مراحل الجنون المباح بدستور والمحمي بقوى الاحتلال، جنون رجال الدين وجنون السياسة وجنون الفساد وجنون الخرافات والاساطير ،وجنون المناصب وامتيازاتها، الذي حول السياسة في العراق من وسيلة للخدمة العامة الى صراع ديكة (مهلوسة) فلا ريش يغطي السياسيين بعد فضائح الفشل والفساد، ومن ثم جنون الاصلاح، الذي حول المطالبة به الى لعبة لمراهقي السياسة وهلوسة كيفية ومقصودة للتاثير على الجماهير المظلومة التي تنتظر الفرصة للتغيير الحقيقي والاقتصاص من الفاسدين والعملاء الذين باعوا البلاد ونهبوا ثرواتها، ثم جنون الزيتوني والمرقط، وجنون الرتب العسكرية والعمامة، الرتب واللحى القذرة، الرتب والمحابس والسبح، وليس اخيرا جنون الجكسارات والمونيكا..

في جلسة استجواب وزير الدفاع ظهر جنون آخر، وهو جنون التآمر المتعدد الاتجاهات والمرجعيات، فليس من السهل علينا القبول بهذه الشجاعة المفاجئة والمفرطة من قبل وزير جاء نتيجة الصفقات ويعيش في جو من فساد عائم وعام وقديم جديد ومتواصل ايضا، وما جاء به الوزير ليس احجية غير معروفة، فطالما سمى الشعب مجلس النواب بمجلس النهاب، وطالما ردد باسم الدين باكونة الحرامية، وطالما شتم الشعب الحكومة وقادتها والمشاركين بها والمساندين الداعمين لها باقذر الشتائم، وضرب بالنعل صور رئيس الوزراء والقضاء والبرلمان وغيرهم، وقبل الوزير كان النائب مشعان الجبوري قد اعلنها صراحة وعبر الفضائيات ان كل القائمين على العملية السياسية والمشتركين فيها قد نهبوا ما تمكنوا من نهبه وهو منهم، وقبل ذلك بكثير كانت النائبة حنان الفتلاوي قد اعلنت عبر الفضائيات ايضا ان كل الكتل السياسية المشاركة بالحكم قد تقاسمت الكيكة، وقبل ذلك ايضا كانت الفضائيات قد بثت تقريرا عن اعمال تهريب النفط من قبل بعض قادة الاحزاب والميليشيات، وقبل ذلك ايضا كان عميد اللصوص والنهاب بهاء الاعرجي باعتباره رئيسا للجنة النزاهة البرلمانية قد اعلن سرقة سبعمئة مليار دولار من كل ورادات الدولة منذ عام 2003، وصالح المطلق اتهم جمال الكربولي بسرقة 800 مليون دولار، وغير ذلك الكثير.. فما الجديد اذن في ماقاله العبيدي في جلسة استجوابه؟.. هل فضح الوزير اسباب نكسة الموصل، هل قدم للامهات النائحات عزاءا على ابنائهن ضحايا سبايكر؟..

الاتهامات كارقام ووقائع ليست اكثر اثارة مما يتناوله الناس عن ثروة عمار الحكيم والمالكي وابنه البطل حمودي، ولا ثراء اخرين كثيرين كانوا حفاة عراة قبل ان يسلمهم صدام الحكم.. اما الاسماء التي ذكرها العبيدي فهي ايضا ليست جديدة في عالم الفساد، سليم الجبوري الذي هو مثال نموذجي لجنون شعب كامل ارتضى ان يكون رئيس برلمانه شخصا متهما بالارهاب ولأكثر من قضية وباعترافات شهود وبوقائع وباوامر قضائية، والكل يتذكر زيارته الحميمة لشريكه السابق في العمولات والنهب والسلب، السارق الصدري محمد الدراجي، اما مجموعة الكرابلة، وهم كاوبوي العراق فقد ارتبطت اسمائهم بسرقة اموال الهلال الاحمر وبفساد وزارة الصناعة، وحيدر الملا، ارتبط اسمه بالفيلا الفاخرة التي اشتراها في ارقى مناطق عمان وبمبلغ يزيد عن المليون دولار.. وملفات عديدة ربما لايمكن حصرها كان المالكي قد وعد كثيرا بفتحها وتقديمها للقضاء ولم تكن وعوده سوى وسائل للابتزاز السياسي، ومن ثم جاء العبادي ليعلن محاربته للفساد المتفشي في مفاصل الدولة ولكنه يعرف تماما ان فتح اي ملف وبشكل جاد يعني الاطاحة به وبحزبه قبل الاخرين .. لاجديد اذن تحت شمس الجنون والفساد الساطعة في العراق.. وما جرى هو ليس صحوة ولا فضيحة، وانما هو نوبة جنون مؤقتة تعدت حدودها، ربما ستنتهي اعراضها مع قليل من المهدئات والبوسات والصفقات، وستمحى من ذاكرة شعب كان قد فقد ذاكرته كما فقد عقله منذ سنين، او انها ستمضي كما مخطط لها للاطاحة بسليم الجبوري الفائز الوحيد من صفقة الولاية الثالثة التي اعدها المالكي، والذي سبق وان تعرض لمحاولة الاطاحة به عبر ما سمي في حينه بانتفاضة البرلمان وجبهة الاصلاح التي قادها وبالخفاء ايضا المالكي، ولكن الجبوري كان قد صمد حينها بارادة ايرانية اميركية..

والعبيدي الذي ركز في حديثه على انه ليس سياسيا وغير مهتم بالسياسة وانه جندي مقاتل في الجبهة وفي البرلمان، عاد فغير من اتجاهات اللعبة ليظهر كانه بطل للمكون السني، وانه البديل المنتظر عن الحزب الاسلامي واتحاد القوى لتمثيل السنة في العملية السياسية، فبعد يوم من الاستجواب الذي شغل الراي العام وشبكات التواصل الاجتماعي، قام بزيارة دار للايتام، مع ان هذا ليس من واجباته ولا من مسؤولياته وقدم مكرماته لهم، ومن ثم زار منطقة الاعظمية مستغلا الصورة القوية التي ظهر بها في البرلمان ليحشد لنفسه شعبية داخل الوسط السني الذي استقبله بحفاوة وتكريم ودعم متوقع، للضغط على الجبوري والاخرين الذين يعتقدون انهم هبل ومناة ولات اهل السنة، ليبدأ صراع جديد حول التمثيل السياسي القادم..
اذن ماجرى في جلسة الاستجواب كان وسيبقى جزءا من الصراع بين الفاسدين على المغانم والمكاسب، وجزءا من صراع بين خاسر وفائز، ولم ولن يكون صراعا من اجل محاربة الفساد والفاسدين، ولن يكون من اجل مصالح الشعب ولو كان كذلك فان علامات الفساد وشخوصه وقضاياه والغازه لم تكن بانتظار ان يكشف الوزير النزر اليسير منها والذي لم يتحقق اصلا بسبب عناده واصراره على المشاركة في اللعبة بين اطراف لايمكن لها ان تلتقي يوما ما على المحبة والخير والصالح العام ابدا..

لا تعليقات

اترك رد