أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة – ج٥

 
أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة - ج٥

ميتافيزيك ودين
كان هذا هو جزء “ميتافيزيك ودين” في كتاب “كان هذا سهواً” للشّاعر اللّبناني أنسي الحاج، وقد شكّل قراءة نقديّة عميقة لجدليّات عدّة كالله، القدر، العدم، المرأة، الموت،… على ضوء تجربته الشّخصيّة. ويأتي هنا النّقد بشكله الأصدق لأنّه يعبر إلى الآخر انطلاقاً من الّذات، وبذلك يتفاعل معه تلقائيّاً من خلال تحريك الضّمير الإنساني، وهزّ وعيه، ودفعه إلى الولوج في اللّا وعي حتّى يستخرج منه أسئلة كبتها الفكر السلطويّ.
يرشدنا المعلّم أنسي الحاج في هذا القسم إلى أصول نقديّة ذاتيّة تتمحور حول حريّة الضّمير الإنساني الّذي يفترض حرّيّة التّساؤل، والشّكّ، والتعبير بحرّيّة عن كلّ الهواجس حتّى وإن توجّه النّقد إلى النّصوص الكتابيّة المقدّسة. فنتيجة هذا النّقد إيجابيّة حتماً لأنّها تنقل الإنسان من مشروع إنسان إلى آفاق إنسانيّته الواسعة، مفترضاً حضور الإله المحبّة المتفهّم، المتفاعل مع الفكر الإنساني المحدود، والمستعدّ للانفتاح عليه.
وإذ نقول إنّ هذا النّقد هو الأصدق فلأنّ أنسي الحاج طبع ذاته في كلماته، وتساؤلاته، وتأمّلاته. من هنا نفهم قدرة تأثيره في القارئ، بل نندهش أمام مرآة لغويّة صنعها أنسي الحاج بهدف أن يرى القارئ عمقه الفكري والنّفسي من خلالها، فيرتقي ويتعلّم ويتأثّر ويسير قدماً نحو إنسانيّته كيما يكتشفها ويفهمها ويسمو بها.
تجربة أنسي الحاج الحياتيّة بكل ما حملت من حزن وألم، وفراق ووحدة، وفرح وجمال، دفعته إلى التّأمّل النّقديّ وسارت به نحو خلق اللّغة الأنسيّة الخاصّة الّتي تضيف إلى القلب نبضاً إنسانيّاً، يشعل الرّغبة في استخراج معاني الوجود.
“الحرب قد لا تُبكيني. أغنية صغيرة قد تبكيني، أو كلمة لأنسي الحاج.” (محمد الماغوط). إنّه أثر الكلمة الفعل، البناء الجديد الّذي يتأسّس على الجمال الإنسانيّ. فكاتب أو شاعر يسرق منك دمعة أشبه بنور يتدفّق في داخلك يكشف لك جمالك وبهاءك. فتقف وتندهش وتبكي.
ولئن كان هذا المحور (ميتافيزيك ودين) نقداً للوجوديّات وتأمّلاً للإطار الحياتيّ العام، كشف لنا المحور الثّاني (ذات) عن الذّاتيّة الأنسيّة وعودتها إلى الأنا. محورها التّراكمات الاختباريّة التّأملية وانسكاب اللّغة الحواريّة بين أنسي الحاج وأناه. فيتجلّى لنا أنسي الأبهى أبداً. وكما كان محور (ميتافيزيك ودين) مفتاحاً على العوالم الخارجيّة، سيبحر بنا المحور الثّاني (ذات) إلى ذروة الخبرة الأنسيّة، وسنتطلّع إلى أنسي الحاضر رغم الغياب، والفاعل رغم الرّحيل.

لا تعليقات

اترك رد