من أيّ عالم أنتِ؟


 
من أيّ عالم أنتِ؟
لوحة للفنانة شذى السعيدي

يا حبيبة سكنت منّي الخلايا وتلافيف الذّاكرة، صنعت من كياني كيانًا وروحًا أخرى، هل لي ألاّ أن أكون من مجرّتك؟ مجرّتي صادفت بطريقها مجرّتك فلملمنا غبار الكون وعجنّاه بقطرات الشّوق، دمعات النّدى، فخلق منّا أجمل مجنونين.. وهل كان لا بدّ أن أكون من كوكب آخر حتّى أكون معك إحساسًا وحسًّا؟
إنّها مشاعر الحبّ، أنا قضيت ليلة متعبة، كنت طوال الوقت أفكّر فيك حتّى نمت، لعلّ نفسي خرجت أثناء الموت الأصغر، زارتك في غرفتك الصّغيرة فشعرت بي.
كنت طفلاً أشعر بنفسي من كوكب آخر، كنت أنتظر السّاعات.. أرنو إلى السّماء، والنّجوم والكواكب، كنت أشعر أنّ لي أقارب هناك سيحطّون على الأرض في لحظة ما ليعيدوني معهم إلى كوكبي.. حلمت مرّة بالقمر ورأيت نفسي أسير عليه، نزلت من مركبة غريبة أرتدي ملابس غريبة.. في الصّباح حكيت ذلك لوالديّ، وصفت لهما كلّ شيء رأيته…ضحكا، قلت لهما: القمر ليس إلاّ حُفرًا، ضحكا أكثر..قالا: القمر نورٌ، ولم يكن العالم قد صوّر القمر بعد، وحين رأينا أوّل صورة للقمر عن بعد في مجلّة ما، ربّما كان ذلك عام 65 أو 66 ذهل أهلي.. كانت الصّورة في مجلّة العربيّ الكويتيّة، وحين نزل رائد الفضاء الأوّل على القمر وشاهدناه بالتّلفاز، وتشابهت الصّورة مع الحلم، قالت والدتي أنّني سأكون شيخًا، قلت لنفسي: سيأتي أهلي يومًا من هناك ويأخذونني.
وتدور السّنون فألتقيك.. مجرّاتنا تلتقي ونعيش أجمل اللحظات، نحلم بالغد القادم، ولا يطول الحلم فيفرّقنا القدر.. تلتهمني المعتقلات وتئد حريتي سنوات، أحاسيس أعيشها وكأنّنا نعيش معًا، فهل أنت أهلي الذين كنت أنتظر؟ دومًا معك، أشعر بفرحك، بألمك وبكائك، وأحلم بابتسامتك السّاحرة التي لا أنسى.
أشعر بلحظة ما.. بوقت ما.. بقوّة تفوقني، وكأنّ صوتك يناديني فيكون الاتّصال الرّوحيّ.. وأكون فعلاً بحاجتك. أبحث عنك في هذه المدينة الّتي عشقتها طفلاً وعدت إليها بعد فراق طويل، أتأمّل أن ألتقيك فيها كما التقيتها بعد الغياب، أحلم بك دومًا ألست أنا نسغ السّنديان، ألست أنت ياسمينتي التي تركتها برعماً؟ وأنت وهي وطني.

* من كتاب أطياف متمردة من منشورات دار فضاءات/ الأردن

لا تعليقات

اترك رد