أحلام مستغانمي، والأسود للحب لا للحداد ..


 
أحلام مستغانمي، والأسود للحب لا للحداد ..

هل يعقل بأن الكاتبة الجزائرية “أحلام مستغانمي” ماكرة إلى هذه الدرجة التي استطاعت أن تغرر بالملايين من القراء؛ واستطاعت بهذا المكر والدهاء، ومن خلال روايات لا تتجاوز أصابع الكف الواحدة أن تحقق النجاح الباهر، والشهرة التي تعدت الحدود العربية، وترجمت رواياتها إلى لغات أجنبية. أي امرأة هي أحلام مستغانمي تلك التي نوّمت القراء تنويماً عاطفياً لتجعل من كتبها الأكثر مبيعاً والأكثر شغفاً؟ بينما آلاف الكاتبات العربيات ينتجن في العام الواحد أكثر من رواية، لكنها لا تفارق رفوف دار النشر ولا يُباع منها إلا القليل وفي معرض الكتاب والذي يحدث في كل عام مرة. أي جاذبية تملك مفردات أحلام، وأي سحر ذاك الذي يسكن ما بين سطورها القليلة؟ هل يعقل بأن جميع عشاق مستغانمي لا يفقهون شيئاً عن الأدب ولا يفهمون تراكيب اللغة الأدبية؟ أم وحدهم النقاد هم من يعرفون السر الذي لا يعرفه القارئ المتيم بما تكتبه أحلام؟ هناك من يقول في نقده لروايات مستغانمي” إنها تفتقر للحبكة والمخيلة والقصة، وقارئ الثلاثية لن يجد مساراً قصصياً واضحاً وتصاعد للحبكة العامة، كما لن يجد حبكات فرعية مكمّلة، بل سيقرئ مجموعة من الكلمات المصفوفة بعناية منمّقة ومشدودة دون داعي أو مسوغ أو سبب”
والسؤال: لماذا هي بالذات من انفردت بمثل هذا الاعجاب والجماهيرية الكبيرة، ولماذا كلماتها التي صارت محط الأنظار والاكثر رواجاً واقتباس جملها المقطوعة عن الثلاثية على مواقع التواصل؟ طالما أنها ليست كاتبة جيدة وتفتقر للحبكة وما تكتبه مجرد كلمات مصفوفة ومنمقة. والجواب هو:
لأنها تملك لغة جميلة وأنيقة. مخملية لم تتعود عليها القبائل الشرقية، ولأنها تنسج قصة حب لا يقدر على أن يعيشها الكثير من الرجال ولا حتى النساء، فالأنثى التي تخلقها أحلام مستغانمي تشبه أنثى القصيدة، وأنثى القصيدة في نظر الجميع هي مجرد خيال؛ لذلك من أكبر الانتقادات التي وجهت لأحلام أنها تقمصت روح نزار قباني واعتقد الكثيرون بأن رواية ذاكرة الجسد هي للشاعر نزار قباني لتشابه الصور الشعرية والمفردات. وكما أن قصيدة الحب الشفافة لا تستهوي العديد من الرجال ويستحي في أن يقترب منها؛ كذلك لا تستهويهم روايات أحلام مستغانمي وكأن قراءتهم لروايتها ينتقص من رجولتهم وشرقيتهم. في أول ظهور لنزار قباني وبداية شهرته، كانت أشعاره ممنوعة من أن تدخل إلى البيوت المحافظة، ولا يقبل أي رجل في أن تقرأ أخته أو زوجته وابنته قصائد نزار التي يرى أنها اشعاراً ماجنة وتفسد أخلاق وعقل الأنثى. لأن البداوة والصحراء تسكننا بقوة، فيكون من الصعب أن نقصيها لتحل محلها شفافية المطر وزهور الربيع الملونة. ولأن الرجل الشرقي يخاف من أن تقرأ المرأة الكلام الجميل وتعتاد؛ فيخشى من أن تطالبه بالكلام الرقيق الذي يعجز على نطقه ويعجز في أن يعيش معها طقوس الحب المجنون الذي ترسم ملامحه أحلام مستغانمي، لم يجد من وسيلة إلا أن ينتقدها ويصف كتاباتها بالركيكة والمنمقة، وبما أن أغلب النقاد هم من الرجال شنوا الحرب على لغة أحلام مستغانمي وأسلوبها الروائي واتهموها ” باللعب على الكلمات، وغياب القصة والحبكة والمخيلة التي افتقرت للقدرات اللغوية. وكأن الكاتبة أحلام وحدها من بين الكاتبات المطالبة بتعليم القارئ اللغة من جناس إلى طباق أو هي المسؤولة عن تدهور اللغة العربية وانحطاطها. النقاد لهم معايير خاصة ومقاييس لجودة الرواية من حيث الطلاسم اللغوية التي يستخدمها العديد من الروائين ليظهروا للقارئ قدراتهم النحوية وجزالة اللغة التي يمتلكونها؛ ليشعر القارئ بالرهبة والهيبة وهو في حضرة كلماتهم، ليكتشف بأنه لا يفقه شيء من اللغة. ناهيك عن إدخال القارئ في متاهات الخطف خلفاً والأسماء الكثيرة التي عليه أن يحفظها كلها لكي يتمكن من ربط الأحداث وإلا فقد بوصلة الرواية. وكما في القصيدة تماماً هم لا يستسيغون السهل الممتنع والمفردة البسيطة ويتهمون صاحبها بأنه لا يملك الحس الشعري العميق، وليس لديه المقدرة على رسم الصورة الشعرية السريالية ولأنها فقيرة من الطلاسم.
” أحلام مستغانمي” من خلال روايات قليلة متشابهة ومكررة، استطاعت أن تضيف للرواية العربية موسيقى خفيفة وناعمة، على الرغم من مخملية عزفها؛ هناك شريحة كبيرة من القراء صار بمقدورهم أن يفهموا علاماتها الموسيقية، حتى وإن كان بها بعض النشاز كما يدّعي النقاد ومن هاجم شهرتها، يكفي أنها هذّبت المفردات وأعطتها جرساً موسيقياً واستطاعت أن تأخذ القارئ العربي المثقل بقصص الحب البائسة والحزينة لتجعله يعيش في قصة حب خيالية لكن من الممكن أن نعيشها ومن الممكن في أن نتكلم بلغة هذا الحب. وباعتراف من أحد النقاد على أن أحلام كاتبة ذكية يقول” كانت ذكية في المواضيع التي تناولتها ولكنها لم تكن حرفية في طريقة تناولها، حيث اختارت الثالوث المحرم وهو أحد القضايا التي دائماً ما تحمل عنصر جذب وإثارة بالنسبة لنا ( الدين، الجنس، السياسة )
في كثير من الأحيان وأنا واحد من أولئك الذين يبحثون عن رواية استطيع أن أصل إلى الصفحة العاشرة دون أن اشعر بالملل وضيق التنفس والاحساس بالكآبة من السطور الأولى. أنا لست ساذجاً ولا أميّز اللغة الجميلة من اللغة المستهلكة. أحلام تفتح شهية القارئ ولا تعطيه مجالاً بأن يترك روايتها وقلائل هم الذين اصطبروا على مواصلة قراءة أحلام. حتى وإن كانت تفتقر للقدرات اللغوية، والحبكة وما شابه من انتقادات. أحلام لم تجعل المرأة تتمرد على الرجل، ولم تكن السبب في حالة العنوسة. أحلام قبل أن تصفع الرجل وتفضحه هي صفعت المرأة وجرتها من شعرها لتجعلها تنظر كم أنها بائسة ولا تعرف من طقوس الحب إلا ما توهمته أنه الحب. أحلام تكلمت عن الوطن بمفردات شهية وقريبة إلى الحقيقة رغم مفرداتها المنمقة.
لا ننكر بأننا بحاجة أن نقرأ ” لعبد الرحمن منيف” الآن هنا، والشرق المتوسط، الأشجار واغتيال مرزوق؛ ليأخذنا معه إلى داخل السجون والزنزانة الفردية، لنعرف كم يعاني المعتقل السياسي الشريف، ونشاهد أساليب التعذيب التي يتفنن بها الجلاد على جسد الضحية؛ وكذلك يحق لنا بعد أن نخرج من السجن المظلم في أن نستريح قليلاً ونلتقط أنفاسنا ونتناول رواية لأحلام مستغانمي لتنتعش رئتنا بهواء الحب اللامعقول ولن يعنينا ما إذا كانت القصة حقيقية أو مكررة ولا يهمنا كثيراً قوة اللغة الروائية التي تستخدمها والتي لا تعجب النقاد. من حقنا أن نسافر إلى كواكب على متن كلمات رقيقة تلبسها أرواحنا مثل ثوب مقلوب بعد أن نصحو من سكرنا بالكلمات نضحك على أنفسنا ومن ثم نعود لنطالع الصحف اليومية عن حرائق الوطن وجرائم داعش وننخرط بالواقع المؤلم فلا نعود نميز ما بين اللغة القوية ولغة أحلام مستغانمي الفقيرة من البيان والجزالة. إلى متى ونحن نحارب كل ولادة لشيء جميل، لماذا نطارد النجاح بسوط الحقد والحسد. أحلام مستغانمي قصيدة منفردة يراقب رقصها الجميع ومن شدة غيرتهم من جمال رقصها يمدون أقدامهم لتتعثر لكنها تستمر بالرقص على رخام الكلمات وفي كل مرة تدهشنا برقصتها رغم أنها مكررة؛ لأنها خلقت لترقص وتراقص القلوب المتلهفة إلى عالم لا يشبه عالمنا الأسود، حتى الأسود جعلته جميلاً ويليق للحب لا للحداد ..

شارك
المقال السابقتقسيم العراق لإسعاد الآلهة !!
المقال التالىاسلوبية المسرح الضوئي التشكيلي – ج١

الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح.
الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد