سلمية سلمية .. و ماذا بعدها ؟

 

تعبّر المجتمعات عن استيائها من سلوك السلطات عند شعورها بوجود حالات الفساد الذي يصل أحياناً لدرجة تخريب بناها الإقتصادية و الإجتماعية و يكون تعبيرها بطرق مختلفة تبعاً لعوامل عديدة منها نوع نظام الحكم فالإحتجاج في الدول الواقعة تحت الإحتلال المباشر يختلف عنه في الدول الحرة والمستقرة ذات الأنظمة الديمقراطية إذ تضمن الشرائع المعروفة حق الإحتجاج الذي يصل لدرجة المقاومة المسلحة للدول المحتلة من أجل نيل حريتها و اختيار طريقها الذي ترتضيه لنفسها في حين تنظم طرق الإحتجاج السلمي بقوانين في الدول الديمقراطية لتمنح مواطنيها حق التعبيرعن رأيها بطريقة حكمها ، وهناك عوامل أخرى بطبيعة الحال تتحكم بطرق الاحتجاج كدرجة وعي تلك المجتمعات و فهمها لمستوى المخاطر التي تتعرض لها ، على ان الإحتجاج السلمي لا يقتصر على التظاهر و الإعتصام فهناك أيضاً الإضراب العام و العصيان المدني الذي استطاع غاندي بواسطته أن يخلع أغلى جوهرة من التاج البريطاني
في العراق و منذ الإحتلال عام 2003 حاولت السلطة الإيحاء بوجود أجواء ديموقراطية تضمن حق الإحتجاج السلمي كالتظاهر و الإعتصام خاصة بعد إقرار الدستور عام 2005 الذي ضمن هذا الحق كوسيلة للإحتجاج السلمي ، و بالفعل خرجت العديد من التظاهرات الغاضبة للتنديد بالفساد طيلة السنوات السابقة و هي تحمل شعار ( سلمية سلمية ) موهومة بأن الفساد يتعلق بوزير الكهرباء عند انقطاع التيار الكهرباء أو بوزير الصحة عند تردي الخدمات الطبية و ستحصل على حقوقها بمجرد التظاهر السلمي ضد هذا المسؤول او ذاك
إن الفساد لا يقتصر على الحكومة التي يتظاهرون ضدها فهي لا تمثل إلا جزء من نظام بني على اسس خاطئة فأفرز هذا الكم من الفساد وسيبقون في هذا الخدر اللذيذ بانتظار اصلاحات ما في حين تمضي السنين دون تحقيق شيء من مطالبهم .
قادة التظاهرات في الغالب كانوا رجال دين مرتبطين بالسلطة بشكل أو بآخر و إن ظهروا أمام اتباعهم كمعارضين ، وهناك أيضاً مدنيون بأعداد ضئيلة ضاعوا تحت رايات ليست راياتهم و شعارات ليست شعاراتهم فانجرف بعض قادتهم من الشباب مع الموجة و استهوتهم لعبة الإعلام فيما انكفأ الآخرون يائسين .
العملية كلها أشبه ببناء مصدات ريح لتغيير مجرى النقمة الشعبية بعيداً عن سفن النظام من خلال إسناد دور المعارضة لشخصية دينية يعتقد أتباعها أنها تحمل تفويضاً إلهياً ، فأمره نافذ و مخالفته موجبة لعقاب أخروي ، و عندما يأمرهم بفض التظاهرة فلا بد أنه تلقى أمراً إلهياً بذلك . هكذا يجري امتصاص النقمة الشعبية باستغلال جهل المتظاهر ، تبعية الجمهور لقائد ديني تختلف عن تبعية جمهور واع لقائد سياسي يتخلى عنه أتباعه بل ويطيحون به عند انحرافه عن اجماعهم حول الهدف الذي جمعهم حوله ، و كان من الواضح أبان اقتحام المنطقة الخضراء اطمئنان الحكومة و البرلمان الى أن لا خطر على الإطلاق من هذه التظاهرات حتى اذا أدت إلى اقتحام مقري الحكومة و البرلمان و الاعتصام فيهما لبعض الوقت طالما ان الوضع تحت السيطرة و أن كل شيء سيعود لما كان عليه و لن تتجاوز الخسائر (قنفة) من أثاث البرلمان طالما ان مفاتيح مصدات الريح هذه في جيب النظام
التظاهر ليس طقسا دينياً او ترفاً نمارسه مرة في الإسبوع بدل الذهاب إلى المقهى لنتسلى بمشاركة صوره مع اصدقائنا بل عمل متواصل يجب إنجازه و الخروج بنتيجة . سلمية سلمية سلمية .. و ماذا بعدها ؟ هل تتوقعون أن مفسدين يتربعون على أكبر حقول النفط في العالم أريقت من أجلها أنهار من الدم و فرطوا بثلث مساحة البلاد و قلبوا دينكم رأساً على عقب ليسرقوكم باسمه سيتخلون عن كل شيء و يسلموا أنفسهم لأقرب مركز شرطة لمجرد انكم طلبتم منهم ذلك بتظاهرة سلمية ؟ الإحتجاج السلمي سلوك حضاري حقاً تمارسه الشعوب عندما يكون النظام متحضراً و هو مشروط بالإستجابة للمطالب المشروعة خلال مدة محددة ، وإلا فإن لكل مرحلة خططها المبنية على مدى الإستجابة
إحتفظوا بقائدكم الديني إن شئتم تستطيعون الصلاة ظهيرة الجمعة خلفه و لكن عندما يتعلق الأمر بقيادة الإحتجاج أياً كان نوعه و حجمه فاتبعوا من يعرف خطة بديلة إذا لم تستجب السلطة لمطالبكم

لا تعليقات

اترك رد