بنت الشيخ

 

شابة وضاحة .. مضرجة بحمرة العافية ..اسبغ عليها النعيم ورفاهة العيش المزيد من الهشاشة الآسرة والجمال الفاتن، عطرة مثل بستان مشمش ..ومضيئة مثل شعاع صبح مشرق…وكانت تسميتها بفتنة اسم على مسمى فهي فاتنة بشكل ملفت ..على الرغم أن اسم فتنة شائع جدا في عائلتها الاقطاعية ذات النفوذ الواسع وعموم المقاطعة .. إذ ان جدتها لابيها اسمها فتنة ايضا ، لكنها فتنتا الشابة فتنة بحق ..فتنة من نوع خاص ..فهي قصيدة لا يتعب من ترديدها مطربو الجوار بعد أن يتحايلوا بعمليات استبدال بسيطة، والشعراء بانزياحات خجولة فقط للخلاص من شر ابيها وعائلتها الاقطاعية المتنفذة المخيفة القوة، …غطت سمعة جمالها سماء ابعد نهر واقصى حقل بل تعدتها الى مدن اخرى، فهفت قلوب الشباب والشيوخ من الاقطاع والميسورين على وجه الخصوص وللفلاحين اشبه بحلم او اسطورة بعيدة المنال ..وازاء هذا الذكر العطر توافد خطابها من قاص ودان، وسيم وقبيح، شجاع وجبان، ابيض كالفضة واسمر كلون الحنطة ..ومن مختلف المشارب والاشكال والالوان ولكنهم جميعا من (علية القوم ) وموسوريها كما يقال ، وكثر اللغط وحامت الشبهات كالجراد في سماء مقاطعة ابيها واختلفت التأويلات عن سر رفضها للجميع، وعدم القبول بأي منهم ، وطفح الكيل بأبيها وهو الرجل الرفيع المنزلة وكبير قومه، وبعد ان تعب كثيرا من تقليب افكاره دون ان يخرج بتفسير واحد لرفض ابنته الجميلة والمعافاة والتي كنت الارض تكاد تميد تحت اقدامها الزبديتين من بياض ورقة جسدها المتفجر شبقا ونداءات حارة رغم خشونة الريف، حين تمشي غنجا وتتلوى دلالا، فاتح الرجل الحائر امه ودعاها الى استجلاء سر ابنته ومحاولة معرفة اسباب رفضها لمختلف العرسان ، فذكورته ومنزلته الاجتماعية والاعراف السائده تمنعه من سؤال ابنته والاستفسار عن اسباب الرفض مباشرة….. وخلت الجدة الحنون بفتنة الفاتنة وكان بينهما آصرة وود كبيرين ومحبة لا تنفد ..فالجدة ذات جمال غابر ترى فيها بعض شبابها الراحل الذي لم يتبق منه سوى اثار بسيطة وبعض مشاكستها وعنادها وشجاعتها…خلت بها ..وحدقت طويلا في عينيها ..غارت في بحرعسلهما الذي يبعث بريقا مثيرا. باحثة عن آثر ما عن تفسير ما عن جواب ما في عمقهما…وبعد صمت طويل .طويل وعميق يبعث على الرهبة ، قالت لها الجدة ..انا لا اسألك لماذا ترفضين كل الخطاب…ولكن اسألك من هو هذا الامير الكبير “المسعد” الذي خطف قلبك…؟ واسترسلت بثقة باذخة ..انت واقعة يا فتنة في بحر عشق عميق يبدو ان ليس له قرار…..قولي يافتنة فانا جدتك ..واليفتك … سكتت فتنة الفاتنة طويلا ..ولكن نظرات جدتها التي راحت تحاصرها مرة بتوسل واخرى بتوعد …اجبرتها على الاعتراف في النهاية …وقالت لجدتها بصوت يتقطع ببحة العشق والدله …هو ..هو …هو هويش يا جدتي… فصرخت جدتها كأن رمحا غرز في قلبها …ولطمت خديها حتى ادمتهما…ماذا تقولين ماذا تقولين …هويش “العبد” ما غيره ….؟ قالت فتنة بقوة وعناد بعد ان استجمعت كل شجاعتها… نعم هو هويش ولاغيره ….وهويش هذا شاب اسود اريحي قوي البنية جميل الملامح شجاع عزيز النفس على الرغم من انه يعمل خادما في بيتهم ..وكانوا يطلقون عليه في تلك الايام “عبدا” وهو يعتبر من بعض ممتلكات الشيخ او ابيها…وكانت الصدمة هائلة وثقيلة على رأس جدتها التي راحت في شبه غيبوبة ..ساكنة دون حراك سوى ان عينيها تتفحصان ابنة ابنها من الرأس حتى القدم ..وبعد غياب عن الوعي لدقائق ..استرجعته بصعوبة وقلت وهي تهز يدها اليمنى بعنف وانفعال…..(ولج هويش الاسود ….هويش العبد……….الله واكبر عليج) ، نظرت لها فتنة متحدية وهي تلعب بضفيرتها .و.قالت لجدتها.
اسود وعاده 1 وأنوبه اصبغه بزاغ2
منكر وداده وبالكذله احط دراغ 3
ومعنى قولها ان كان اسود فلا مشكلة (وعاده) بل علاوة على ذلك سأضيف (زاغ ) لأثبت لونه الأسود وأزيده سوادا، ولا يمكن ان انكر حبه تحت اي ظرف، بل سأضع جرسا في خصلة شعري (الكذله) لينتبه الناس الا اني احبه وسأظل احبه.
شعرت جدتها بالرعب …وتفصدت خوفا وجزعا …فأهلها اذا سمعوا هذا الكلام سيقتلونها لا محالة ..وستنتهي اسطورة للجمال شغلت شباب القرى كثيرا …قالت لها زاجرة بغضب حاد (ولج اسكتي لا يسمعونك ولج انت مسودنه ..ولج يدفنونج دفن وانت عدله) لكن فتنة لم تبال بتحذيرات جدتها بل لم ترحم خوفها وجزعها.. ولم تنكسر ووتتراجع لحظة ودون شعور بالخطر ..بل راحت تبتسم وتتحدى لفترة طويلة …ولكنها شعرت بعد ذلك ان جدتها تفهمها تماما ولكنها تحنو وتخاف عليها وتريد ان تجنبها الموت المؤكد فيما اذا استمرت بإعلان حبها الذي يعد ضربا من الجنون ..او رغبة في الانتحار ..فانخفضت حدة صوتها واسبلت جفنيها وانسابت قطرات دمع كنثار اللؤلؤ على خد من الاقحوان ،وقالت متوسلة .
حجيه اريد هويش لا عن ولاعن 4
بعد الحجي شيفيد وعلومه شاعن
ومعنى ما قالت (ياجدتي انا اريد هويش مهما كانت الظروف والاحوال ولابد من هذا وسوف لن أكل ولا اعن عن هذا ..وبماذا يفيد كلامك بعد ان ذاعت وشاعت قصة حبي له.)
سكتت الجدة تماما ولم تقل كلمة واحدة وغابت في صدمة طويلة لم تنتبه منها حتى صباح اليوم التالي حين كانت الدنيا مقلوبة في البحث عن فتنة الفاتنة وهويش الاسود ، اللذين غادرا القرية الى الابد وقت السحر والناس تهدهدهم الاحلام.

1ـ وعاده ….لا بأس لا مشكلة
2-الزاغ مادة تستعمل لتثبيت الصبغ
3- دراغ جرس يدوي او ناقوس صغير جدا
4- لا عن لا بد منه

المقال السابقابعدوا الانبار… عن خلافاتكم
المقال التالىرحلة
علي ابو عراق من مواليد البصرة 1951، شاعر وصحفي . صدر لهما يقترحه الغياب ، من ...؟ ، نهير الليل ، باكرا ايها الغروب كتب اخرى ، مقامات الماء ، مقامات النخل ، ذاكرة البصرة ، مرويات شفاهية بجزئين، حوارات مع محمود عبد الوهاب عضو الهيئة الادارية لاتحاد ادباؤ البصرة لدورتين ، عضو اللجنة ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد