مجابهة الاسلام السياسي

 
مجابهة الاسلام السياسي

Confronting Political Islam : Six Lessons from the West’s Past
By : John M. Owen
Princeton : 2015
200 pages

هذا الكتاب يعد من المصادر التي تعكس مكونات الرؤية الغربية ، وخاصة في أوساط النخب اليمينية المثقفة ، للإسلام والمسلمين وطبيعة تشخيصهم لمشاكل الفوضى السياسية التي تعيشها منطقتنا في الوقت الراهن ( يتحدث المؤلف مستخدما عبارة العالم الاسلامي والعالم العربي تارة والشرق الأوسط تارة اخرى بشكل مترادف ) . مؤلفه أستاذ السياسة في جامعة فرجينيا الامريكية ويعتبر الكتاب رؤيا من زاوية جديدة لموضوعه .
يبتدأ الكتاب بمقولة للكاتب الامريكي المعروف مارك توين تقول :
History Doesn’t Repeat Itself , But It Does Rhyme
ومعناها ان التاريخ لايكرر نفسه ولكنه يُقَفّي ( يُسَجّعُ ) احداثه ، بمعنى انها تحدث بأشكال مختلفة ولكن خواتيمها ذات إيقاع متناغم . ومن هنا يبدأ الكتاب فيلاحظ ان مايحصل في الشرق الأوسط يذكر بالحروب الدينية التي قامت في عدد من دول شمال غرب أوروبا ( إسكتلندا ، فرنسا ، ألمانيا بضمنها هولندا Dutch ) في النصف الثاني من القرن السادس عشر ؛ في هذه البلدان قام البروتستانت الكالفنيون بمحاربة الملوك الكاثوليكيين وهنالك عدد من السمات التي طبعت هذه الحروب وهي :
١- تسييس الدين ، حيث اصبحت ديانة الملوك الكاثوليك او الديانة البروتستاتنية الثائرة بمثابة ايديولوجيات تقاس بموجبها مدى شرعية النظام الاجتماعي الطبقي القائم ببركات الكنيسة الكاثوليكية وكانت الديانة الجديدة بمثابة رفض لهذا النظام من خلال رفضها للكنيسة الكاثوليكية .
٢- التكفير ، وكان كلا طرفي النزاع ، الكاثوليك والبروتستانت ، يتبادلان الفتاوى بتكفير بعضهم وقام الكالفنيون بإحراق الأيقونات باعتبارها صنمية تنزع القدسية عن الرب .
٣- تعميم الصراع وانغماس أطراف عديدة فيه فقد اصبحت معظم الممالك الأوربية طرفا في الصراع وقدمت كل منها أشكالا متفاوتة من الدعم للطرف الذي تحالفت معه لاعتقاد الحكام ان نتائج الصراع قد تمس اوضاعهم وقد امتد ذلك الى الدولة العثمانية المسلمة التي دعمت البروتستانت ضد الهابسبورغ الكاثوليك خصومها الألداء في أوروبا .
ان العالم الاسلامي يمر في حالة مماثلة من الصراعات الأيديولوجية الداخلية وصلت حدود الفوضى الشاملة العابرة للحدود بشكل ارهاب ضرب في أماكن عديدة داخل العالم الاسلامي والشرق الأوسط وفي العالم ومنه أوروبا والولايات المتحدة . وقد لاحظ الباحثون ان احداث التاريخ الغربي تحدث بشكل متشابه من حيث الديناميات وصراع الايديولوجيات . فهل يمكن استخلاص الدروس منه لفهم مايحدث في العالم الاسلامي .
مر التاريخ الاوروبي بثلاث مراحل من الصراعات الأيديولوجية التي تتعلق بشرعية النظام السياسي – الاجتماعي .
الاولى هي مرحلة الصراع الكاثوليكي البروتستانتي ( ١٩٢٠- حوالى ١٦٩٠ ) والثانية هو الصراع بين الايديولوجيات الملكية والجمهورية وبدات حوالى ١٧٩٠ وامتدت لقرن من الزمن والثالثة بدات اوائل القرن العشرين بين الايديولوجيات الشيوعية والليبرالية والفاشية ؛ ان تاريخ هذه الصراعات في الغرب يظهر ان الصراعات الأيديولوجية الحالية في الشرق الأوسط وهي صراعات حول شرعية الأنظمة السياسية – الاجتماعية ليست فريدة من نوعها من حيث ضراوتها كما لايبدو انها قابلة للحل من نفسها . ان صراعات الشرق الأوسط الأيديولوجية تستمد وقودها المحرك من الصراعات في المنطقة وهي كما يبدو ستستمر لوقت طويل ويجدر بالذكر ان هذا النوع من الصراعات نادرا ماينتهي بنصر حاسم لاحد أطرافه وهي غالبا ماتتصاعد حتى النقطة التي اما ان تشهد عندها تطورا في مضامينها او تلتقي في لحظة ما مع خصمها وغالبا مايتم ذلك من خلال تدخل خارجي .
ان ابرز مظاهر الصراع في الشرق الأوسط هو الصراع الدائر بين الأيديولوجيتين الاسلامية والعلمانية ويدور جوهر الصراع حول ماهو مصدر التشريع أهو الشريعة ام العقل والتجربة ؟
لقد قدمت العلمانية مع التوغل الاوروبي في العالم الاسلامي الذي انتهى باندحار الدولة العثمانية اما الاسلاميون فهم يبنون موقفهم على أساس ان الانسان لايمكن ان يكون مسلما حقيقيا ويعيش في ظل قانون غير الشريعة ، بهذا بشر حسن البنّا في مصر ومثله فعل المودودي في الهند والخميني في ايران .
كانت العلمانية هي صاحبة اليد العليا في الشرق الأوسط حتى الستينات بعد ان بدأها اتاتورك في تركيا وسادت في أنحاء مختلفة من المنطقة بصيغة الناصرية ومقلديها ودخلت في حرب وكالة في اليمن ضد السعودية بعد قيام الجمهورية ، لكنها منيت بهزيمة كبيرة في حرب الأيام الستة في حزيران ١٩٦٧ .
الأجواء التي ألقت بظلالها جراء الهزيمة وفرت المناخ المناسب لكي يرتفع صوت الأيديولوجيا الاسلامية ممثلة بشعار الاخوان المسلمين” الاسلام هو الحل ” ، ولكن ينبغي ملاحظة ان هذه اليقظة الدينية الاسلامية تزامنت مع يقظة دينية على المستوى العالمي ، ارتفعت أصوات المتدينين اليهود والمسيحيين والهندوس وغيرهم ، لكن الأنظمة الديمقراطية اطّرت اليقظة المسيحية واليهودية . لقد انقسم العالم الاسلامي الى اتجاهين متطرفين علمانية اتاتورك الصارمة واسلامية سيد قطب اما عموم المسلمين فلم يكونوا علمانيين او اسلاميين خُلّصْ ؛ هنالك اتجاه جديد بدأ يظهر ان نسباً عاليةً من المسلمين يميلون الى ان تكون قوانينهم مستمدة من الشريعة . في ذات الوقت تظهر الدراسات ان كثُراً من المسلمين يعربون في ذات الوقت عن رغبتهم بالعيش في ظل أنظمة ديمقراطية ويعتقد ملايين المسلمين انه يمكن الجمع بين الاسلامية والديمقراطية . لكن هذه المواقف أفرزت خلافات جديدة ؛ تراجع العلمانيون عن مواقفهم ولم يعودوا سوى قلة ، لكن اصحاب التوجه الاسلامي ، الذي يبدو وكأنه الذي تسيد الموقف ، مختلفون حول مدى مايريدون من سطوة الدين على الحياة العامة ، وأي تفسير للدين ، بمعنى اي مذهب ، ينبغي ان يسود وما اذا كان العنف او الإصلاح هو السبيل الى الشريعة وهذا النوع من التشظي العقائدي هو بحد ذاته مصدر من مصادر الصراع .
لقد اصبحت المنطقة باكملها مصدر متاعب ومثار قلق للغرب وللولايات المتحدة من أفغانستان حيث الحرب مع طالبان مرورا بايران وبرنامجيها النووي والصاروخي وامتدادات نفوذها في المنطقة وحتى المملكة العربية السعودية المُصدّر الأكبر للنفط وذات التوجه الوهابي اضافة لفلسطين ومناطق عديدة من افريقيا وآسيا حيث تنشط حركات إسلامية متطرفة عديدة وما ينبغي ان يعيه الباحثون وصناع السياسة الغربيون ان الصراعات الاسلامية الداخلية هي في نهاية المطاف صراعات ذات طبيعة دينية -ايديولوجية وليست دينية صرفة وتاريخ الغرب حافل بهذا النوع من الصراعات الأيديولوجية .
مالذي يمكن تعلمه من الموجات الثلاث للصراع الايديولوجي في الغرب لفهم مايجري في العالم الاسلامي ؛ هنالك ستة دروس وهي .
١- عدم التقليل من قوة الأيديولوجيا الاسلامية التي يبدو انها تكسب على الارض وتهزم العلمانية في أقطار رئيسية ، لكن يجب تجاوز الخطا الذي وقع فيه الغربيون في السابق والمتمثل باعتقادهم ان أيديولوجياتهم التي يعتقدون انها صورة المستقبل قد انتصرت . هذا الاعتقاد اوحى بسياسات خاطئة في الماضي ؛ في مراحل عديدة خلال الحروب الدينية في أوروبا بدا وكان الأمور تتجه نحو نهاية الطريق ؛ في عام ١٥٥٥تم الإقرار من قبل الإمارات الألمانية ان لكل إمارة الحق باختيار ديانتها وفي عام ١٥٩٠ وعندما وضعت الحرب أوزارها بالاعتراف باستقلال الجمهورية البروتستانتينية الألمانية عن اسبانيا ظن الجميع آنذاك ان السلام النهائي قد حل وان الحرب انتهت ، لكنهم كانوا واهمين لان قضية الصراع حول شرعية الأنظمة وهي القضية التي أججت الحروب لم يتم حلها ثم مالبثت الصراعات ان تجددت بعد بضع سنوات ولم تنته فعلا الا بعد الإقرار النهائي بفصل الدين عن السياسة . وقد تجدد ذات الدرس في الثلاثينيات من القرن العشرين وأثناء الكساد الكبير ساد اعتقاد بين المثقفين على نطاق واسع ان الأنظمة ذات التخطيط المركزي ، مثل الاتحاد السوفيتي ، ذات اداء أفضل من الأنظمة الرأسمالية لكن التجربة اثبتت ان ذلك كان نوعا من قصر النظر اذ انتهت الأمور كما راينا بانهيار الأنظمة الشيوعية .هذه القصة تتكرر في الشرق الأوسط وما يبدو انتصارا للإسلام السياسي قد لايكون انتصارا دائما لان خصمه المهزوم لم يكن سوى أنظمة سلطوية وان ديمقراطية لبرالية حقيقية لم تتم تجربتها بعد ، لذا فما يبدو انتصارا للإسلام السياسي قد لايكون نهاية المطاف في صراع الشرعية .
٢-الاسلام ليس جسما واحدا او كتلة صلبة واحدة . جميع اتباع هذه الديانة يسود بينهم ذات الالتزام بالشريعة لكنهم أصناف شتى : شيعة وسنة ، معتدلون ومتطرفون ، وطنيون قوميون وأمميون وهذا طرح في الغرب حيرة من خلال التساؤل عمن يجدر بالولايات المتحدة والغرب عموما ان تتعامل معه او تدعمه ؛ هذا التنوع امر مالوف ومن الطبيعي ان يلجأ الخصوم الخارجين الى استثماره وفق مبدا ” فرق تسد ” رغم ان مثل هذه السياسة لم تخلو من ارتدادات سلبية .
مثل هذا التشظي في الأيديولوجيا الواحدة حصل في التاريخ الاوروپي فقد ابتدأت البروتستاتنية لوثرية ثم سرعان ما انقسمت الى فرق عدة حسب البلدان ثم ظهر التفسير الكالفني لها والغريب ان العداء الذي حل بينها تجاوز في شدته العداء الأساسي مع الكاثوليكية الذي هو مصدر ظهورها من الأساس ، ورغم ان سلالة هابسبرغ التي حكمت الامبراطورية الرومانية المقدسة حاولت الاستثمار في الخلاف الا ان الكالفنيون واللوثريين اجتمعوا في النهاية لمواجهة ال هابسبرغ في حرب الثلاثين سنة . ان فن التدخل الخارجي في النزاعات الدينية الأيديولوجية ينبغي ان يقدر بشكل صحيح مدى الاستعداد لدى المذاهب المتصارعة للحصانة ضد التطرّف وكيفية الاستثمار في ذلك ؛ من نماذج الاستثمار الناجح في ذلك مافعله الرئيس ترومان بعد الحرب العالمية الثانية اذ قدّر ان الشيوعيين والاشتراكيين يمثلون جبهة واحدة في إيطاليا لذلك قرر دعم الديمقراطيين المسيحيين للاستفادة من مشروع مارشال لإعادة إعمار اوروپا وقد قدم لهم الدعم للفوز في الانتخابات عام ١٩٤٨ ، لكن ترومان نفسه رأى ان الحالة في فرنسا تأخذ شكلاً مختلفاً لذلك دعم الاشتراكيين الذين حولوا فرنسا الى حليف قوي لامريكا .
٣- ان التدخلات الخارجية ، المعلنة والسرية ، هي سمة من سمات الصراعات العقائدية طويلة الامد ؛ ان الصراع في العالم الاسلامي بين العلمانيين والإسلاميين هو واحد من الصراعات التي شهدت تدخلات خارجية عديدة وصلت حد التدخل العسكري وهي تدخلات استدعت الكثير من النقد . لقد اعتبر الكثيرون ان الحملات العسكرية الامريكية في أفغانستان والعراق لم تكن تدل على مهارة في إلادارة الدولية ، لكن هؤلاء النقاد يتجاهلون حقيقة ان التدخلات الخارجية في النزاعات العقائدية هو جزء اصيل من اللعبة الدولية وان اكثر من ٢٠٠ حملة تدخل اجنبي في صراعات مماثلة قد تمت خلال القرون الخمسة الاخيرة وأغلبها تم على خلفية نزاعات جوهرها ” أزمة الشرعية وعلى نطاق إقليمي ” على غرار الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط ؛ يعود السبب الداعي لمثل هذه التدخلات الى ان عمق الصراعات الأيديولوجية تصل احيانا الى خلق شروخ وانقسامات اجتماعية بحيث يصبح الناس اكثر ولاءا للاجنبي الذي يشترك معهم في العقيدة مما هم عليه من ولاء لشركائهم في الوطن . هذه التدخلات تمنح الفرقاء المتصارعين فرصة التفوق على خصومهم كما ان القوى التي تقوم بالتدخل تجد في ذلك فرصة للتخلص من أعداء وكسب أصدقاء .
ان التدخل الأجنبي لايتم في هذه الحالات على خلفية اعتبارات عقائدية خالصة او مصالح خاصة وإنما يتم على خلفية مزيج من الاثنين ان الصراعات العقائدية الحالية في الشرق الأوسط بين فرقاء طائفيين مختلفين كما هي الحال في سوريا والبحرين والتدخلات الايرانية والسعودية إنما تتم بناءاً على مزيج من المصالح والتنافس الاقليمي حول النفوذ اضافة للاعتبارات العقائدية وان المشكلة في صراعات كهذه انها قد تقود الى خيارات متطرفة وقد تدمر النظام الاقليمي برمته .
٤- ان الأنظمة المنغمسة في صراعات ايديولوجية قد تظهر احيانا بعض العقلانية في خياراتها السياسية ان هدف اي نظام ايديولوجي هو احداث تغييرات ايديولوجية في النظام الاقليمي وإحلال نظام ذو طبيعة ايديولوجية مناسبة ومن اجل تحقيق ذلك قد تعمد الأنظمة هذه الى استخدام وسائل ذات طبيعة عقلانية لتحقيق أهدافها وذلك عندما تدرك ان السياسات العدوانية قد تكون مكلفة ولذلك تلجأ الى سياسات الموازنة بين الكلفة والمكسب ووفقا لاعتبارات منطق الجيوبوليتيك التقليدية .
خلال الحروب الدينية الأوروپية قامت الإمارة الألمانية البروتستاتنية الرئيسية بإقامة تحالف بروتستانتي من اجل دحر الكاثوليكية التي تتبناها الامبراطورية الرومانية المقدسة بقيادة ال هابسبرغ وقد قامت بإرسال قواتها في عدة مناسبات الى فرنسا وهولندا لمساعدة حلفائها العقائديين وقد جوبه هذا التحالف بمقاومة كاثوليكية طوال القرن السادس عشر ؛ استدعى الثوار البروتستانت الكالفنيون في بوهيميا وهم من رعايا ال هابسبرغ الكاثوليك الامير الألماني فريدريك الخامس لإزاحة النفوذ الكاثوليكي لمبايعته ملكاً عليهم ، وقد فعل لكن بقية بروتستانت اوروپا وقد ادركوا حينها ان ذلك سيؤدي الى رد حازم من جانب ال هابسبرغ امتنعوا عن مد يد العون له وقد تمكنت القوى الكاثوليكية من سحقه في بوهيميا ثم توجهت الى إمارته لسحقها أيضاً .
٥- الصراعات العقائدية تنتهي بواحد من ثلاثة أشكال : اما انتصار حاسم لأحدها او تجاوز موضوع الصراع برمته او التوصل الى صيغة عقائدية هجينة تجمع بين الأطراف العقائدية المتصارعة بصورة كانت تبدو مستحيلة في وقت سابق لها .
ان السيناريو الاول يبدو مستبعدا في الشرق الأوسط حالياً ؛ وآخذا بالاعتبار ان الاسلام ليس كتلة متجانسة ولذلك يبدو ان أنتصاراً حاسماً باسم اسلام موحد امر مستبعد ، ولذلك يبدو ان السيناريوهان الثاني والثالث هما الأكثر ترجيحاً للتحقق .
في التجربة الأوروپية نجد ان امكانية تجاوز الصراعات العقائدية واعتبارها موضوعات خارج الصدد قد حصلت بالفعل ؛ لقد بقي البروتستانت والكاثوليك على عقائدهم الدينية لكنهم خرجوا من دائرة الصراعات الصفرية التي تفرضها الصراعات العقائدية وبمرور الوقت توصلوا الى صيغة فصل الدين عن السياسة ؛ ان تطوراً مماثلاً في الشرق الأوسط يستدعي من كل من النخب والعامة ان يتوقفوا عن اعتبار مرجعية الشريعة في صناعة القوانين قضية حياة او موت ، لكن ذلك يبدو مستبعدا في الزمن المنظور . لكن التجربة الأوروپية تفيد بإمكان حصول السيناريو الثالث ؛ لقد بدات في وقت ما امكانية لقاء بين العقائد المتصارعة من خلال الاستعارة المتبادلة للأفكار والمؤسسات ، ففي الفترة من حوالى ١٧٧٠ ولغاية الخمسينات من القرن التاسع عشر كانت اوروپا منقسمة على نفسها بين الملكيين والجمهوريين وبين مبدأي وراثة السلطة او انتخابها غير ان صيغة جديدة ظهرت في الدول الملكية خاصة ، وتحت تأثير الطبقات الوسطى ، من خلال اعتماد مبدا لبرالي – محافظ تمثل في البرلمانات المنتخبة الى جانب الملك والتي انتشرت في معظم الملكيات .
٦- ان التجربة الأوروپية تشير الى ان انتصار نموذج عقائدي معين يعتمد الى حد كبير على وجود دولة قوية تمثل نموذجا ناجحاً له . لقد كان انتصار اللبرالية المحافظة مديناً الى حد كبير للنموذج الذي قدمته بريطانيا باعتمادها الملكية الدستورية مترافقا مع نموذجه المتمثل في قوة كبرى ذات اقتصاد كبير ونظام اجتماعي مستقر .
لقد ظهرت في العالم الاسلامي نماذج للنظام الهجين مؤخراً رغم ان علماء السياسة كانوا يعتقدون باستحالة المزاوجة بين الاسلام والديمقراطية . ان تجربة حزب النهضة في تونس جديرة بالاعتبار لكن تونس بلد صغير اما في مصر فقد انتهت تجربة الإسلاميين مع الديمقراطية بانقلاب عسكري ولكن مصر قادرة على ان تكون نموذجا لو تكررت فيها التجربة الديمقراطية بحكم وزنها كدولة ؛ من الوقائع المتاحة على الارض يبدو ان الكثير في المنطقة يعتمد على تجربتي كل من تركيا وإيران .
ان ايران تمثل الاتجاه الديني الصرف وهي تمتلك نظاماً انتخابياً شبه تنافسي لكن السلطة العليا هي بين يدي المرشد الديني الأعلى . ان مشكلة النموذج الايراني تكمن في اشكاليات السياسة الاقليمية التي اساءت للاغلبية السنية في المنطقة من خلال دعم نظام الأسد في سوريا وموقفها من الربيع العربي اضافة الى تضرر صورتها بفعل الشبهات التي سادت انتخابات الرئاسة لعام ٢٠٠٩ . باختصار فان ايران تقدم نموذجا مثيرا للجدل بالنسبة للعقائدية الاسلامية .
تقدم تركيا قصة اخرى . ان الدولة هي دولة علمانية من حيث المبدأ ، لكنها تحولت الى نموذج النظام العلماني – الاسلامي الهجين ؛ لقد جرت في البلاد عدة انتخابات تنافسية وقد تكرر فوز حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب اردوغان ، وهي تلعب الان دور الطليعة الديمقراطية في العالم الاسلامي . لقد حازت تركيا على شعبية جيدة خلال الربيع العربي وهي في تزايد منذ ذلك الحين . لكن ينبغي ايضا ان ناخذ بالاعتبار الميول السلطوية لأردوغان الذي قد يحول التجربة الى نموذج أوتوقراطي .
ان عدم الاستقرار والقمع والارهاب والثورات والتدخلات الأجنبية والتوترات الدولية في منطقة الشرق الأوسط تظهر أمامنا وكانها كتلة متلازمة من المشاكل وذات تأثير متبادل فيما بينها ، لكن البعض من المحللين يعتقدون ان الأيديولوجيا لاتفسر وحدها هذا الوضع المعقد وظهور التوجهات المعادية للغرب والولايات المتحدة ؛ ان بعض أشكال العنف والارهاب هي ظواهر مستوردة وان العمليات الإرهابية الانتحارية هي اختراع هندوسي تم على يد نمور التاميل في سري لانكا وان من الإجحاف إلصاقها بالايديولوجيا الاسلامية ، وهنالك دراسات أكاديمية عديدة تؤكد ان ظهور هذه المشاكل قد تم بعد الغزو الامريكي لافغانستان والعراق ؛ هنالك اخرون يعتقدون ان الحرمان الذي تعاني منه شعوب المنطقة هو العامل الأساس الذي يولد هذا الوضع العنفي المتشابك والمتعدد الأشكال ، وقد اظهر تقرير التنمية البشرية الصادر عن الامم المتحدة الخاص بالعالم العربي والصادر عام ٢٠٠٢ يؤكد هذه الخلاصة ؛ ان حالة الفاقة الاقتصادية في العالم العربي هي الأعلى عالمياً كما ان فقدان الامن في ظل حكومات متسلطة وفي ظل الاحتلالات الأجنبية ، كلها عوامل كافية لخلق مثل هذا الوضع العنفي المضطرب ؛ يعتقد المؤلف ان ذلك صحيح جزئياً لكنه قد يسبب ظهور واحدة او اثنتين من المشكلات لكن ظهور كل المشاكل المشار اليها دفعة واحدة وفي نطاق إقليمي محدد يشير الى أزمة معايير حول الشرعية وهي من سمات الصراعات الأيديولوجية .
يختتم المؤلف بالإعراب عن قناعته ان الولايات المتحدة قادرة ، وعلى المدى البعيد ، على تشجيع قيام حكومات مستقرة من خلال رعاية ودعم الأطراف التي تجسد النموذج المعتدل للحكومات وليس من الضروري ان يكون هذا النموذج علمانياً خالصاً لكن ذلك رهن في نهاية الامر بارادة الأطراف المعنية مباشرة ، كما ان الولايات المتحدة ملزمة في ذات الوقت بحماية مصالحها وهو ما يتطلب في ظروف معينة استخدام القوة العسكرية .
وفي خلاصة اخيرة يذكر المؤلف ان الدولة العثمانية وقد كانت القوة العالمية العظمى خلال القرن السادس عشر وقفت عاجزة ازاء النزاعات الدينية الأوروپية وانه ما من قوة خارجية قادرة على احلال السلام في الشرق الأوسط وان ” المسلمين وحدهم قادرون على حل حربهم العقائدية” ( انتهى التلخيص )
ملاحظة :
لا اعرف ان كنت قادرًا على إيصال أفكار المؤلف بشكل مناسب في مقالة تختصر حوالي ٢٠٠ صفحة حافلة بالتفاصيل والمعطيات التفصيلية ويكفي ان تكون الفكرة العامة قد فُهمت على وجهها الصحيح .
لن اعلق على أفكار المؤلف واترك ذلك للقراء وربما يكون بداية لحوار مفيد باستثناء نقطة صغيرة واحدة تتعلق بالملاحظة الاخيرة والتي مفادها انه ما من احد يستطيع حل مشاكل الصراعات في العالم الاسلامي غير المسلمين أنفسهم وأقول فقط ان هذا صحيح تماما ومثله صحيح أيضاً ان التدخل السلبي وأحيانا التآمري من قبل القوى الخارجية يفاقم الصراعات بل قد يشعل صراعات لم تكن قائمة أصلاً والعراق بعد الغزو الامريكي دليل على ذلك ،،،،

المقال السابقدافنيه سوه
المقال التالىأنيستي الغريبة يا آسرتي يا مهيبة …
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد