اللعنة تلاحق “الشروكية” في عقر دارهم


 
اللعنة تلاحق

مع تفشي الكثير من الظواهر المدمرة والغريبة في المجتمع العراقي في العقد الأخير، والتي ليس من السهل إحصائها ..ولكني أرى أن من أخطر هذه الظواهر التي راحت تنخر عميقا في نسيج وروح وذاكرة العراقيين .. هي الخروج من رحابة الهوية الوطنية والهجرة المعاكسة إلى الطائفة والعشيرة والمدينة بل إلى مناطق مختلفة من المدينة …واذا كان السبب الاهم في هذه الهجرة المعاكسة هم أغلب السياسيين الذين يتحكمون بالراهن العراقي ، لأسباب شخصية محضة أهمها الاستيلاء على السلطة والمال والنفوذ…وذلك عبر تشغيل أسوء ما في الطائفي والقومي والديني لذا نرى ان بعض المواطنين انساقوا لهذه الدوغما المدمرة والخبيثة …وبدلا من أن يلقوا اللوم على الحكومات المتعاقبة لما أنتجت من فرقة و فوضى واهمال وخرابات وسحب كل فرص الحياة من الاهوار والمناطق الزراعية …راح بعضهم يلقي اللوم على من هاجر من الريف الى المدينة ..سواء قبل نحو قرن او قبل سنوات….ويوعزون كل التخلف والأمراض الاجتماعية والنزاعات القبلية والعائلية والتنافس على الوظائف على هؤلاء …وكأنهم جيوش من الهنود او البنغاليين جاءت للعمل
في العراق، فبين فترة وأخرى نسمع أو نقرأ أصوات نشاز تدعوا إلى تكريس الفرقة والانقسام في المجتمع العراقي في تمظهر مفزع ومخيف لإضافة جرح جديد في هذا الجسد الذي أصبح مشروعا مغريا للانتهاك والتمزيق والطعنات والذي يسعى الكثيرون للتفنن في إيذائه أو على الأقل الإيغال في تعميق جراحه …فبعد أن خلصنا إلى حد ما من جدلية (الشروكية والبغداديين) …وهي التي كان يتندر به العراقيون ويسخرون منها بعد أن أنتجوا مفردة مركبة اختزلوها ب(شين كيوبيك) ..طبعا هذا الجدلية ليست من صنع أو أنتاج الناس بل من انتاج السلطة الغاشمة وزمر تسعى الى تفتيت المجتمع العراقي عبر مفاهيم الفوقية والشعور بالاستعلاء لدى البعض مقابل وصف الطبقة أو الشرائح الأوسع من المجتمع العراقي بالدونية والانحطاط للحد بنفي أصولهم الحقيقة عنهم.. ودفع الناس هذه الفاتورة ضمن الفاتورة الشاملة من القمع والانتهاك والاستبداد وتغييب كل شيء وبرحيل النظام السابق .. سقط هذا التوصيف أو انحسر الى حد ما …غير أن جدليات جديدة برزت، مرة أنتجها السياسيون الذي يشقون مستقبلهم المظلم على حساب وحدة العراق وسلامة نسيجه الاجتماعي ووحدة أراضيه، برزت جدلية الحضري والمعيدي أو (اهل الهور ..واهل المدن) وهي جدليات مراوغة وخبيثة وهي بمثابة استبدال للمفردات القديمة بحلة جديدة والتي تعني لمن يملك القليل من الذكاء سكان الجنوب.. او الذين نزحوا من اهوار الجنوب الى المدن على وجه التحديد ..والمتتبع لمن يشيعون هذه الرؤى العنصرية السوداوية هم من المتشبعين بالفكر الشوفيني العنصري الاستعلائي …والدليل على ذلك هو كلما ضيق الإرهاب والامبريالية والأجندات الخارجية الخناق على العراق كلما ارتفعت هذه الأصوات..والمضحك المبكي أن هؤلاء المتشدقين بنقائهم الموهوم وصفاء أصولهم او كما يسمي البعض اهل مكة ب(اللقاحيين) ، لارتبك الأمر عليهم ربما… أو استجابة لأصداء خبيثة بداخلهم ..فهم يحملون الفشل الذريع للحكومات المتعاقبة في كل مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى في مجال القبح العمراني وغياب الجمال عن المدن وانتشار النفايات وغبرها إلى هؤلاء المساكين، وطبعا أنا واحد منهم ..ومن هؤلاء النبلاء وسليلي المجد الكثير من الصحفيين والكتاب والمثقفين الذي يعرفهم اغلب العراقيين جيدا…ولجبنهم وانبطاحهم كما هو شائع في هذه الأيام..وعدم قدرتهم على مقارعة الحكومة والوقوف بوجهها (فقد رسخ الخوف في نفوسهم منذ عصور وأصبح طبيعتهم الناجزة ) بسبب ماضيهم الغير ابيض قطعا يتهمون الشروكية سابقا بكل هذا ..والآن أهل الهور ..الذين زحفوا عليهم كالجراد وخربوا مدنهم وشوهوها وجلبوا معهم العنف والعشائرية والتخلف والازبال وقطعان الخراف وكل المصائب كما يقولون وكذلك استولوا على وظائف لا يستحقونها…. مع العلم ان مسؤولين من سكان المدن الأصليين وفق تقسيماتهم مسكوا زمام المسؤولية وفشلوا كفشل “الوافدين”، .. ولا يفسرون بأن الخطأ هو خطأ بنيوي أساسه طبيعة النظام الذي اشتعل ويشتغل وفق مبدأ المحاصصة البغيضة كما يقولون الخ ..ويرون أن بعد أن كانت مدنهم مدن فاضلة …جميلة هندسة وعمرانا وخلقا وأخلاقا …ليس فيها قتل ولا عدوان ولا قبح ولا خراب بل كانت مهبطا لأسراب الملائكة .. ولكن هؤلاء جاءوا ليقلبوا عليهم مدنهم ويخربوا كل شيء..ومع إقرارنا واعترافنا بان بعض هذا الكلام صحيح الى حد ما ..ولكن هذا المسببات ليست حكرا على الوافدين كما يدعون وليست الحكومات المتعاقبة بريئة من هذا بل هي التي خلقت وشجعت هذه الظواهر بل ودفعت الناس لها دفعا بسبب إهمالها وفسادها وعدم قدرتها على إدارة البلد ولا تطمين حاجات الناس، اذ أن أغلب هؤلاء غادر ارضه بسبب انحسار الزراعة واختفاء المساحات الخضراء لنقص المياه وعدم اهتمام الحكومة بل واختفاء كل فرص الحياة… وأكثر الأدلة وضوحا هي الخدمات وفي مقدمتها الكهرباء… وهنا في البصرة يدور ذات الحديث وبشكل ملح وبأصوات أكثر قبحا ونشوزا …وهو حديث ملغوم جدا وإشكالي إلى حد كبير ولا يغير شيئا من واقع شكلته حراكات وصراعات وحكومات وإرادات مختلفة …وكم كان بودنا أن لا يفتح مثل هذا الحديث ..لأنه حقيقة من الأحاديث المحرجة والتي تعيد الذاكرة العراقية الى الوراء ..فأما أن يكون الحديث وفق سياقاته الموضوعية والوطنية والمعرفية والحضارية أو أن تكون عدم أثارته هي الأجدى…وفي الحديث عن البصرة يجدر القول أولا أن البصرة مدينة وكل مدينة بطبعها كوسموبلوتية اي هجينة..وتتشكل دائما بحركة المجتمع الدائبة دخولا وخروجا… وليس ثمة مدينة أصيلة يذكرها التاريخ الإنساني الطويل .. من روما وحتى المدن الفضائية ..أي أن طبيعتها كمدينة هي مفتوحة للجميع ..وعكس هذا هي ستكون مجرد قرية …وهذا لا ينطبق على البصرة تاريخيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا … فهي اهم المدن العراقية وأرسخها وأكثرها جذبا وانجذابا…وثانيا إزاء هذه الطروحات النافرة الغريبة والتذمر السودواوي والعواء الذي لا مبرر له… لدى الكثيرين ممن يعتقدون أنهم (بصريو البصرة) وغيرهم هم من المنتهكين والوافدين والغازين و”لصوص الاهوار” ……وهنا يجوز التساؤل من هو البصري فعلا …؟ مع التفكير بأنها… أي البصرة هي جزء من العراق…؟ هل القادمون من نجد والإحساء والبحرين ونجد والذين عبروا من الجانب الإيراني والذين قطعوا البحار من افريقيا، وهم معرفون بعشائرهم ومناطق نزوحهم وسكنهم .. هم البصريون الأصليون..؟ مع اعتراضي الشديد على (الأصليون). أو ما يطلق عليهم تعسفا وتعصبا وتزويرا (بصريو البصرة) ام القادمون من الناصرية وميسان والسماوة وشمال البصرة….؟ ومن الأكثر بصرية ارتباطا بعراقيته طبعا …؟ ان هذا المفصل العنصري جدا والمتخلف جدا …لا احد يملك الإجابة الصحيحة والدقيقة عليه…عموما أما أن يكون الحديث في هذا الجانب دقيقا وتفصيليا ووافيا وضمن مصادر معروفة.. أو أن الصمت هو الموقف الأصح والأكثر وطنية ونبلا لأسباب معروفة وهي تمسكا بالوحدة والنسيج العراقي…. ان الذي يمنح المدن هويتها كمدينة..؟ – هي الهجرات والانجذاب إليها باعتبارها محطات اجتماعية وثقافية واقتصادية ينتجها تلاقح الأفراد والأمكنة والحضارات،….. بتعبير موجز ينتجها التنوع والانفتاح لا التعصب والانغلاق …وبعكسها ستكون الحاضرة (سلفا) ومضارب قبائل وعشائر وقرى تجوب فيها الخيول والبعران.. وأصحابها من القرى والقبائل …فكفونا يرحمكم الله ..واقلعوا عن هذا التردي والسقوط في خانات التعصب ودهاليز العنصرية الذي هو ضار وغير المسؤول بل عدواني وعنصري ورجعي والخ من التوصيفات غير السارة ….كما لا تنسوا خطورة وحساسية المرحلة التي نعيشها …ففي الحين الذي تتباكون فيه على وحدة العراق وضياعه وفق اجندات سياسية ومذهبية ..ها انتم تعرضون البصرة في ذات المزاد البائس وتقسمون البصرة إلى أصليين وغير أصليين ..ونبلاء وشحاذين …وقتلة ومقتولين وتتغافلون أن أصدقائنا الذين هاجروا بسبب القمع والاستبداد وهم في اغلبهم من اليساريين..قد أعطتهم الحكومات الامبريالية في ظرف سنتين او ثلاث (الجناسي)…ليست البصرة جزيرة احد أباكم او أجدادكم ولا مقاطعة منحكم اياها الله ..كان العرب وقبل تمصيرها يسموها ارض الهند …ارجعوا إلى الجاحظ في الحيوان فهو يقول أن البصرة مدينة الجميع ففيها الاسود والابيض والاحمر والهندوسي والبوذي وحتى اكلة لحوم البشر هذا في القرن الهجري الأول فكيف وبعد 14 قرنا …هم حرسوا سواتركم وبنوا بيوتكم وجلبوا لكم حليبكم وقيمركم وحنطتكم وأرزكم وكتبوا قصائدكم واعتلوا قبلكم المشانق وسكنوا السجون والمعتقلات هم عضدكم وازركم وظهيركم الذي يقف قبلكم… فلا تاخذكم لعبة الشعور بالتفوق والطمأنينة لا نقسكم…. ولا تكونو كمثل من (اغتاض على زوجته فخصى نفسه) …هذا لو كانت ادعاءاتكم مؤكدة بأنكم بصريون حقا ..وأؤكد ثانية بأنكم لا تملكون شيحا لدليل…كلمة أخيرة اقولها أن تشظي الهويات هو بداية لموت وطن …فتذكروا هذا.

لا تعليقات

اترك رد