على شاطيء النهر


 
على شاطيء النهر
لوحة للفنانة فهيمة فناح

في قريّة لا تبعد كثيراً عن مدينة كربلاء، وكما في العديد من قصص الحبّ الريفيّة، تواشجت خيوط العشق بين حسن وفهيمة منذ كانا صغيرين.
كثيراً ما كانا يبتعدان عن بقيّة الأطفال ويختفيان في البساتين، يتراكضان بين أشجار النخيل ويجمعان الأزهار والثمار.
في نهار صيفيّ قائظ، آن تخلو دروب القريّة من المارّة، كان حسن ينتظر فهيمة كعادتهما في ظل شجرتهما المفضلّة على الضفّة البعيدة للنهر المتعرج الذي يمرّ قريباً من القريّة. منذ حوالي الساعة وهو يصغي إلى أغانٍ ريفيّة قديمة بالكاد تثسمع من المقهى الوحيدعلى الضفّة الأخرى الأقرب للقريّة. ويرسم خطوطاً وأشكالاً مختلفة في التراب بغصن يابس.
تنفس الصعداء حين رآها قادمة من بعيد، تسرع الخطى وتتلّفت حولها.شعشع الفرح في عينيه وسرى دفء مألوف في أوصاله. تخيّل نفسه ذا جناحين كبيرين يطير بهما إليها. لم يعد يحتمل الانتظار بضع دقائق أخرى. نهض وهرول نحوها صائحاً:”تأخرتِ كالعادة، تأخرتِ كالعادة.”
“لم أستطع التخلّص من جدّتي،” قالت لاهثةً. “لقد بدأت تسألني الكثير من الأسئلة الغريبة، تراقب تحركاتي وأوقات دخولي وخروجي…”
“هل تشّك في شيء؟”سألها.
“لا أدري. ربما تَحسّ بشيء” قالت متنهدة.
حسن ليس غريباً. إنه قريب عائلة فهيمة من جهة أمها. كما أنه صديق أحمد، أخيها الأكبر.
يزور حسن صديقه بين الحين والآخر ويحاول جاهداً أن يخفي حبّه لفهيمة. لا يلتفت إليها حين يسمع صوتها، ولا ينظر في عينيها مباشرة. لطالما خاف أن تُفلت منه نظرة أو كلمة تفضح كلّ شيء.
حين عادت فهيمة إلى البيت بعد ساعتين، بادرتها جدّتها بالسؤال المعتاد:”لماذا تأخرتِ؟ أين أختكِ نوره؟”
“أنهيتُ عملي في البستان قبلها، فسارعتُ إلى البيت لأساعد أمي في الطبخ،” قالت بآلية مَن حضّر أجوبته من قبل وكررها في نفسه مرّاتٍ عديدة.
كلاهما يعرف أن الجدّة لا تنخدع بأجوبةٍ كهذه، لكن كليهما لا يجرؤ على قول ذلك صراحة”. أدارت فهيمة قرص المذياع واستقرّت على أغنيّة وحيدة خليل” أنا وخلّي”. كانت الأغنيّة في منتصفها، لكن فهيمة تعرف كلماتها عن ظهر قلب. غنّت مع المذياع بصوت خفيض وهي تراقب من طرف عينها جدّتها التي كانت قد جلست على الأرض بجوار النافذة.
سرحتْ الجدّة بذاكرتها إلى ماضٍ بعيد. تذكرّتْ كيف كانت تصل لاهثة إلى ضفة النهر البعيدة، حيث ينتظرها حسنها في ظل شجرتهما المفضلّة وهو يغني “على شاطي النهر جينا وغدينا/ أنا وخلّي تسامرنا وحجينا,”
“لي ذكريات جميلة مع هذه الأغنية،” قالت الجدّة بعد حين. دون أن تنتبه أن الأغنيّة كانت قد انتهت وبدأت أغنية أخرى.
لم تجرؤ فهيمة على سؤالها عن المزيد من التفاصيل. خافت أن تفضح الأسئلة قصتها هي. خطت بضع خطوات باتجاه الباب وقبلّت أخاها الصغير بشدّة على وجنتيه، ثم توجهت إلى المطبخ لتساعد أمها في إعداد العشاء.

لا تعليقات

اترك رد