ظل الشكل هو الجمال – ج١

 
ظل الشكل هو الجمال الجزء الأول

” الفن يكمن في الحذف ”
روبرت لويس استيفن

يعد مصطلح التَّحَوُّل (‪transform‬ ) أحد أدوات النظرية البنائية (‪Constructivist theory‬ ) في الاستبدالات الحاصلة في المعنى. وبالطبع ليس المعنى متحولًا، فقط، دونَ الشكل (‪shape‬)، لكن حين يدخل ضمن سياق (‪Context‬) جمالي، ستتعرّض المعاني والمفاهيم لتَغيُّرٍ جذريّ؛ كما أن هنالك تحولات شكلية ( تركيبية ) على مستوى التكنيك، تولِّد معانيَ قد تكون عميقة في الكثير من الأحيان، وهو ما تشهده الساحة الفنية المعاصرة. لست، في معرِض حديثي هذا، أن أؤَصِّل مصطلح ( التحول )، أو أنْ أسلّط الضوء على مقاربات الحداثة، بقدر ما ألزِم نفسي بضابط بحثيّ لنقد ظاهرة الأشكال الجمالية المعاصرة، لأننا بصدد انتقالات وصدمات حقيقية تقع على المشاهد ذي النّزعة الفنية، أوغيره مِمَّن ليس لديهم ذلك الاهتمام. سنلاحظ أنَّ الفنَّ الجديد يُلامِسُ الجميع، سواء أكان الأمر برغبة أم بنحو عَرَضِيّ.

عاش الفن طوال مسيرته عبر تحوّلات هائلة؛ في المفهوم والمادة، منذ ولادته وإلى اليوم، وهذا ما نراه في المدارس الجمالية على مر التأريخ ، لكن اليوم ما نلبث أن نشاهد شكلا صادمًا حتى نرتعب من شكل آخر، في الوقت ذاته. أمّا في السابق فكانت المدارس الفنية أشبه بموضة العصر، ثم يبدأ بصيص التمرد، فإعلان الحرب، حتى يبدأ المُمَيّز من ذلك الفنّ بجذب الجمهور والمحبين وإقناعهم بأفكاره التي سوف تغير مجرى التأريخ المعرفي الاستاطيقي ، ثم يبدأ التحول رويدًا رويدًا، لِتتنفس المدارس القديمة الجديدة مِن هذا التحوّل. وهذه أول مَزِيّة تختص بها المدارس القديمة عن الجديدة بسرعة توالد الأشكال الفنية. وأودّ، هنا، أنْ أنوِّه بأنّ المجال الفني لا يتمثل بالقطيعة المعرفية ولا بالزمان والمكان، بل هو ولادة أبدية، ولِأسْتَعِرْ عبارة “يمرض ولا يموت” بصيغة أخرى: كل فلسفة ( جماليّة ) لن يستطيع أحد أن يحرمنا من أي أشكال، لها، أو تجارب، أو يضع لها نهايات. للآن نلاحظ أنَّ هناك أنصارًا للمدرسة الكلاسيكية، وما بعدها؛ مِمّا يُعْرَف بالكلاسيكية الجديدة، أو المدارس السوريالية. في اللحظة الراهنة نجد من يسير على خطى المدرسة الدادائيّة، وغيرها من المدارس التي أرست مفاهيمها منذ آمادٍ تكاد تكون بعيدة، وهو ما يقف بالضد مع العلم؛ حيثُ النظريات العلمية في حالة إلغاء دائم لتأريخها، ما بين الجديد وما بين القديم، وحيثُ السَّمَكَة العلمية الكبيرة تلتهم الصغيرة، لتلغي تأريخًا كاملا من المعرفة. لعلّي أسوق، هنا، مثالا عن الهاتف الأرضي والخلوي، فكلاهما يتشارك في التعريف ذاته، في أيصال الصوت من شخص لآخر، لكنهما يختلفان، جذريًّا، في الممارسة والتطبيق. لا يمكن، اليومَ، استخدام الهواتف الأرضيّة، لكن لفترة بسيطة تم الاحتفاء بمعرض فنيّ يمثل الأشكال المرسومة على غرار رسوم الكهوف لما تمثله من عذرية المفاهيم وسحرها.

وهكذا نخلص بأننا اليوم لا نملك فُسحة تأملية، التي هي الشق الثاني من الأهداف المتحقّقة في الفن : الفن للفن، والأول منها هو الفن للمجتمع، هذان المفهومان سيسقطان. في التّوجُّه الجديد، لا وجود لحدود فاصلة ما بين الفن والمجتمع، أو الفن المتقوقع على ذاته، لا وجود لتلك النقاوة او الفطرية، لا وجود للكمال، بل الفن هو المحذوف كما ورد في عبارة ستيفنسن

هل صحيح بأننا فقدنا التأمُّل ؟ هل تحولت تلك الذائقة وتمددت نحو استطرادات فكرية وثقافية؟ هل تشظّى الفن لدرجة أنّ ذلك الجزء المتشظي سيكون صاحب الأصل، والأصول هوامش؟ هذه الأسئلة وغيرها سوف نجيب عنها في مراحل قادمة، من تلك السلسلة من المباحث النقدية

وعَوْد على بدء، في اختيار العنوان وما قد يثير من تساؤلات عن كيفيّة أنْ يكون ظل الشكل الفني جمالا ؟ لتكون الإجابة بأن الفن اليوم وُسِم بخاصيتين هما الابتكار، سواء أكان ذلك على صعيد المادة المتشكلة، أم على صعيد المفاهيم المنفلتة، وهوما يحمل الفنان على وضع كلّ تجاربه على المحك، بمعنى آخر إن عملية الفنون اليوم تتجه نحو المشاهد لا بكونه ذلك الكائن المتأمل ، بل بكونه واحدًا من عناصر العمل ومكملا له بوضعه في مأزق يكاد لا يُحسد عليه، كما في إحدى المعارض الفنية التي عرضت أشكالها متمثلة بمرآة مختلفة الأنماط ( مقعَّرة ومحدّبة وما بينهما، وملونة) ليرى المتلقي نفسه بأوضاع مختلفة مغايرة، أو مضحكة، أو مشوَّهة، ثم يُكتب على لافتة معلقة في نهاية العرض ( شكرًا لمساهمتك بلوحات المعرض) . حيث ظلال المعرض المتمثل بالمتلقي هي المادة وخامة الفنان، أو كومة أزبال تنتشر في قاعة العرض تتكون من ظلالها أشكال فنية بامتياز ؛ وغيرها الكثير من الفنون حتى الوظيفية منها كالعمارة التي تتشارك في إيقاع المتلقي بمفخخة أشكالها المبتكرة .

قد أبالغ حينما أقول إنّ المتجاور( ‪adjacent‬) الفني والتثاقُف ‪Acculturation‬) الحاصل، جعل الظاهرة، اليوم، تأخذ منحنيات مغايرة لما بدأت به الفنون عامة والتي تخاطب الوجدان البشري تارة أو توثق أهم اللحظات في سفر البشرية تارة أخرى. سنسلط الضوء على تلك الأشكال المتحولة التي سوف تُوقِع المتلقي بشركها، كأنه داخل برنامج الكاميرا الخفية حيث (المأزق) لتعمل على استفزازه بدلًا من توفير جو جمالي له، أو إنها سوف تعمل على انعدام استقرار المشاهد بالرغم من أحد أهم مرتكزات الجمالية، وهو توفير الاستقرار النفسي، لتتحول الأشكال اليوم ضارِبةً جميع القوانين الطبيعية منها وغير الطبيعية، سواء أ كان ذلك على صعيد الخامة، أم التقنية، ام التشكيل، مُسْنَدَةً بالأفكار المغايرة من الداخل كالهيكل العظميّ للإنسان.
– يتبع –

4 تعليقات

  1. Avatar غسان فاضل

    مقال رائع دكتور يمهد لفهم معمق لنظام الشكل الجمالي وتشخيص السياقات والمقاربات المفضية للتحول

  2. Avatar غسان فاضل

    مقاربة عميقة تمهد لفهم انظمة مفصلة للشكل الجديد

  3. Avatar مصعب الزبيدي

    احسنت د لبيد تساؤلات كثيرة تطرح على القارء للتامل وللتشويق للقادم من الاجزاء لعله يجد خيط للاجابة .

  4. Avatar محمد فاضل

    العزيز دكتور لبيد، نحن بشوق كبير لما يتبع لجمالية ماقرءنا.. شكرا لكم

اترك رد