يوم لا يُنسى: سقوط بغداد في براثن تتار ومغول العصر

 
يوم لا يُنسى: سقوط بغداد في براثن تتار ومغول العصر

مطامع وأحقاد صهيونية وقفت وراء اجتياح واحتلال العراق !!

كثيرة هي الأحداث المفجعة والمحن التي يواجهها المواطن العربي الفخور بعروبته والمتمسك بانتمائه الوطني والقومي لا تبرح ذاكرته مهما توالت الأيام وتبدلت الظروف بسبب ما تركته في نفسه من آثار مؤلمة ومحزنة ومهينة. ومن هذه الأحداث على سبيل المثال لا الحصر يوم الإعلان عن قيام كيان العدو الصهيوني على أنقاض جزء من أرض فلسطين في عام 1948، ويوم سقطت مدينة القدس في براثن الاحتلال الصهيوني في عام 1967، ويوم اجتاح الجيش الصهيوني مدينة بيروت واحتلها في عام 1982، ويوم أعلن تتار ومغول العصر سقوط مدينة بغداد في التاسع من نيسان عام 2003. أيام كانت تستوجب سقوط النظام الرسمي العربي برمته وجامعة الدول العربية ومؤسساتها وهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها أيضاً، بعدما استبيح الأمن القومي العربي والقانون الدولي ومرغت القيم والمثل والحقوق الإنسانية بالوحل وديست بالأقدام في تلك الأيام السوداء.
الآن وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً ونصف العام على سقوط بغداد، يمكن القول أنه بسقوط هذه العاصمة العربية العظيمة بأهلها ومجدها التاريخي عام 2003 استبيحت واحدة من أهم عواصم الحضارات في العالم، إن لم تكن الأهم، بفعل الحرب الشرسة التي شنتها عصابة دينية عسكرية متطرفة ودموية كانت تتولى قيادة الولايات المتحدة الأميركية زعيمة الإستعمار العالمي الحديث ضد العراق، والتي أوهمت العالم أنها “كانت حرباً موجهة ضد الإرهاب والديكتاتورية والقضاء على أسلحة الدمار الشامل العراقية” في حين كانت حرباً دينية عنصرية مقنعة بثوب “الديمقراطية والحضارة” خطط لها المحافظون الجدد المتصهينون بإيعاز من الكيان الصهيوني خدمة للاستراتيجية الأميركية – الصهيونية المشتركة في منطقة الشرق الأوسط.
برغم مرور ثلاثة عشر عاماً ونصف العام على اجتياح واحتلال العراق وسقوط بغداد في قبضة تتار ومغول العصر في 9 نيسان 2003 إلا أن مشاهد ذلك اليوم الإستثنائي قلما تفارق مخيلتي. وها أنا الآن أستعيد شريطها وكأنها حدثت أمس. فقد كان ذلك اليوم من أحلك الأيام وأكثرها حزناً وألماً بالنسبة لي، خاصة عندما رأيت فيه مشهد مصفحات ودبابات وآليات قوات الغزو الأميركية والغربية وهي تخترق قلب العاصمة العراقية بغداد، ضاربة بعرض الحائط أحكام القانون الدولي وجميع الأعراف والمواثيق الدولية.
في ذلك اليوم الملعون احتل تتار ومغول العصر واحدة من أكبر العواصم العربية والإسلامية وأهمها حضارة وأكثرها تجذراً في أعماق التاريخين العربي والإسلامي تحت سمع وبصر الحكام العرب والمسلمين وموافقة بعضهم ومشاركة أنظمتهم بطرق مختلفة مباشرة وغير مباشرة.
ولربما أن ما زاد الطين بلة ورفع وتيرة خيبة الأمل بالنظامين الرسميين العربي والإسلامي أنه ومنذ اللحظات الأولى لقيام تتار ومغول العصر بتدنيس أرض العراق في عام 2003 بدأت أقدام الصهاينة النجسة تدب فوق هذه الأرض المباركة على مدار الساعة، تحت سمع وبصر سلطة الاحتلال الغاشمة وحكام العراق الجدد الذين عادوا إليه على ظهور الدبابات الأنجلو ـ أميركية.
ولقد مثلت جريمة اقتحام مبنى المخابرات العامة العراقية في العاصمة العراقية وسرقة المكتبة العبرية من داخله ونقلها إلى تل أبيب تحت غطاء المسرحية الهوليودية المفتعلة لإسقاط تمثال صدام حسين في حديقة الفردوس أول عملية قرصنة صهيونية علنية ووقحة داخل العراق بعد نجاح تتار ومغول العصر في احتلال بغداد في 9 نيسان 2003 استمرأ الصهاينة الأشرار بنتيجتها ارتكاب جميع أشكال وصنوف الفظائع والكبائر والفواحش اللاأخلاقية واللاإنسانية بحق العراق والعراقيين.
بعد تلك الحادثة دأبت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العراقية والعربية والعالمية على تناقل أخبار الصهاينة ونشاطاتهم التدميرية وممارساتهم التخريبية السافرة والحاقدة على امتداد مساحة العراق كله: “ألصهاينة يغتالون العلماء والأطباء وأساتذة الجامعات، ألصهاينة يفجرون السيارات المفخخة والمراقد وأماكن العبادة لإثارة الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية ولتأجيج نُذر الحرب الأهلية، ألصهاينة يعملون على إبقاء العراق أسير العنف والتفجير وعدم الإستقرار خدمة لمطامع ومصالح كيانهم العنصري وخدمة لمصالح الولايات المتحدة والغرب.
أخبار لطالما سمعناها وشهدناها بالصوت والصورة ولطالما قرأنا عنها على مدار سنوات الاحتلال، فهل حقاً أن هؤلاء الصهاينة الإرهابيين قد أماطوا اللثام من خلال تلك النشاطات والممارسات اللاأخلاقية التي مارسوها آنذاك عن مطامع تاريخية لهم في العراق، أم أنهم فعلوا كل ذلك للثأر من بابل وآشور انتقاماً لتدمير الهيكل الأول والسبي البابلي لليهود الذي قام به الملك البابلي نبوخذ نصر عام587 ق.م!! وهل حقاً أن روح الانتقام قد تجذرت في نفوس الصهاينة إلى درجة جعلتهم يحرضون إدارة المحافظين الجدد في واشنطن على غزو واحتلال العراق للثأر والانتقام منه بشعبه وأرضه وتاريخه وحضارته دفعة واحدة؟
من المفيد أن أشير هنا إلى أن النصوص التوراتية الخاصة بمطامع اليهود التاريخية في العراق وفي الأقطار العربية عامة بينة ومتعددة. فقد جاء في سفر الخروج ما حرفيته “واجعل تخومك من البحر الأحمر إلى فلسطين ومن الصحراء إلى النهر”، وفي سفر يشوع ما نصه “كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى في الصحراء ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات”. ولعل أكثر النصوص وضوحاً وتوسعاً ما جاء في سفر التكوين “من نهر النيل في مصر حتى النهر الكبير في الفرات”.
أما في ما يتعلق بالنصوص التلمودية التي تؤكد رغبة الصهاينة في تدمير العراق فهي الأخرى كثيرة أيضاً. فمنها ما يقول “أقيموا مذبحة لأبنائهم، اكنسوها بمكنسة الدمار هذه بابل الآثمة، وآشور أرض الخطيئة خربوها واجعلوها لا تسكنها إلا الفئران وهدموها حتى لا يجد العربي عاموداً يربط إليه ناقته”، وما يقول أن الهيكل لن يُبنى إلا إذا خُربت بابل “لن يعود الرب حتى يُبنى الهيكل ولن يُبنى الهيكل حتى تؤدب بابل وآشور”…إلى ما هنالك مما هو أدهى وأمر.
بات روبرتسِن ألقس الإنجيلي المثير للجدل والذي كان أحد أبرز الآباء الروحيين لتيار المحافظين الجدد أكد ما ذهبت إليه النصوص التوراتية والتلمودية بشأن مطامع الصهاينة في العراق ورغبتهم التدميرية حين قال بعد اجتياح واحتلال العراق ووصول الأميركيين إلى مدينة بابل “من موقع بابل حيث تفرقت كل أمم الأرض، ها هي تعود من جديد لتدخل في حلف عسكري واحد، وها هي أمم الأرض كما تقول النبوءات العبرانية تشكل نظام دفاع جديد للدفاع عن إسرائيل والانتقام من بابل بقصفها من السماء، لأنها هي التي عذبت شعب الله المختار وأغرقته بالدموع والأحزان”!! تجدر الإشارة إلى أن عيون “شعب الله المختار” قد دأبت طوال التاريخ على التربص بالعراق والبحث عن مكامن ضعف فيه لاختراقه والتسلل إلى مجتمعه لنخره وتفتيت بنيته الديمغرافية والإجهاز على وحدته الوطنية. ويدعم ذلك ما ذهب إليه باحث وأكاديمي عراقي حين قال: ليس اعتباطا أن يكون وزير المالية في أول حكومة عراقية تشكلت بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة هو اليهودي ساسون حزقيل”، وليس من باب المصادفة أن تكون 65 بالمئة من واردات العراق بعد الحرب العالمية الثانية بيد اليهود كما يؤكد ذلك كتاب – أسرار تهجير يهود العراق – للكاتب شامل عبد القادر المتخصص بالشأن اليهودي، كما لا يمكن أن تكون المصادفة وحدها هي التي دفعت تل أبيب إلى اختيار ديفيد كِمحي أحد كبار رجالات الموساد ليكون حلقة الوصل مع أكراد العراق في ستينيات القرن الماضي والشخص الذي أوهمهم بأن “إسرائيل” شديدة التعاطف مع القضية الكردية مما دفع شخصية كردية مرموقة إلى ذبح كبش كبير فرحا بانتصار الصهاينة على العرب في عدوان 5 حزيران من عام 1967.
وقد سبق للكاتب الأميركي الشهير سيمور هيرش أن أشر بصراحة ووضوح إلى التغلغل الصهيوني في العراق بقوله أن “رجال جهاز الموساد الإسرائيلي كانوا هناك منذ اللحظات الأولى لاحتلال العراق، وكان اختصاصهم تلغيم السيارات والتعذيب الجنسي وقطع الرؤوس، وجاء هؤلاء بصفة رجال أعمال ومقاولين!”، ولطالما نقلت الصحف ووسائل الإعلام العراقية الأخرى المتنوعة التقارير تلو التقارير التي كانت تؤكد فيها دائماً ضلوع هذا الجهاز في التفجيرات وعمليات القتل والاغتيال الفردية والجماعية التي تعرض لها العراقيون خلال سبع سنوات من الاحتلال الفاشي لبلدهم.
نصوصٌ توراتية وتلمودية وحقائق موثقة يعزز مقاصدها ما ذهب إليه الدب الأميركي الجنرال المتصهين نورمان شوارتسكوف الذي قاد العدوان الثلاثيني أو الأربعيني “نسبة إلى عدد الدول التي شاركت في ذلك العدوان” على العراق عام 1991 حين خاطب بني صهيون قائلاً “لقد قمنا بالحرب من أجلكم !”. فهل بعد كل هذا الغيض من فيض الحقائق ما لا نزال نحتاجه لقطع الشك باليقين والتسليم بأن كل ما فعله الأميركيون كان لإشباع نهم ورغبات الصهاينة وتحقيق مطامعهم وخدمة استراتيجيتهما المشتركة في العراق خاصة والوطن العربي عامة؟ وهل بعد كل ما أوردته من معلومات ووقائع ما يحول دون التسليم بأن التغلغل الصهيوني في العراق إبان فترة احتلاله من قبل تحالف تتار ومغول العصر كان مزيجاً من تحقيق المطامع والانتقام لتدمير الهيكل وسبي اليهود على أيدي البابليين بقيادة الملك المظفر نبوخذ نصر؟ لا لا وألف لا ولا، ليس هناك ما يحول دون ذلك!!

محمود كعوش
كاتب وشاعر فلسطيني مقيم بالدانمارك
كوبنهاجن نيسان 2016
kawashmahmoud@yahoo.co.uk

لا تعليقات

اترك رد