خضير ميري : أنا اخطائي


 
خضير ميري

صيف عام 1982 في مقر المسرح الشعبي بشارع السعدون الذي كان ملتقى فنيا وثقافيا على ضيق مساحته وكنت قادما للتو من الناصرية طالبا في اكاديمية الفنون الجميلة قسم المسرح كان عمر الحرب عامين والجميع يدور في فلك دهشته بها ، هناك التقيت خضير ميري للمرة الاولى .

حرب شرسه حدثت بشكل مفاجيء لانعرف اسبابها حتى يومنا هذا ، تحرير ارض ؟ استعادة حقوق ؟ ثورة ايران؟ خوف النظام ؟ دول الخليج ؟ اميركا ؟ تصدير الثورة ؟ غباء صدام؟ ، حكمة صدام ؟ ،اسرائيل؟ سوء حظنا ؟ . الخوف من المستقبل ؟ تصفية الماضي؟ . دين؟ طائفية ؟ وطنية ؟ فرس مجوس؟ ، عرب علوج ؟.. شهادة وجنة؟ قتل ونار ؟ هجمت الدنيا والآخرة معا علينا بمصطلحاتهما وتوابيتهما . وكاننا نتعرف للتو على مجتمع لم يصحو من مرحلة دموية حتى يقع في اخرى منذ تاسيس دولة العراق تاسيسا عشوائيا غير رصين بدايات القرن الماضي .

لا احد يتحدث بحرية ، الطواريء الى اقصاها . آثار احتراب ثقافي سياسي خلفها نزاع الادباء السياسيين وهم يتقاتلون بينهم نيابة عن احزابهم . ادباء شبان من المحافظات يواصلون وراثة غربة الريفي القادم من مدن بدائية الى العاصمة الملونة ، نشوء جيل من ادباء غير منتمين في القصة والشعر . متحمسين مسلحين بثقافة رصينة متنوعة . كانوا بالضبط في مركز الحرب العبثية المشتعلة. فقراء في الغالب . يتحدون لؤم بغداد وقسوتها على النازحين اليها . اتهامات مفزعة بالتخاذل أو الصمت أو التدين أو الكلام غير المباح ، مما شجع نمطا من الكتابة الملتبسة والنص المفتوح وعقيدة الاختلاف . كمعادل مازوم مضاد لثقافة السلطة التي تمظهرت قصصا عن الحرب وشعرا يمجّدها وكتبا تطبع لمبتدئين وتوزع باسراف .

الصدى - خضير ميري
خضير ميري

فاجأني خضير ميري بشكله الكافْكوَي اللافت في ذلك اللقاء. شاب في الثامنة عشرة ،جسد نحيل بملامح شيخ متزن ، يستعرض بديهيات الفلسلفة ورموزها ومراحلها متدخلا و”مصححا” ومحاججا لثوابت مشاعة في علم النفس والفسلفة وتاريخهما ، دار بيننا حوار غريب سريع واستعراضي كاننا نلعب كرة الطاولة ، نناقش في الفلسفة التجريبية والاسلام والمسرح والدين والالحاد والطواطم والعقل والشعر والخطاب والحرب . من نمط الحوارات الصاخبة التي تؤسس لصداقة وتواصل او اختلاف وقطيعة .

منذ تلك الجلسه تواصلت علاقتي مع خضير، كرر اكثر من مرة انه ليس شاعرا وليس روائيا بل انه “فيلسوف” وان حل ازمة المجتمع والدولة لن يكون الا بالفلسفة والدعوة الى اعادة المجسات الفلسفية لكل شان خاص و عام في الحياة والدولة ، طروحات جريئة يدافع عنها ببسالة من خلال معلومات غزيرة مكثفة وقدرة مدهشة على الجدل والتاويل ، في اطار شخصية زاهده مترددة نبيلة ،ولذلك كان الشخص الوحيد من اصدقائي الذي قلقت على حاله وانا في رحلة المنفى ، فعلا خفت عليه من الحياة لان جديته في تصوري اقل حيلة من سخريتها وقساوتها ، تحولت علاقتي بخضير بعد خروجي من العراق من علاقة يومية الى علاقة فصلية وكان غيابي بالنسبة له كما قال لي يتما حقيقيا .

حيرتي مع خضير اني اعرفه ولا اعرفه . اعترض عليه وانتقد نفسي ، اشكك به واستدرك ذلك ، اصارحه بعد تردد حول طروحات او نصوص فيُذيب ذلك بابتسامته الغامضة ، بعد سنتين من تعارفنا اعرف انه طالب في الاكاديمية معي في القسم نفسه !، بعد ثلاث سنوات اعرف انه من مدينتي ! ، بعد عشرين سنة اعرف انه شاعر وروائي . بعد ثلاثين سنة اعرف انه لم يشتبك مع الفكر والاجتهاد بل اشتبك مع الحياة ذاتها . اتذكر نرجسيته وهو يقول انا لااكتب مثلكم شعرا او قصة ولا اتحدث تاريخ الفلسفة ، انا انتجها ، انتج فلسفة . الفلسفة هي كل شيء ، علينا احياؤها ، سبب مشاكلنا اننا لم نجعل السياسة فلسفة كما ارادها افلاطون ولم ندخل الفسلفة في حياتنا اليومية، انها مجس وقياس للاشياء جميعها انها مثل ادوات الطبخ لابد ان تكون في كل بيت . ظل خضير يتحدث بثقة وتفاؤل عن المستقبل في ظروف كلها تدعو الى الياس .

اخذت ظاهرة خضير ميري ومواجهاته تتكثف في الوسط الثقافي وبدأت اخبار حياته واثره تصلني مثل بريد مزوّر اجهل تفسيرها حيث لاتواصل كماهو الان في ذلك الوقت. مقالب ومواجهات وكتابة قصائد وحوداث وصداقات مصحوبة بتهكم على شخصه وسيرته واندفاعه للنسيان اليومي لاسيما بعد اعتقاله وماتبع ذلك من قصة افتعال الجنون الاسطورية التي حدثت له ، انباء من مصادر لاتعرف خضير ميري جيدا . فلايمكن تشبيهه باي من اصدقائنا الذين رحلوا وكانت لهم بصمات خاصة في التمرد على الحياة . لم يكن خضير يوما صعلوكا بل كان منضبطا انضباط الفلاسفة ، يسير منظما في طريق مختل .

خضير ميري
خضير ميري

خضير الذي حول قصته الشخصية تلك من حالة الى ظاهرة التقيته اول يوم وصوله الى مصر التي حظي في وسطها الثقافي المركب بحضور ساطع وكانه يصطحب معه الفلاسفة والمفكرين والروائيين والشخصيات الاستثنائية في التاريخ الى جلساتهم ويتحدث عن الحرية والجنون بطريقة مثيرة مغرية ، فاحتضنه نجوم ونجمات الثقافة والفن في مصر اكرموه وكانت له منزلة مميزة بينهم . في تلك الليلة بدا الهجوم الفلسفي لخضير : جريمتك ياعبد الحميد انك تحب الحياة اكثر من الكتابة .. كيف توفق بين كونك محاميا منطقيا كما تبدو وكونك شاعرا متمردا .انك تنتقم من الشعر لانك تحبه . واراء شتى لخضير الذي ضربْنا انا واياه رقما قياسيا في السهر معا لاسبوع كامل مع نوم متقطع عند لقائنا الاثير بعد اكثر من عشرين عاما. احّدثه عن رحلتي من هروب تموز عام 1991 الى مابعد الاحتلال وسقوط صدام ، كان يحدق بي وكانه يصغي الى جوقة “خضير هل ترى ، ماكلُّ مانخطط له نصل اليه . قال : ربما نصل لافضل منه . قلت : ها انت لم تبدا شاعرا او روائيا لكنك تحولت الى مؤسسة ملتبسة تتنقل بين هؤلاء ، دخلت معركتك مع الحياة معتمدا على العقل فاستعنت بالجنون عليها ، مشروعك اكبر من ادواتك . اول الادوات الحرية ، واول الادوات ايضا عدة الكتابة واللغة التي لاتعترف بها ” .

في لقاء لاحق وبحضور السيدة زوجته الزميلة اسراء خليفة التي رافقته في احلك ظروف حياته عرضتُ عليه ان اقوم بتنقيح كتابه املاء ونحوا ، شجب ذلك وكانه استغل الرد على الملاحظة لتسويق معنى اكبر و بطريقة ذكرتني باول حوار جرى بيننا قبل 33 سنة : لا اريد ان ازوّر شيئا .. دعهم يقرؤا خضير ميري باخطائة وخربشاته وفوضاه واضطراب مشاعره .. اتركني كما انا ، فانا اخطائي .

1 تعليقك

  1. مقال رائع عزيزي الاستاذ الصائح … اقترب كثيرا من خضير ميري الذي عرفته في التسعينات بعد مغامرته في الشماعية .. عن طريق الصديق باهر بطي .. بعد منتصف التسعينات كان يعاني كثيرا .. ومن اشياء كثيرة .. ابسطها .. عدم معرفته لما يريد .. واتساع رؤيته .. وضيق عبارته .. وفقره .. وعقده .. وسوء فهم الاخرين .. واتهاماتهم .. وسخريتهم وغيرتهم . . بعد حرب الكويت بدأ يبرز قليلا .. وفي نهاية التسعينات تم تسويقه كمفكر .. وحتى فيلسوف .. من قبل بعض مؤسسات النظام .. مما انعكس عليه سلبا في الوسط الثقافي .. وخاف على حياته ورزقه بعد التغيير . . وشد الرحال للقاهرة. . لكن الزمن كان يمشي .. ورحلة العمر تقصر خطواتها .. لم يتسع له كل شيء لينتج (هكذا تكلم ميري) .. كان يعجبه ان يلعب دور المعجب امام الكبار .. شاهدته مع مطاع الصفدي .. وكذلك مع صلاح ستيتيه .. كان يعجبه ان يتحذلق كثيرا .. مع الذين يعجب بهم .. او يستعرض عضلاته الثقافية والفكرية .. امامهم.
    كان يحلم بأن يكون بوذا او زرادشت او فوكو .. في رأيي كان من اروع المتحدثين .. له اسلوب شيق .. ومنطق رائع .. في النصف الثاني من التسعينات .. اثار حفيظة الجميع .. بقدرته في مزج الفكر والفلسفة وفنون الكلام في أحاديثه ولقاءاته ومحاضراته .. وحتى مع اصدقائه بدأ يعجبه لعب دور المفكر .. يحاول ان يعطي مقابلات كثيرة .. في الواقع العراقي المتعب .. تحت ظل الدكتاتورية والحصار .. وعندما كنا بمفردنا .. واطري طريقة حديثه ومنطقه وانعكاس ثقافته فيها .. كان يخبرني عن مدى امتعاضه من طريقة حديث معظم المثقفين والفنانين العراقيين .. واساليبهم في تعظيم انفسهم وادوارهم بطريقة .. شبه كاريكاتيرية .. اومقززة احيانا .. يهددون فضاء السامع .. ويستغفلون عقله .. على عكسه هو .. وربما هذا ما جمعنا في حواراتنا معا .. عدم تهديد فضاء الاخرين وعقولهم .. واعلاء قيمة الحوار والحقيقة .. والسخرية من الاخرين .. كان يشعر ان المحيطين به .. اصبحوا دون الحقائق والرؤى التي بدأ يسبح فيها .. وفي النهاية .. ظل ميري .. في خلفية الصورة .. وللاسف .. حتى بين المثقفين العراقيين .. يظل معظم احتفائهم بميري .. شكليا وعاطفيا .. وسطحيا .. متى يعطى الاعتراف بعقله وثقافته وحواراته .. تحياتي عزيزي
    يوخنا دانيال

اترك رد