الشعر المغربي الحديث: من القصيدة الحديثة إلى “القصيدة الدلالية”


 
الشعر المغربي الحديث: من القصيدة الحديثة إلى
لوحة للفنان جاسم محمد

عرف الشعر المغربي تطورات مهمة؛ خاصة على مستوى القصيدة المعاصرة،التي حاولت أن تخرج من بوتقة المستولي – على حد تعبير محمد العمري- والتقاليد الشكلية التي ضيعت مفهوم الشعرية، في ظل الرضوخ لقوانين خارج نصية، و خارج الذات الشاعرة. لذلك، حاولت أن تخرج عن المألوف سواء من حيث الإيقاع أو اللغة أو البناء المعماري، أو الرؤيا التي يقصد إليها الشاعر. فحققت تطورا إن على مستوى الشكل، وإن على مستوى المضمون. و إن كنا سنفْصِل بينهما فهذا من قبيل الدراسة و التحليل فقط.

1- الشكل و الشكل الدلالي
إن القصيدة المعاصرة حاولت أن تجمع بين كل من الشكل والمضمون،لتحقيق الرؤيا الشعرية التي يطمح الشاعر التعبير عنها، و هذا مسلك متطور في حد ذاته. وإذا كان ” محمد بنيس” قد صنفها ضمن القصيدة الدلالية ، حسب تصنيف ” جون كوهن”، فإنه تصنيف غير دقيق وفق معيار ” الانزياح” L’écart))، بل هي ضمن القصيدة ” الدلالية – الإيقاعية”،والمصنفة ضمن القصيدة “الدلالية” ( Une poésie sémantique) هي ” قصيدة النثر”.
و لتحقيق نوع من الموازنة بين الإيقاع و الدلالة، عملت القصيدة المعاصرة على زحزحة بنية ” الزمان” و”المكان”؛ خلاف ما كان عليه الشعر سابقا. فعلى مستوى “الزمان” تم الانتقال من بنية البيت إلى بنية ” البيت الحر”، بالانتقال من البحر إلى قانون “التفعيلة”؛ سواء كانت تامة أو ناقصة، وَفق الدفقة الشعورية للشاعر، اعتمادا على البحور الصافية عموما.
و ما دام الشاعر قد فتت بنية البيت التقليدي؛ فقد أسس لقوانين جديدة، على مستوى الوقفة والقافية؛أي إن الشاعر قد تجاوز ” ذلك التطابق التقليدي بين الوقفات التركيبية و الدلالية والعروضية،وهذه إحدى تجليات الحداثة على المستوى الإيقاعي” . فتنوعت الوقفات؛ فهناك “وقفة دلالية و نظمية وعروضية”،و”وقفة عروضية فقط”، و ” وقفة محدودة ببياض/ التدوير”، وقد خضعت هذه القوانين حسب تجلياتها في القصيدة المغربية المعاصرة إلى مراحل تاريخية، موازاة مع تبلور المتن، و تبعا لتنامي الوعي الإبداعي عند الشعراء .
و تبعا لخروج الشاعر المغربي عن الوقفة المرتبطة بالبيت التقليدي، فقد خرج عن القافية الموحدة،وإن عمد إليها في البدايات و هي القانون الأول. أما القانون الثاني؛ فقد تمثل في تزاوج و تناوب القافية،مع تحطيم وحدة الروي. أما القانون الثالث؛ فتمثل في التحلل من القافية، و محاولة البحث عن قافية داخلية ،أو ما يمكن نعته ب “الإيقاع الداخلي” الذي ارتبط هنا بالقافية.
أما على مستوى ” المكان”، فقد خرج الشاعر عن الشكل النمطي لكتابة القصيدة، و ذلك من خلال اعتماد هندسة البياض، و إدخال” بلاغة الصمت”، باعتبارها خطابا، إلى جانب العلامة اللغوية. و استفاد في هذا من كيفية تعامل الأندلسيين مع المكان الشعري، و تشكيل الموشح، انطلاقا من بنية الخط التي ظهرت منذ القرنين السادس و السابع؛ مثل ” التختيم والتفصيل و التشجير، التي جعلها النقاد المتأخرون في أبواب البديع” . و بذلك دخل لعبة السواء و البياض، و أصبحت مثل هذه النصوص تعيش صراعا حادا و قويا بين الخط والفراغ في بناء الدلالة؛ و تشكيل مقصدية الشاعر، بشكل مباشر أو غير مباشر؛إنها تعبير عن الصراع الداخلي الذي يعانيه الشاعر؛ للإفصاح عن ما يخالجه من مشاعر وأحاسيس من خلال المنطوق الذي هو اللغة، أو من خلال الصمت/الفراغ الذي يعد لغة صامتة قابلة بدورها للقراءة والتأويل.
لكن، من الملاحظ أن الشاعر الحداثي، و إن حاول أن يستفيد من الصمت أو الفراغ بشكل مضاعف في بناء شعريته، فإن نسبة الشعراء الذين مارسوا هذا الشكل الإيقاعي والدلالي، و مارسوا الشعر بوعي كتابي متطور هم قلائل، حتى الذين لجأوا إلى خيار “قصيدة النثر” باعتبارها اختيارا شعريا،”لم يتخلصوا من الكتابة الصوتية فيما يكتبونه (…)” .
بالإضافة إلى هذا؛ عرفت القصيدة المغربية المعاصرة، تطورا ملحوظا على مستوى الصورة الشعرية، و ذلك نتيجة تطور بنية الخيال، بالانتقال بالصورة الشعرية النووية إلى الصورة الشعرية الموسعة، ف ” هي تلك التي يفتح فيها كل لفظ أفقا واسعا للخيال، و يغير فيها كل لفظ تغييرا قويا اللفظ الآخر” ، و ذلك من خلال اعتماد تقنيتي “التفاعل” و “التداخل” اللذين يعدان وَفق النظرية الشعرية الحديثة، شكلين أساسيين في بناء وإغناء الصورة الشعرية الموسعة ؛ لأنها حادثة ذهنية، قبل أن تكون حادثة محاكاتية/ واقعية؛ يعمل الشاعر فقط على استرجاعها بواسطة اللغة.
و بفضل اتساع ثقافة الشاعر، انفتحت الصورة الشعرية في القصيدة المعاصرة على “الرمز” و”الأسطورة”، تجاوزا للصورة القائمة على إواليات البلاغة من ( تشبيه و استعارة و كناية و مجاز مرسل). في نطاق توافق بين مشاعر الشاعر و قصدية التعبير، فهذا المتن الشعري” الستيني و السبعيني” حقق تطورا في مجال الصورة الشعرية، و ذلك على مستويين؛ ” يتجلى أولهما في قدرة الصورة و الرمز على نقل الأبعاد النفسية و الفكرية لتجربة الشاعر المغربي (…) و ثاني المستويين؛ يتجلى في محافظة الصورة و الرمز و الأسطورة على الانسجام بين الوظيفتين الدلالية و النفسية (…)” .
و في نطاق التطور الذي حققته القصيدة المغربية المعاصرة؛ حاول الشاعر المغربي أن يبدع على مستوى البناء المعماري للقصيدة، و هي بنية إيقاعية، خاضعة لتجربة الشاعر الموضوعية، و أحاسيسه الداخلية،و ترتبط بالوحدة العضوية، و إن كانت أعم و أشمل، و قد ابتدأت بسيطة، انطلاقا من الشكل الدائري والحلزوني، ليصل الشاعر حسب تطور تجربته في الكتابة الشعرية إلى البناء المعماري المعقد والذي تجلى أولا في الشكل التصاعدي الجدلي ( البناء الهرمي)، و ثانيا البناء التصاعدي النفسي.

2 – المضمون و التلقي المشوش
أما على مستوى المضمون، فقد استطاع هذا الشاعر أن يرتقي بمضمون قصيدته إلى مستوى أرقى من موضوعات القصيدة التقليدية بشكل عام أو القصيدة الوجدانية، و إن بقي النفس الرومانسي ملتحما مع المضامين التي كان يطرقها، مما جعل شعره يتأرجح بين الذاتي و الموضوعي،بين الفردي و الجماعي، في نطاق صراع الشاعر/ الذات مع واقعه، و ما يعرفه هذا الواقع من تحولات،إيمانا منه أن الشعر إلى جانب إواليات أخر؛ وسيلة من وسائل النضال، و تغيير المجتمع.
و في هذا السياق، نجد أن المضمون الشعري يزخر بتجربة الذات الشاعرة، من زوايا مختلفة؛ تبعا لرؤية الشاعر و خلفياته الثقافية و الاجتماعية و السياسية، في تواصل مستمر مع الواقع، سواء من حيث رفضه أو قبوله، ” و من ثمة تحضر هذه الذات، تارة كسؤال شعري جمالي، و تارة أخرى كمكون ومصدر من مصادر الإبداع” . لكن، و إن كان الشاعر المغربي يحفل بالذات، حيث طغيان الطابع الذاتي على القصيدة المغربية المعاصرة؛ فإنه لم يكن معزولا عن هموم و قضايا مجتمعه؛ السياسية و الاجتماعية والفكرية (…)، و إن تحدث عن الطبيعة و الحلم و الهجرة و القيم (…). ” لقد امتد صوت الشاعر صداحا مفعما بالأمل منتصرا للحب و الحياة في غير ما موضع” ، و رغم طغيان الطابع المأساوي في كثير من الأحيان؛ نسبة إلى الطابع المهيمن على المضمون، فإن “الهاجس الغالب على قصائده هو التوجه نحو المستقبل و رفض القوالب الجاهزة” .
و يظهر على مستوى لغة القصيدة الحداثية بصفة عامة، أن الشاعر حاول تطوير لغته الشعرية،حيث ” توصل إلى إدماج الكلام اليومي في النسق العام للكلام الشعري، فنتج عن ذلك إغناء للكلام الشعري” ، رغم الاختلاف البين بينهما. و ذلك شأن الشعراء المشارقة ، وقد تنبه إلى هذا الأمر ” محمد النويهي” ، لكن الشاعر و الناقد المغربي ” أحمد المجاطي” انتقده في هذا الأمر من خلال فصله بين الكلام الشعري و الكلام اليومي.
لكن ما يجعل الطرح الأول صحيحا، هو كون الشاعر اعتمد على التضاد و خلق نوع من التنافر الدلالي داخل القصيدة؛ باعتماد ” الانزياح” سواء في شكله القوي أو الضعيف،مما جعل هذا الشعر يتميز بالغرابة و الغموض، الشيء الذي أثر على العلاقة بين النص الشعري و المتلقي؛ في نطاق تحقق القراءة التفاعلية، و قد اختلفت الآراء حول هذه العلاقة؛فهناك من يردها إلى أن الشاعر عليه أن يعمد إلى البساطة على مستوى الكتابة الشعرية، و إن اختلفت باختلاف الوعي الشعري الذي يمتلكه. و من يرى أن ” عملية القراءة و التعامل مع النص الشعري بشكل من الأشكال هما السببان اللذان يخلقان هذا التعقيد وتلك الغرابة” .
و عموما، فالتحولات التي عرفها الشعر المغربي، مجسدة في القصيدة المغربية المعاصرة، قد أسفرت عن ظهور ما يمكن نعته ب ” التلقي المشوش”؛الذي يمكن أن يعود إلى أن هذا الشعر قد دخل إلى مرحلة “التجريب”؛ باعتبارها “أسلوبا صالحا لبلورة مدرسة شعرية عربية مغربية” لكن الابتعاد عن النظرية التي تؤطر هذه الكتابة، هو الذي أدى إلى نوع من الخلط و التشويش، فأصبح الشعر المغربي يدور في حلقة مفرغة أو ما شابه.
هذا بالإضافة إلى أن الشعر المغربي لم يعمل على خلق تراكم إبداعي، لأنه في كل مرحلة تطور يعرف انقطاعا عن المرحلة السابقة، و نجد أنه ” من العبث الإقرار بأن عبد الكريم بن ثابت خرج شعره من تجربة علال الفاسي. أو أن شعر أحمد المجاطي تطوير لشعر عبد الكريم بن ثابت أومحمد الطنجاوي. بل من العبث القول بأن قصائد علال الفاسي، التي ظن أنها معاصرة، تطوير لتجربته الكلاسيكية الجديدة، أو حتى تجربته الرومانسية. و ما نقوله بصدد هؤلاء الشعراء الثلاثة يصدق على جميع الشعراء الآخرين الذين عرفهم الشعر المغربي الحديث دون استثناء” .

هوامش
– محمد بنيس؛ ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب (مقاربة بنيوية تكوينية). دار توبقال للنشر. البيضاء. ط3. 2014. ص 169.
– عبد الرزاق المجدوب؛ في حداثة الإبداع المغربي ( الحداثة لدى احمد المجاطي: تصور و إنجاز). المطبعة و الوراقة الوطنية. مراكش. ط1. 2012. ص94.
– محمد بنيس. سابق. ص49.
– نفسه. ص65.
– نفسه. ص102.
– صلاح بوسريف؛ نداء الشعر. دار الثقافة. البيضاء. ط1. 2009. ص147.
– ويليك و وارين؛ نظرية الأدب. ترجمة محيي الدين صبحي. منشورات وزارة الثقافة. دمشق. 1976.ص203.
– نفسه.
– عبد الله راجع؛ القصيدة المغربية المعاصرة.بنية الشهادة و الاستشهاد ج1.منشورات عيون. مطبعة دار قرطبة للطباعة و النشر و التوزيع. البيضاء. ط1. 1988 ص300.
– نفسه. ص84.
– نفسه.ص167-227.
– أحمد زنيبر؛ الذاتي و الموضوعي في القصيدة المغربية الحديثة. مجلة المناهل. ع95-96. يونيو 2013. ص76.
– محمد الميموني؛ سبع خطوات رائدة. منشورات جمعية تطوان- أسمير. مطبعة الطوبريس. ط1. 1999. ص103.
– محمد بنيس؛ سابق. ص292.
– و من أمثال هؤلاء الشعراء: ” صلاح عبد الصبور” و ” عبد الوهاب البياتي” و ” أمل دنقل” ، حيث تأثروا ب ” ت. س. إليوت” و بدعوته إلى اعتماد الكلام اليومي في الشعر
– اُنظر محمد النويهي؛ قضية الشعر الجديد. دار الفكر. ط2. 1971.ص34.
– اُنظر أحمد المجاطي؛ ظاهرة الشعر الحديث. شركة المدارس. مطبعة النجاح الجديدة. ط3. 2008. ص203.
– أحمد الطريسي أعراب؛ الرؤية و الفن في الشعر العربي الحديث بالمغرب. المؤسسة الحديثة للنشر و التوزيع. ط1. 1987. ص247.
– محمد بنيس؛. سابق. ص315.
– نفسه. ص303.

المقال السابقجذور التواجد الايراني التركي
المقال التالىرموش الملائكة
رشيد طلبي ناقد و شاعر من المغرب. أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي. له ديوان بعنوان : " الرقص على إيقاع الصمت". منشورات وزارة الثقافة بالمغرب. عضو هيئة تحرير مجلة " الموجة الثقافية" بالمغرب. مكلف بالفضاء الثقافي في جريدة " المسائية". و عضو هيئة مجلة " كتاب الشاعر" التونسية.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد