رسالةٌ إلى أبي آدم : في السّلم والسّلام


 
رسالةٌ إلى أبي آدم

بسم الله الرّحمن الرّحيم، والحمدُ للهِ الذي بنعمتهِ تتمُّ الصّالحاتُ، وسبحانَ الله كما ينبغي لهُ، هو وحده صاحب المُلْكِ والملكوتِ والمَلَكِ، مُجري السّفنَ فوق الموجِ، والنّجومَ في السّماء والفَلَكِ. وسبحانَ مَنْ لا يرُدُّ غضبَه سوى حلمِهِ، وحدهُ إلهنا صاحب العرش الشّامخ والإكرام الباذخ، سَتَرَ الخَلْقَ وغَفَرَ لهُ ذَنْبَهُ، وأنْزَلَ عليهِ مَطرَ الخير فأحْيَا بهِ أرضه، وجَعَلَ بين العبادِ الأنبياءَ والأولياءَ الزّهاد، نعوذُ بنورِ وجههِ منْ عاقبة الدّار وسُوء المعاد والمهادِ، هُو وحدهُ المُنزَّه بالذّات عن الأشباه والأندادِ.
أمّا بعد؛
فإنّي إليكَ يا أبي آدم اليومَ بالحرفِ مُتوَجّهة، وفي القلبِ شوقٌ عظيم للقائكَ ورؤياكَ من جديدٍ، علّني أنعَمُ بحنانكَ وعطفكَ، وجميلِ حديثكَ وقصصكَ، وعلّكَ تفيضُ عليّ كلّ يوم أشياء جديدة مما علّمكَ إياها إلهنا من العلوم والأسماء، وتُجَدِّدَ بيَ الذّكرى، وأجَدِّدَ بكَ الوعدَ والعهدَ.
أبي آدم، دعني أقَبِّلْ جبينكَ الطّاهر، وأزحزح عنْ صدركَ جبال الألم والآهات، وأمسحْ عنْ عينيْكَ دموع الخيبات والآهات والحسرات. دعني يا أبِي أغسلْ قدميْكَ منْ وعثاءِ الطريق وجهْدِ الطريقة، وأدفئهُمَا بنور المحبّة والسّلمِ والسّلام. بلْ دعني أمشّط بأصابعي الصّغيرة خصلاتكَ الفضيّة، وأدهن شيْبَتَكَ بالمسك والعنبر، فأنتَ لا تعرفُ كمْ من أعشاشِ المودّةِ بنيتُ لكَ في شجرة الفؤادِ مُذ كنتُ طفلة صغيرة، وكمْ من طيور العشقِ تُغرّدُ فوق أغصاني مُردّدةً لليومِ لكَ وحدكَ: اللهم يا باسطَ اليدين بالعطايا، ابسط على والدي آدم مِنْ فضلكَ العظيم وجودِك الواسع الكريم ما تذيبُ به غمَّهُ، وتلبسُهُ بهِ ثوب العافية في قلبه وروحه وعقله وجسده، وأعِنْهُ يا إلهي على تحمّل مصائبِ أبنائهِ في الحلّ والترحال والذّهاب والإيّاب، فقد كَثُرَتْ ذنوبُهم ومعاصيهم، وأشعلوا نيرانَ الحروب في كلّ جبلٍ وسهل وواد، وضلّوا الطريقَ، وعظُمَ زقّومُ الحِقْدِ في قلوبهم. اللّهمّ واجعلنِي وَوالدي آدم، أطبّاء لإخوتي منْ بني البشر، نُداوي أمراضَ نفوسِهم، ونغسلُ أدرانَ عقولِهم بماء الودادِ وبَرَدِ الوئام، وننقّيهُم منَ المعاصِي كما يُنقّى الثوبُ الأبيض من الدّرن. اللهم فإنّكَ تعلمُ أنّ ما بِإخوتي من خطايا وكبائرَ تُرتكبُ باسمكَ، ليس مردُّها الدّينُ ولا الاختلاف في الاعتقادات والملل، وإنّما هي من غربة الرّوح في بُعْدِهَا عنكَ. وتعلمُ أيضاً ألّا أحدَ يريدُ أن يصدّقَ ذلكَ، فالمريضُ لا يعترفُ أبداً بمرضهِ، وهُم يا مولاي معظمُهُم مرضى، لذا فإنّي أرجوكَ، أنْ تنظُرَ إليّ وإلى أبي آدم بعين الرحمة والعدل واللّطف والعناية حتّى نُنْصفهم ونسهرَ على راحتهم، نقودهم إلى أسِرّة الرّحمة والعلاج والدّواء والاستشفاء، فنحنُ اليوم لسنا بحاجة إلى المعابد، ولا إلى المساجد ولا إلى الكنائس بقدر ما نحن بحاجة إلى المصحّات العقلية والمستشفيات النفسية، ولسنا بحاجة أيضاً إلى رجال الدّين وغيرهم ممّن يشبهونهم في الزيّ والمنطق والحرف، ولكننا في حاجة إلى أطبّاء يؤمنون بكَ وبالإنسان، يُحبّونكَ ويتّقونكَ في خلقكَ، وإذ أقول الأطباء يا إلهي فإنّي أعني بهِم أهلَ العلم والإيمان في كلّ مجال، ولا سيما منهم أطباء الرّوح والنّفس، إذ العلّة كلّ العلّة تكمنُ هناك، ففي النفس جحيم الإنسان ونعيمه، وفي الرّوح شياطينُه وملائكته، والصّراع الأبديّ بينهما ورثَهُ منكَ أبناؤكَ وأحفادُكَ يا والدي آدم، وبقي منذُ أيّام الفَطْمِ وسنواتِ الفطامِ محفوراً في حمضهم النووي، وبقيتْ كلّ الأخطاء تتكرّرُ في كلّ يوم ألف مرّة، بدءا من مشهد الخروج ومرورا بمشهد قتل قابيل لهابيل ووصولا إلى الطوفان وما تلاهُ من حكايات عجيبة بين الأنبياء وأقوامهم، وبين الرسل وزوجاتهم وأبنائهم، ثمّ بعدَ ذلك بين الناس البسطاء والمتجبّرين وهُم لليوم يسفكون دماء بعضهم البعض، ويأكلون لحوم بعضهم البعض، ويحتالون على بعضهم البعض.
أفلا ترى معي يا والدي آدم بعدَ كلّ هذا، أنّهُ قد حان الوقت ليتخصص أهل الطبّ في شرح الكتب المقدسة؟ لا تبتسم وتنظر إليّ هكذا بعين الفضول يا والدي، فأنا لمْ أُجَنّ بعدُ، ولكنّني أرى أنه قد حان الوقت ليتجددَ كلّ شيء، فلقد مللتُ من العنعنات والإسنادات التي لا أوّل لها ولا آخر، وأريدُ أن يظهرَ طبيب يكون مُجدّداً في حرف التفسير والتأويل، وعالما بعلوم الجسد والنفس وسيميائها، ليشتغلَ بمشرطه وسماعته وسرير البوح على فكّ كلّ الرموز، ويشرحَ للناس مثلا من تكون أنت يا والدي، ومن تكون حوّاء؛ أمّي الحبيبة التي لم يُخلَقْ في بهائها وجمالها ووقارها أحد، ومن يكون نوح، ولماذا السفينة، ومن يكون إبليس حقّا، ومن تكون الملائكة والجنّ وغيرهم من بقية المخلوقات؟ ولماذا السّماء والنجوم، وما علاقتهما بالإنسان، وهلمّ جرّ من كلّ هذه الحكايات والرموز التي توجدُ في الموروث الثقافي لكل حضارة من حضارات الإنسان. أريدُ أن يُدرّسَ علمُ النفس وعلوم الفلك والفضاء في كليات الفقه واللاهوت والشريعة، أريدُ أن أرى يا والدي الفقهاء في الحوزات العلمية ببدَل بيضاء بدلَ العمائم، وبنظارات وحقائب طبّية بدلا عن العصا والسّبحة، وأنْ يُتَحَدّثَ عن الخالق بحرفِ الرياضيات والكيمياء والخيمياء والفيزياء. أريدُ أن تُفتح العلاقات من جديد بيننا وبين الطبيعة، بيننا وبين بقية الأكوان، ولا يعنيني في شيء أن نرحلَ إلى القمر أو المريخ، بقدر ما تعنيني الأسفار في غابات النفس وأدغالها، لأنّ هناك توجدُ كواكب لمْ تُكتَشفْ بعد، وأقمار لم نصل إليها بعد. أريدُ أنْ أراك وتراني بدون حجابٍ ولا حواجز يا والدي، أن أظلّ في تواصلٍ معك ومع أمّي حوّاء، لأتعلمَ منها الكثير والكثير عن عالمنا نحنُ الفتيات والشابات والنساء الناضجات، أجل يا والدي الحبيب، لأنه إذا قام المُجدّدون بما اقترحته عليكَ، فسوف يحلُّ السّلام، نعم سيحلّ السلام بيننا، وأنت تعرف من يكون السّلام جيّدا، تعرفُ أنّه ذاك الذي يُسَبِّح الطير بحمده ذو العرش المجيد الفعّال لما يريد، والذي لا يشغله أمرٌ عن أمرٍ وهو كلّ يوم في شأن جديد. فهل ستفعل شيئا ليتحقق هذا يا والدي؟ هل ستفعلُ شيئا لتسترّدَ أبناءَك وتعيدَهُم إلى حضرة الأمن والأمان منْ جديد؟
ضع يدكَ في يدي إذن وقل معي: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، إنّ ربّي لطيف لما يشاءُ، إنّه هو الحكيمُ العليم.

لا تعليقات

اترك رد