ديزال – الفصل الثالث


 
ديزال - الفصل الثالث

الفصل الثالث
كل مشاعر القلق، اللهفة، الانتظار تهاجم ملامحى، خطوط وجهى التى قسمتها اللهفة إلى عرضي وطولى.. أذرَّة القميص التى تفتح وتغلق حسب تضخم عضلات قلبى من النبضات المسرعة.. حنان أقدامى الواقفة والواثبة على أرض ناعمة، إفرازت وخيالات الصور فى عقلى النشط ترقص سحاب قلبى وودايان روحى وحدائق خيالى.
كل سحب السماء التى تمطر نهارًا وتتحدى الشمس المشرقة.. قطرات أمطارها تخترقنى.. وتدك أعصابى دكًا .. كل خطوات الواثيقن والعاشيقن والمترددين تسألنى ألف سؤال فى أعماقى، وكل بطاريات مخى المرهقة سلفًا تحاول تعطيل الأسئلة حتى لا أستنزف رصيدًا مخيلتي المشحون من العاشرة صباحا بأحلامى على نبرات صوت اندريه.. قلمى الواقف خجلًا جفت أحباره عرقًا، خاصة أن العمارة شكلها لا يحوى شيئا غير الصدمة من سحن السكان، كما يقولون، الجواب واضح من العنوان . لكن ربما فيه جوبات تحوى مفاجآت أحيانًا عكس العنوان “انتظر يا محمد أفندى، إنها عمارة بكل دور، عشر شقق، كان الأستاذ جمال هريدى فى تلك الجلسة التى تذكرتها من أربع سنوات على ناصية هذا الحى، يشرح للصحفى المرحوم أحمد عبد المطلب، إنها تسمى (آشليم) أى عمارة تتبع مساكن تسمى “المساكن الخاصة بالإقامات الاجتماعية” للحكومة الفرنسية، إيجارها رخيص يتلاءم وظروف أصحاب الرواتب البسيطة أو الظروف الخاصة من أولاد وغيره، أرضية العمارة عامرة بسجائر المخدرات خلف الباب، أولاد صغار جوعى التحرش للمعارك والضرب . لم ينالوا قسطًا كافيًا من الرعاية والتعاليم، يتربصون بالداخلين والخارجية، للأسف إنها أطراف العاصمة الجميلة ثورة التاريخ القادمة، الشكل العام غير مشجع.
فى المصعد صعدت معى سيدة عجوز فرنسية، لا تتوقف عن الكلام تشبه مطربا فجا لا يسمعه أحد، ويريد أن يملأ الشريط بأى أغانى والسلام مسكينة يبدو أنها تعيش وحدها، وسيدتان عرب فى جنب المصعد لا يعجبها شىء فى فرنسا، ولا يتوقفان عن مقارنة البلاد العربية بهذا الوسخ الفرنسى، حسب فتحة أفواههم المدهونة أحمر زاهى لا يليق بأعمارهم، وصبغة شعورهم الحمراء على رموش سوداء حادة مرسومة فى الحمام البلدى بحى بربيس.. لا تعجبهم فرنسا ولا يريدون أن يغادرها إلى بلدهم فى شمال أفريقا. شكل المقارنة مع اعوجاج الشفاه.. وأجساد أكبر ما فيها هى القاعدة يدهشك، أتنفس ضحكا، لكن خائفًا من هجوم أى منهم، فى طرف المصعد الآخر أسرة من أفريقا، أب يحمل مسبحة فى يده يستغفر الله بصوت عال، ويدعى على الكفار أصحاب هذا البلد، وزوجته ترد “أمين يابو مامدو”، سألها هل أخذتِ مساعدات هذا الشهر قبل أن نكمل الدعاء؟ أجبيت: نعم، ثم أكملت: هو باقى كام يوم على خروج مامدو من السجن فى قضيه المخدرات والاغتصاب.
من تحت الدقن سار الزوج يحرك المسحبة بسرعة، وأسنانه تلمع، وملامحه تزداد غيظاً.. وجه تحدده الخطوط العريضة، وتفصل ملامحه التى حفرها الزمن بين الشفاه والأنف، وبين العين والرأس المغطى بشال خليجي يريد أن يقبض على حروف زوجته، وهى خارجة من فمها العريض المغطى بشفاه غليظة من فوق وتحت، قائلا “ليس هنا الحديث لما ندخل البيت” اتصل باصدقاء مامدو ، وسط المصعد بنت تشبه القطة صغيرة عائدة من المدرسة تحمل حقيبتها على ظهرها وضفيرة صفراء تنتظر الدور السادس، تنظر عيونها بدهشة وتعجب، تسمع لغة فرنسية بجميع اللهجات، إلا اللهجة الأصلية لوطنها.
ما صدقت أن باب المصعد فتح عند الطابق الخامس أمام شقة مدام لوسطو (أندريه)، يدى ترتعش من ألم الأحداث وكثرة التوقعات، الخيال سار يمشى على قدامين أمامى بجوار الواقع المؤلم، يدى تهتز خوفًا، أدق الجرس، أم أعود، إصبع السبابة يحذر إصبع الإبهام ألا يتقدم، وإصبع الخنصر يمتد ، ويتطاول وينفش ريش أهله على البنصر والوسطي، بل ويجعل من نفسه عمدة على الأصابع، ويريد أن يدق الجرس وحده وإصبع الوسطى يتساءل، هل أنا طويل بلا فائدة، أنا أكبركم، وأدعوكم للاحترام.
فى ظل صراع أصابع يدي العاجزة المرتجفة فى دق هذا الجرس، فجأة فتح الباب وحده، علي مايبدو ان قلقى وترددى تتسربا إلى داخل الشقة عبر فتحة العين السرية للباب، صارعت دهشتى لهفتى، أفتح شباك عينى وأغمض الباب الواسع فى نظارت محدقة لعلى أرى ببصيرتى ما لا يمكن مشاهدته ببصري. يدق قلبى لكن حذائى الماركة يسبقنى، لعل أندريه ترى أناقتى المعلن عنها منذ دخولى الحى. أناقتى التى جعلت مدعى الصحافة يظنون أنى معلم وصاحب شركة دهان زيت. من يرى الآخر بعين ثاقبة أنا أم هى “اثبت يا حمادة” بعد كل هذه الرحلة، إنه أطول يوم فى عمرى بباريس. أخيرًا يا إلهى أرى الفتاة الحلم، أو ربما الحلم فى ملابس أندريه.. طويلة إلى حد ما، تتخطى 170 سنتيمتر، ترتدى قميصًا أبيض بخط أزرق بسيط.. أُشرب أنيق به ورد.. بنطلون أزرق جينز.. حزام (رابط السروال) أصفر رفيع..( وبوط) حذاء به ورد رقيق يشبه الفستان.. شعرها أشقر قصير.. جسدها الربيع يزيد خضرة.. أعمدة الإضاءة على ناصية شوارع القلوب تشعل ضوءها من محطة كهرباء نظرتها.. منسق جسدها.. صدرها البارز عن وسطها النحيل.. عيونها يسكنها حزنٌ لا يعرف النوم.. صمت وغرابة استغراق فى النظر.. تلتهمك بنظرها.. وحدة أنفها المرسوم.. المساحة الخضراء لحدقة العين مساحة لأزرق موجوع من الارهاق سلفًا.. صوتها همس.. بدون مكياج ولا رتوش.. فمها صغير بدون أحمر.. يبدو عليها ملامح قلق وقلة نوم حول الجفون.
: اتفضل
قدمت نفسى: محمد فوده
ـ أعرف
ـ كيف ؟
ـ من ملابسك إنها ملابس أصحاب المواعيد وحذاؤك الأنيق الذى يمشى قبل جسدك
فى سرى حدثت نفسى مبتسمًا “ياه على ذكائك يا أندريه لمحتى الحذاء بدرى بدري.. ولسه الابتسامات.. أنا كنت حاجز كل شىء لطنطا خلاص بقى.
أكملت هى: كما أننا لا ننتظر أحدًا آخر غيرك محمد
ـ نعم
ـ ادخل تفضل هنا
ذهبت خمس دقائق، اختفت خلف ستارة فى غرف، بدأ القلق يرقص داخلى.. قلبى ينبض بسرعة.. عقلى يصرخ.. رفقًا يا قلب بمحمد ثم أبتسم وحدى وأعود أتامل أركان الشقة.. بسيطة نظيفة.. الجدران بيضاء.. زرع داخلى فى كل ركن.. مكتبة صغيرة.. لوحات تليفزيون يبدو أنه لم يستعمل من فترة بعيدة.. بعض التحف.. طاولة عشاء أنيقة.. شباك كبير يفتح على حديقة العمارة.. الستائر مبللة برائحة الحزن.. لونها أحمر غامق وأزرق غارق فى الحزن.. بيانو وقطة لا تسمع لها صوتًا تنام بجوار أقدام البيانو. منزل بسيط لكنه منظم تشعر فيه بهدوء، كل شىء يغيب عنه اللون الذهبى الذى يصيبك بالقلق فى منازلنا. المنزل هادئ تمامًا عكس الحى.. تشعر بالراحة الشديدة عكس مدخل العمارة. قلت فعلًا ليست كل العناوين ترشد عن الجوابات بشكل صحيح.
فجأة قطعت أندى علىَّ مسافة التخيل ورحلة التأمل، حين عادت ترتدى ملابس أخرى غير التى فتحت لى الباب بها، فستان قصير فوق الركبة أبيض عارى الأذرع به ورد كبير مرسوم.. واسع من تحت الوسط حتى فوق الركبة.. كل الفساتين بيضاء إلا فستان أندي رقة الورد فيه تنافس لونه.. يشبه فستان الفنانة ناعومي هاريس خلال مشاركتها في حفل إطلاق فيلم جيمس بوند “الشبح”، لكن اندى شقراء والفستان يشبه الجذاء لتظهر وكأنها قطعه حلوى ، وهى تجلس مقابلى تماما بجوار البيانو والقطة.. هذا البيانو المغطى من فترة على ما. يبدو من شكل الغطاء ينتظر العازف الماهر.
أنظر للمشهد وخيالى يأخذنى إلى مرقص لا يدخله أحد إلا أنا وهى فى الحى اللاتينى.. تنام على صدرى طول الليل فى أغنية بصوت فيروز فى تلك اللحظة.. صاحت بهدوء وسكبت فى أذنى كالنرجس عبارة كنت لا أود سماعها الآن.
ـالسيد لوسط يحضر فورًا الساعة لك محمد سوف يأتى
كنت أريد أن أجلس أنا وهى والقطة فقط
عادت بصوتها الهادئ: محمد ماذا تريد أن تشرب لدينا قهوة.. شاى.. نبيذ وسكى
ـشكرًا ولا شىء
كلماتى تخرج مرتبكة.. حنجرتى ترتعش.. فرنسيتى الضعيفة لم تسعفنى، كلام مهزوز فى الجو لم تنهِ الكلمة.. اهتزت الستارة الفاصلة بين طرفى الشقة.. شعرت أن جسدى يشق نصفين. بين تلك اللحظة واللحظة القادمة مسافة كبرى يا إلهى فعلًا خرج رجل ضعيف حزين على كرسى متحرك.. اهتز قلبى بصلة عينى.. ارتجفت وقفت فى المنتصف.. ثم جلس جسدى.. لا أعرف التحكم فى حركة عمرى.. إشارات مرور عقلى وقفت حمراء عند صينة مشاهدة هذا الكائن.. يالله وجه اقترب من المومياء بدأت تضيع ملاحمه.. شعره بدأ فى السقوط.. عيونه جميلة واسعة حزينة تنظر فى اتجاه محدد.. الشعر يطل من صدره أبيض كثيفًا.. يبدو أنه كان “جان” وقور .حارب كثيرًا الزمن حتى سقطتت أسلحته.. وقعت أوراق خريفه مبكرًا.. رصيف عمره قرب للنهاية: مرحبا سيد محمد

شارك
المقال السابق“نيس” وخارطة الإرهاب!!
المقال التالىرسالةٌ إلى أبي آدم : في السّلم والسّلام
عبدالرازق عكاشة كاتب وناقد مصري .اول عضو من خارج الاتحاد الاوربي و عضو مجلس ادارة صالون الخريف للفن والاداب الفرنسي اقدم صالونات الادب والفن اسس١٩٠٣،كاتب وفنان له ٢١جائزة في الفنون والنقد.. عشرة تكريمات دوليه..صدر له ٧ كتب و ثلاث روايات و ٤ كتب في النقد . كاتب منذ ١٩٩٠ بعديد من الصحف العربيه و له م....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. مقدره رائعه على جعل من يقرأ كتابتك ان تجعله يعيش وينسجم مع التفاصيل الدقيقه مع ابراز الشعوب الاسلاميه المهاجره ومابها من حاله انفصام فى الشخصيه ولاتعرف هل هى تحب الغرب ام تكرهه تحب فيه رغد العيش ومتطلبات الحياه وتكرههم وتحقد عليهم لانهم حسب تفكيرهم كفار لايحق لهم العيش فى هذه الرفاهيه وازيد حضرتك بيتا هذه الحاله موجوده فعلا فى كل مجتمعاتنا وليس المقصود بها الغرب فقط ولكن يزيد من الحاله انهم ليسوا مسلمين وتظهر هذه الحاله بين الغنى والفقير فى كل المجتمعات وسببها انعدام العدل بين الناس ولادخل للدين بها مطلقا ولكن يتم ابراز الدين لمن يحقد حتى لاتظهر له خبايا نفسه الخبيثه يغلفه بهاله دينيه حتى لايحس بالذنب وهذا ماتفعله داعش ايضا تحياتى صديقى العزيز وفى انتظار ابداع آخر

اترك رد