أبن طوكه

 
أبن طوكه.. للكاتب علي ابو عراق #شفاهيات #العراق

بعد ان خمدت السنة نيران ثورة العشرين قليلا وهدأ اوارها .وخفت جعجعة المعارك التي عمت مساحات واسعة من الارض العراقية في ثورة العشرين غرة الثورات العراقية والتي تعد من ثوراته الكبرى التي قامت بها بعض العشائر العراقية وشملت معظم المدن والشعب لمقاومة النفوذ البريطاني وسياسة ضم العراق لها عبر مستعمرتها المترامية الاطراف مملكة الهند تمهيدا لضمه للتاج البريطاني أو مايسمى دول الكومنولث، لم تزل احاديث البطولة والشجاعة والمواجهات والوقائع الكبيرة مع الجيش البريطاني هي الحديث الاثير وزاد المساءات التي يتأسى ويتسلى بها الثوار وهم يروون عن الظروف الصعبة التي حالت دون دحر المستعمر وتحقيق كامل الانتصار .. خصوصا مع الغياب الكامل لوسائل الاتصال كالراديو والتلفزيون وقلة الصحف والمنشورات .ولان اهل الفرات الاوسط قلب الثورة ومركزها هم شعب يحق لنا ان نقول انه شعب شعري بامتياز فهم موطن الأرض التي انجبت فحول الشعراء العاميين خصوصا وانتجت مختلف فنونه واغراضه وتميزت بالقول الجزل والمعنى الكثيف والمبنى الجميل للحد الذي وصف اغلب شعرهم (بالحسجه) اي الشعر الكثيف المعنى الممتنع عن الفهم دون تفكير وإلمام وخلفية اي هو الشعر النوعي او الراقي، فقد كانت دواوينهم تمطر شعرا وكوانينهم تحمص أجمل المعاني كقهوتهم الكثيفة السوداء التي هي رمز القوة والاصالة…لم تزل الثورة هي مادة شعرهم الاثيرة وطيب نجواهم واكثر صفحاتهم اشراقا واشعاعا . ومما زاد من هذا سوء معاملة الجنود البريطانيين للسكان، وانتشار الروح الوطنية وتزايد الوعي ضد المستعمر والذي كان السبب المباشر لاندلاع الثورة حيث اعتقل البريطانيون الشيخ شعلان شيخ عشيرة بني حجيم في الرميثة، وامتازت عشائر بني حجيم بحسها الوطني الكبير كاغلب العشائر العراقية ، إذ انطلقت منهم ثورة العشرين ضد الاستعمار ، وانتشرت في أرجاء الوطن كله ، إذ في اب 1920أنطلقت أول بوادر التحريض على الثورة من جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد، حيث أجتمع أعيان بغداد في الجامع، من العلماء والشيوخ ومنهم مفتي بغداد وعلى غرار حركة المفتي عبد الغني آل جميل، وتم أرسال الرسائل لبقية العشائر في أنحاء العراق، للتحرك ، وتحركت العشائر ..وعزموا على قطع خطوط سكك الحديد مابين بغداد وسامراء وذلك لقطع إمدادات الجيش البريطاني بين الموصل وبغداد وسيطروا على بعض المدن وألحقوا الخسائر بالقوات البريطانية في تلك المناطق. ثم أنتشرت الثورة في باقي محافظات العراق ودامت الثورة حوالي ستة شهور تكبدت خلالها القوات البريطانية خسائر بشرية كبيرة. وخسائر في الممتلكات تزيد عن أربعين مليونًا من الجنيهات الأسترلينية. وقد كشفت الثورة عن التضامن والنضج السياسي والإستعداد العسكري بين العراقيين آنذاك
وكان للشعر دوره الاساس والمميز في هذه الثورة إذ كانت الاهزوجة والهوسات العشائرية وشعر النساء المحرض على القتال والصمود هو اليورانيوم الذي اشتغلت به الثورة طوال المواجهات والملاحم التي سطرتها ، ومع انطلاق الرصاصة الاولى للثورة انطلقت الهوسات والاهازيج وكان لهوسات شعلان ابو الجون الوقع المدمر والكبير على الجيوش البريطانية الذي زاد على وقع المدافع والدبابات
اكلنلج يجامعة الحسن عيناج … فن كوكس اوديلي بعسكره يدناج
كون اهلج جفوج أحنه ابطرب جيناج
( خل يمن كلبج يرعيعه )
وقال الشيخ شعلان ابو الجون عندما ضغط الهجوم على العارضيات :
بي خير او يجثر عسكر وريلات … اسواريه او بيادة وفوك طيارات
ابعزم الله او عزم حيدر ابو الحملات
( يتوزع وطروح انشيله ) .
وقد رافق الشعر العراقيين كما رافقتهم البندقية طوال فترة الاستعمار، فهم ابناء ثقافة البيان التي هيمنت على حياتهم الاف السنين.. والشعر خلاصة البيان كما يقولون ………وسواء ابان الثورة وصخبها الدامي ومعاركها الحامية وصفحاتها من كر وفر…. او بعد ان القت رحلها او تجافت قليلا عن حمى القتال ، ظل العراقيون في حالة ثورة دائمة وتوتر وطني مستمروهيجان شعري وعاطفي لا يبرد ، ولم تزل صورة الكولونيالي هي الصورة البغيضة التي تقض مضاجعه وتطلق كوابيسه ..فها هو أحد العراقيين يقول حين شاهد قائداً بريطانياً من ذوله اتربّع واوينه.
او كما قالت أحدى النساء العراقيات الثائرات عندما شاهدت أبنها وقد طعنه جندي انكليزي بحربة بندقيته, ولكن أبنها لم يسلم النفس حتى عضّ الجندي من لوزته وماتا معا فأنشدت هذه الهوسة الرائعة
عفيه أبني الجاتل جتاله.
والأخرى التي شاهدت أبنها مرمياً على الأرض ميتا بعد ان قاوم العسكر البريطاني…فهوست بحماس وصدق وشعور كبير بالفخر
كل جابت خابت بس آنه.
أو تلك الشاعرة العمارية انجيده التي راحت تخاطب أبنها الشهيد ولم يمض على عرسه سبعة أيام وهو شاب لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره
عربيد اسم أمك يالهيبه.
وافطيمة … تلك الشاعرة الهائلة التي اقترب حسها الوطني وصبرها من الاسطورة.. وهي من عشيرة الظوالم التي راحت تسأل اخيها عن ابنها بعد نهاية معركة فأجابها:
جن لا هزيتي أو لوليتي
فأجابته مفتخرة:
(هزيت ولوليت الهذا) وتعني بها هذا اليوم.
ولعل الشاعرة عفته بنت اصويلح من عشيرة الازيرج كانت اقوى من صبر وجلد الجبال حينما اسر العدو ولدها وقد مروا به عليها فلما شاهدته خشيت ان يناله الجبن وربما يلوذ بالانكسار فأفهمته بالهوسه…
بسن لا يتعذر موش آنه….
فأجابها بكل فخر واعتداد : خلوني بحلگه وگلت آنه.
وظل الشعر عبر الاهزوجة والهوسة والابوذيه يرافق العراقيين عموما والفراتيين على وجه خاص ويمتزج بكرههم للاستعمار والمستعمرين .ولم ينسوا وقائعه واحداثه حتى بعد اكثر من عشر سنين عن الثورة ، ولا يتركون اي فرصة للتعبيرعن كرههم ومقتهم لهم ..بل كرس الكثير من الشعراء شعرهم للنكاية بالمحتل البريطاني وجنوده والسخرية منهم …وبعد عقد من الزمن لم يكن كافيا لكبح او تقليل مشاعر العداء للمستعمرين وكرههم……. وفي ازقة مدينة السماوة الضيقة التي راحت تستفزها وقع احذية الغزاة كل يوم لتذكراهلها بكرامتهم المهدورة ووطنهم المضاع.. وتغضن وجوههم ضيقا وجزعا….ويرتدي السوق وجها عبوسا نافرا وتغادره البهجة وجوه مرتاديه وباعته كلما دخلوا، وينرفزهم منظر قبعات الجنود الضخمة ذات الريش الملون وملابسهم الكاكي وازرارهم الذهبية وأكثر ما كان يثير اشمئزازهم بناطيلهم القصيرة التي تكشف عن افخاذ ملونة تتراوح بين الاسمر الغامق للهنود والابيض جدا للبريطانيين، …حينما يدخلون اسرابا للتبضع او لفرض سطوتهم او التفرج على المتبضعات او البائعات الريفيات كان السوق يلفه الصمت ..وتنقطع نداءات الباعة الجميلة وتتوارى النسوة عن عيونهم قدر الامكان ..وينزاح عن طريقهم الجميع ..فعصيهم لا تكف عن ضرب كل من تسول له نفسه الوقوف امامهم …وفي احد الايام دخل كلب جميل يعود الى احد وجهاء عشيرة الازيرج ..كان الرجل يعتني به كثيرا على غير عادة العراقيين او المسلمين جميعا الذين يستنجسون الكلاب.. إذ كان عزيزا على قلبه.. فكان لا يبخل حتى في غسله وتسريح ذيله الذي كان يتميز بنهاية كالكرة الصغير (كركوشه) وهذا عكس مادرج عليه الناس….كان الكلب يشم الارض لعله يحظى بما يشتهي ..وحينما رأى الكلب هؤلاء الجنود يمشون بايقاع واحد وعصيهم تروح وتجيء بايقاع منتظم ..راح ينبح عليهم بقوة وباصرار .. ..وراح يتعقبهم اينما ذهبوا وهم يهشونه بعصيهم وبنادقهم ..وربما كان هذا الكلب يشارك هؤلاء الناس في كرههم للمستعمر ..فظل ينبح ويهجم ويعيد الكرة كل دقيقة …وهم يتجافون ويزورون عن شراسته ..حتى تجمع من في السوق على هذا المنظر ..وراح بعضهم يحث الكلب ليكون اكثر شراسة وفتكا ..وكأنه يعبر عما في دواخلهم ..وبعد كر وفر انبرى احدهم بحربته وامسك الكلب من ذيله وقام بقطع جزء منه ….فظل الكلب ينبح من الالم ..وكان صاحبه اشد الما وغيظا من كلبه ..لكن الجنود الانكليزكانوا متنكبين بنادقهم وحرابهم معلقة تلمع في احزمتم أو رؤوس بنادقهم..فسكت هو ومن في السوق على مضض ..فهو كلبهم جميعا اي انه كلب عراقي في النهاية.. وانفض الناس ..ورجع صاحب الكلب الى بيته يتبعه كلبه بذيله المقطوع ينزف دما ويجأر من الالم …رجع الى بيته والاهانة تجلله حتى اخمص قدميه وغضبه يسبقه كنهر من جمر …ولكن قرار الانتقام لكلبه هو القرار النهائي بل هو المخرج الوحيد لاسترجاع كرامته (كان يحدث نفسه بألم كبير ويجهد كثيرا في السيطرة على غضبه) ..وظل يتحين الفرص بجنود الاحتلال أيام طويلة ..ويخطط ليل نهار للايقاع بهم ….ومع ثلة من ابناء عشيرته استطاع في احد الايام ان يحقق مراده فاسر اربعة جنود من جنود الاحتلال ..وأتى بهم الى قريته وجردهم من ملابسهم وامسك سيفه وهوس امامهم
عثركم تحت سيفي بخت مرزوك ابن طوكه النجيبة الما تعرف تبوك
نطلبكم بذيله يوم طب للسوك يهل النو ليش تخرعونه
واطاح برأسه وتقدم الى الثاني وهوس
شمسوي الجلب ذيله الظهر ينكص جاخليت اله منه ثلث يو نص
امه تريد دختر كبل ما تغنص من لحم الصوجر متخومة
واراد ان يطيح برأسه ولكن اقاربه منعوه من ذلك تحسبا للعواقب ….ولكنه لم يزل في ذروة انفعاله فقدم ثالثهم وراح يهوس
ابحد اهل الجلب ما صارتش ميله وانه صاحبه العيب احمل العيله
منكم راد الف صوجر فصل ذيله يتدلل واهله اجازونه
واشهر سيفه على الرابع وراح يهوس ايضا
ماتدرون بيه الزلم تدراني عكب سيفي الشاطر شاط لساني
كل يوم اليمر مرزوك ينخاني مهضوم يون واخذ ثاره
ربما كان هناك مبالغة في الحكاية …لكنه على الاقل كان قصاصا معنويا من اهل الارض الى مستعمر جاء عبر البحار لارض غريبة عنه بقصد استعمارها واستغلالها وانتهاكها ونهب خيراتها.. للحد الذي لم يسلم حتى الكلب من شره …فربما كان قصاصا عادلا لذيل ابن طوكه.

المقال السابقهنري كيسنجر، وهاجس الخوف يطارد الثعلب
المقال التالىنواة الفلم السياسي ….
علي ابو عراق من مواليد البصرة 1951، شاعر وصحفي . صدر لهما يقترحه الغياب ، من ...؟ ، نهير الليل ، باكرا ايها الغروب كتب اخرى ، مقامات الماء ، مقامات النخل ، ذاكرة البصرة ، مرويات شفاهية بجزئين، حوارات مع محمود عبد الوهاب عضو الهيئة الادارية لاتحاد ادباؤ البصرة لدورتين ، عضو اللجنة ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد