نواة الفلم السياسي ….

 
نواة الفلم السياسي ....

عرفت عجلة الانتاج السينمائي العراقي ،الفلم السياسي منذ بداياتها ،حيث تجسد الحس الوطني لدى بعض المنتجين آنذاك بأهمية السينما كسلاح فعال في تقديم الواقع كما هو ،منطلقين من إقبال الجمهور على هكذا نوع من الافلام ،كما ان وضع البلد السياسي المتقلب وصراع الاحزاب يجعل الناس على تماس مع الحراك السياسي في البلد ،هذه الخلطة جعلت المنتج العراقي والكتاب والفنانيين وبميولهم الايديولوجية او حسهم الوطني على الغالب جعلهم يقدموا على تجارب تحاكي الواقع المسيس ففي مطلع الستينات أنتج فلم ( من المسؤول؟) الذي حاول ان يعالج قضايا اجتماعية مُلغزا فيها الى تجاهل الحكومة لأوضاع المجتمع وعدم توفيرها الخدمات والفرص الجيدة للمواطنين ،وقدم الفلم شريحة إجتماعية تنتقد واقعها المعاش وبشكل جريء .

وايضا جاء فلم ( سعيد أفندي ) المخرج كاميران حسني ،يحمل بين طياته نقدا ولا يخلو من الطابع السياسي الذي يغلف الفلم رغم انه يقدم قصة معلم فقير في حي بغدادي ،فالايحاءات الملغزة والحوارات الجريئة تقودنا الى هذا الفهم وتصنيفه ضمن الافلام السياسية غير المباشرة التي تخاطب المجتمع باسلوب واقعي وعميق ولعل المشهد الذي يظهر فيه تلاميذ المدرسة وهم يفتحون بوابة المدرسة الخارجية الشبيهة بقضبان السجن واندفاعهم بشدة وقوة خارج المدرسة وهم فرحين بهذا الانفراج يؤكد ما ذهبنا اليه في تغيير رؤيا المخرج للواقع السياسي الذي يؤطر المجتمع بقضبانه الحديدية .

ذلك يجيء فلم ( الحارس ) للمخرج والممثل خليل شوقي من انتاجها عام ١٩٦٧,فلما اجتماعيا مغلفا بإطر سياسية ،الحارس الليلي ،تابع للشرطة ،لكنه ليس شرطيا جلادا تابعا لسيده ،حارس اياي لاينتمي الى الشرطة الا بالزي ولا يمارس عمل الشرطي الا ليلا للقبض على اللصوص وليس للقبض على المدنيين او المتظاهرين كما كانت ولاتزال تفعله الشرطة .انه حارس طيب وجد نفسه في ظلام ليل طويل ليس له اخر ،مليء بالرؤى والافكار ،شارد الذهن حزين رغم ذلك فواجبه ان يقدم الامن والسلام ليلا لمن يحرسهم ،وحين ينظر الى شرفات وشناشيل منازلهم يبتسم لانهم يمارسون حياتهم بامان لوجوده في الزقاق . يحمل الفلم حوارات ذكية وموحيه يقودنا لفهم الواقع السياسي الكارثي والمعاناة التي يعيش فيها ذلك المجتمع الليلي …كان للممثل مكي البدري حضورا مميز وكبير وهو يؤدي دور الحارس .

وهكذا تتصاعد مثل هذه الافلام لتصل الى فلم ( الجابي ) لمخرجة جعفر علي .واقع اجتماعي عليل من خلال رحلة في باص المدينة مع الجابي المحصل الذي يعمل في الباص وعلاقته بالركاب الذين يمثلون طبقات اجتماعية كادحة . وربما كان فلم ( الظامئون) لمخرجه محمد شكري جميل انموذج اخر من نماذج الافلام المؤطرة بالسياسية من خلال قرية فلاحية تعاني الظمأ وظلم الاقطاعي .

هكذا كانت النواة الاولى للفلم السياسي العراقي دقيقة وموحية وغير مباشرة استطاعت ان تكون وثيقة حية وشاهد على تلك الأيام .

لا تعليقات

اترك رد