الأزمات وسيكولوجية التفكير العربي الجزء 1

 
الأزمات وسيكولوجية التفكير العربي الجزء 1.. للكاتب عبد الله العبادي #شؤون_عربية

مما لا شك فيه تعتبر الأزمات والوقائع الإجتماعية من أكثر الأمور التي تحرك الفكر والتفكير للتحليل والتمحيص. فقد برهن انقلاب تركيا عن قصور في التحليل العربي الذي تعاطف مع هذا الطرف أو ذاك مستعملين القلب والعاطفة أكثر من العقلانية والعقل التحليلي لمعرفة مجريات الأحداث، تهافتت جموع المحللين والإعلاميين وبطريقة هاوية إلى نشر الخبر وأيضا تصوراتهم لتركيا ما بعد الإنقلاب.
فسواء كنا مع فكر النظام التركي أو ضده، وهل قاد الإنقلاب أفراد من الداخل أو الخارج، أو أن النظام هو من قام بالانقلاب لتصفية حسابات وتنقية المعارضين. لا يهم الموقف الشخصي بقدر ما يهم تحليل المشهد العام للواقعة بعيدا عن العاطفة وتفسير الأحداث والمجريات بشكل موضوعي وواقعي من أجل الحاضر والتاريخ أيضا.
لماذا لم يتحرر بعد تفكيرنا من ازدواجية الخطاب؟ كيف يعيش المثقف والإعلامي بوجهين: وجه للعامة ووجه للنخبة والمصالح، التفكير العربي إذن يعيش أزمة نفسية حادة تؤثر بشكل حاد على الإبداع العلمي الحقيقي ويضيع فرصة معرفة الواقع بشكل جيد ودقيق. طريقة تفكيرنا لازال يغلب عليها بقايا الموروث الثقافي المنافق الذي يتماشى مع النخبة والعامة في نفس الوقت.
فعندما نطل على هذا القعر المخيف لواقعنا العربي ندرك جيدا مدى قصور فكرنا وهشاشة تفكيرنا وصعوبة إدراكنا لما نعيشه من ويلات وتفتت وهمجية تعبر عن شرخ كبير في الفكر الإجتماعي العربي المعاصر. أظن أن لينين كان محقا حين طالب أتباعه الماركسيين في الدول المتخلفة أن يعملوا على التخلص من بقايا العصور الوسطى الكامنة دائما في تركيبة المجتمع.
فنحن لم نتخلص بعد من إيديولوجياتنا العشائرية والقبلية الضيقة لنتمكن من بناء تفكير عربي سليم بعيدا عن العاطفة والفلسفات الفضفاضة التي لا تزيد الواقع إلا تشردما. فنخبنا المثقفة تعيش خيالا خرافيا يشبه إلى حد كبير ما ساد في عصور الظلام، فهم يبنون رجالا تاريخيين من ورق ويساهمون أيضا في نسف الحقائق وطمس وقائع وبناء أهرامات من التخيل الجماعي ونشره على أساس أنه يشكل واقعنا المعاش.
فالتفكير العربي يعيش واقعا سيكولوجيا شاذا وحالة مرضية تمنعه من ممارسة نشاطه، مما يؤدي في اعتقادي إلى تصوير الفكر بأنه ساكنا ومطلقا ولا يتحرك وأنه ملك لجماعة النخبة وعلى الباقي أن يؤمن بما تمليه طبقة المثقفين. التفكير العربي في وضع حرج إذا ما تساءلنا حول مدى أصالة هدا الإنتاج في المجتمع العربي أو إذا ما قيمنا وضعيته ضمن المقتضيات الإبستيمولوجية التي تمثل الأسلوب الصحيح للكشف عن مناطق القوة والضعف في هذا الخطاب الفكري.
في كل أزمة يتبادل مثقفونا الشتائم حول موقف ما أو مشكلة ما، في حين يبكي البعض ذهاب فلان أو مجيء فلان وكأن الأفكار ملك فرد بعينه وأن لا أحد يمكن أن يعوضه. حالة مرضية شاذة تعيشها أوساط المثقفين والمحسوبين على الإعلام والصحافة بشكل كامن وضمني.
إني أتساءل كيف لعقول تشوه الواقع أن تكتب للتاريخ وتؤرخ الوقائع الإجتماعية بشكل علمي جاد؟ وكيف يمكن أن نثق في التاريخ إذن؟
الواقع كما التاريخ بحاجة إلى تدوين دقيق ومفصل وممنهج بطريقة علمية تساعد على تغيير الواقع نحو الأفضل وحفظ ماء وجه التاريخ من التشويه الذي يلحقه به جماعة من المعتوهين والمتطفلين على الحقل الفكري والإبداعي، والذين في نهاية المطاف لا يخدمون سوى أجندة فئات وجماعات ضيقة.
الأزمة التركية كانت فقط مثالا عن النزعة الفر دانية والاندفاعية التي تميز سيكولوجية العقل العربي المعاصر الذي تاه بين ما عليه فعله وما يريدون فعله به.
التفكير العقلاني الذي ساد أثينا سمحت بميلاده شروط إجتماعية ونفسية، وهو شكل جديد من أشكال التفكير وضع قطيعة مع الفكر الخيالي السائد. فهل تسمح نفس الظروف الإجتماعية والنفسية بميلاد تفكير اجتماعي عربي جديد؟ يخلص الأمة من نكباتها ويحررها من إرث ثقافي هش ويدفعها نحو تغيير جدري على المستوى الفكري والعملي.

لا تعليقات

اترك رد