البحث عن الخلاص قراءة في رواية (أحلام رخيصة) لمؤلفها د.عصام حسين عبد الرحمن


 
البحث عن الخلاص قراءة في رواية (أحلام رخيصة) لمؤلفها د.عصام حسين عبد الرحمن

يطرح الكاتب في هذه الرواية روح الإحباط التى تعيشها الأجيال الجديدة، وليس أدل على ذلك،من بداية الرواية،حيث “يوسف”بطلها مستلق في إحدى حجرات مستشفى معزول ،في حالة خوف من المرض، وتستمر حالة الرقاد في المستشفي حتى آخر الرواية،كما أن بطل الرواية معرض دائما للموت ، وقد استمر معه هذا طويلا،بل بدأ هذا المعنى،منذ طفولته المبكرة!!، فقد حشر الطعام في رقبته وكاد يقتله !!.. ويساهم فعل القئ الفسيولوجي الذي يتكرر في الرواية،في تأكيد الحالة شديدة الوطأة التي تعصف ب”يوسف”، وبخاصة عندما يظل يتخيل موت “مريم” الصبية البريئة الجميلة التي أحبها بكل مشاعره ،أحب الناس إلى قلبه، مما يصدر القلق إلى القارئ. ويحس “يوسف” بأن اصدقاءه متوترون. وأنه هو نفسه (بيت بلا عنوان) _ص18.
والإحباط يمثل أزمة خانقة تصيب البشر ،وتؤثر على حالتهم النفسية، ويحسون بمدى تعرضهم لضغوط الحياة بمشاكلها المتراكمة،في مقابل العجز والفشل، وعدم القدرة على حلها،كما أن الإحباط يسبب هبوط المعنويات وشعور الإنسان بحالة عدم الثقة في النفس بل قد تصل المسألة إلى الكآبة والإحساس بالغبن وعدم الجدوى.
ويظل التجسيد الرمزي لمعنى الإحباط مستمرا بطول الرواية من خلال الكوابيس العديدة التي تهاجم البطل في أثناء نومه أو صحوه ،ولعل هذه الكوابيس كانت السبب في وضعه الحرج عندما يصبح عرضه بسخرية التلاميذ ،زملائه في فصله المدرسي.
والأب في هذه الرواية يواصل توجيه الاتهامات لابنه يوسف بطل الرواية،فيتهمه منذ الطفولة المبكرة بأنه كان السبب في موت إخوته،ويتهمه في الكبر مثلما يحب الآباء أن يتهموا أبناءهم بضعف رجولته!!
يشعر بطل الرواية في مواضع عديدة ببعثرة العمر ،وبالجنون المتربص به ص9، ويحس بما يحس به كثير من شباب المصريين من مشكلات اجتماعية أليمة، فهناك على سبيل المثال وكما كان واضحا في الرواية كان هناك شعور بضعف الروابط بين أفراد الأسرة ، وهذا ما يمكن ان يعكس ضعف الروابط الاجتماعية بين الناس وضعف التكافل الاجتماعي في المجتمع كله ، وهو ما يؤدي إلى حالات الانحراف، والإحساس الحاد بالاغتراب ومختلف السلبيات الاجتماعية الشائعة في حياتنا اليوم مثل الشعور بالوحدة والأنانية والغفلة والقسوة ،فالأم في هذه الرواية على سبيل المثال بائسة وتلقى أسوأ معاملة من زوجها، لا مكان لنومها سوى على الأرض الإسمنتية صيفا وشتاء !!
ولعل هذه الحالة النفسية الرديئة هي التي كانت السبب من وراء فشل حملها،وسقوط أجنتها،وعدم قدرتها على الاحتفاظ بهم حتى النهاية.
ويوسف نفسه كان يعاني من علاقة شديدة السوء مع والده القاسي العنيف غير المتواصل معه ،من خلال أي نوع من التواصل ،مما جعله من خلال مرحلة الطفولة يلجأ مرتعبا الاختباء في الحمام إلى أن ينام الأب، هربا من التحقير والاعتداء بالضرب.
وقد عانت أسرة “يوسف” أيضا من رضوخها للمعاني الغيبية التي تسيطر على البسطاء في المجتمع،مما يؤدي إلى شيوع وانتشار فكر الخرافة والغيبيات والدجل والشعوذة، ودائما ما يلجأ للبسطاء لها عندما يفقدون القدرة على الحصول على أبسط احتياجاتهم في الحياة ، وقد تابعنا في الرواية كيف تضطر الأم أن تطوف بابنها”يوسف” الأحياء والحواري والموالد والأزقة لتتسول به (لتحميه من الحسد)، وقد ألبسته الثياب الممزقة الرثة ،خوفا على ابنها من الموت والحسد، متصورة أنها هكذا تعبه الحياة !!!
والقهر الاقتصادي هو الذي يدفع بالبطل أن يترك وطنه للعمل في إحدى دول الخليج ، وسفر المصريين للعمل خارج وطنهم ظاهرة جديدة حدثت في الفترة الأخيرة لأول مرة منذ قرون طويلة، بسبب المشكلات الاقتصادية التي تفشت ، وقد ترتب على هذا مجموعة من التغيرات في حجم وشكل المجتمع وطبيعة تكوينه حيث تطرح هذه القضية إشكاليات اقتصادية وسياسية واجتماعية عديدة على مستوى المجتمعات المصدرة للعمالة بوجه خاص، وتؤدي إلى نتائج كثيرة سواء كانت نتائج ايجابية أم سلبية وهناك مقاطع يقارن فيها “يوسف” بين المطار المصري ،والمطار العماني ، أو يقارن بين الوطنين ، أو بين الأحياء التي عاش بها في الوطنين،فقد يعتري هناك بين الكلمات البطيئة والحلي الكثيرة،بل وقد يحس بالكوابيس فيحلم بالأفعي المتوحشة التي تفح،أو كوابيس الحدأة التي تخطف الأطفال،أو يتوه بين الجبال الرملية أو تكاد الأرض تبتلعه فيعرف في الأحلام الرخيصة ،التي نسج منها عنوان الرواية،وهناك أيضا القهر العسكري الذي يتمثل في صورة قتلى الحرب البشعة التي تتصدر الجرائد ، والدم المسفوح على الأرصفة .
وبإزاء كل هذا القهر يغرق البطل في علاقات نسائية عديدة ،منذ الشباب المبكر ،سواء كانت حقيقية أو متوهمة ، وهذا يمثل رد فعل على الشعور بالضياع ، وبأنه محروم من كل شئ،من المتعة، ومن المال، ومن الحب ، ومن الحياة ص13.
فعلاوة على مريم يحب راوية، ويحب فتاة عمانية، وفتاة أخرى سورية هي “روز” ، وكلها علاقات محكوم عليها بالانتهاء ، وكما قالت الرواية في نهايتها :(كيف لمفقود أن يبحث عن مفقودين ?)ص48.
ولتأكيد هذا المعنى تتعمد الرواية أن تقدم هذا المشهد المطول لوداع “روز” في المطار ص42، وبسبب هذا القهر يلجأ “يوسف ” إلى أصدقائه ، ومعارفه لينال منهم العون فيأخذ من “سامي” نقودا ، ويتغذي عند “أكرم” ، ويتعشي عند “حسني”، ويعده “هاني”. برحلة مجانية للأسكندرية في ميناء أبي قير !!.، وفي الرواية مشهد جميل ليوسف وأصدقائه، تجمعهم صورة فوتوغرافية تبقي للذكرى.
والبطل دائم البحث عن الجمال ، والإنسان بشكل عام دائم السعي للبحث عن كل ما يجمل الحياة ، ويجعلها مقبولة ، وكل ما يبعد الشرور والإحباط والقبح، وهو يبحث عن الجمال رغم أنه يواجه بالاتهامات وبأصناف القهر،بل ولبعض المواقف العبثية الغريبة عندما يتهم أحدهم مثلا “يوسف ” بأنه يطارده!! ،أو عندما تسقط “ساعة” في تجمع حولها البشر ويحطمونها بأحذيتهم وهذه الحالة معروفة جدا في علم النفس الحديث كمعادل لحالة السادسة الشديدة التي قد يصاب بها البشر من حيث لا يريدون في مجتمع يحرمون فيه من أن يتحققوا

لا تعليقات

اترك رد