حانة ومانة

 
حانة ومانة

تتلخص حكاية المثل الشعبي الموروث ( بين حانة ومانة ضاعت لحانا ) بأن رجلا تزوج بامرأتين إحداهما اسمها حانة والثانية اسمها مانة وكانت حانة صغيرة في السن عمرها لا يتجاوز العشرين بخلاف مانة التي كان يزيد عمرها على الخمسين والشيب قد غطى رأسها ، فكان كلما دخل الى حجرة حانة تنظر الى لحيته وتنزع منها كل شعرة بيضاء وتقول ، يصعب علي عندما أرى الشعر الشائب يلعب بهذه اللحية الجميلة وأنت مازلت شابا ، فيذهب الرجل الى حجرة مانة فتمسك لحيته هي الأخرى وتنزع منها الشعر الأسود وهي تقول له ، يكدرني أن أرى شعرا اسود بلحيتك وأنت رجل كبير السن جليل القدر .

ودام حال الرجل على هذا المنوال الى ان حانت منه نظر الى المرآة يوما ففوجىء بشعر لحيته وقد نتف معظمه فأمسك بالقليل المتبقي منه وهو يندب حظه وأطلق عبارته التي ذهبت مثلا بين حانة ومانة ضاعت لحانا ) .. يذكرنا هذا المثل بأفعال وممارسات تحصل اليوم في عراقنا الجريح ، حيث يختلف البرلمانيون على قضية اعادة النظر بالدستور أو قرارات الغاء المادة 4 إرهاب وقانون العفو والغاء المساءلة والعدالة ( الاجتثاث ) أو اعادة النظر بالبطاقة الغذائية التموينية ، وصولا لإعادة النازحين الى ديارهم وتفاصيل التعويضات والمنح ، واعادة ترسيم الحدود بين محافظتين عراقيتين متجاورتين !! ، وكذلك مايتعلق باعادة العمل بقانون الخدمة العسكرية الإلزامية وحل الميليشيات والمجاميع المسلحة ودمجها ضمن تشكيلات وزارة الدفاع ، أضف الى ذلك سعار الداعين واللاهثين وراء التقسيم الذي سيجهز على وحدة ووجود العائلة والمجتمع والبلاد ، ليس هذا فحسب ، بل يتعدى الأمر الى ترسيم سياسة علاقات العراق بالدول الذي يتم أحيانا على وفق نوازع تأريخية مصلحية أو مذهبية تستلب من الوطن والمواطن حقوقا ومزايا ، وحتى الدول الكبرى التي تختلف في الظاهر وتتفق في الباطن على قضايا مصيرية تخص العراق ، وقضايا عديدة مختلف عليها ولم تحسم للآن ، ويبدو أنهم متفقون على أن لايتفقوا ، وفي كل هذا وذاك يكون الوطن والمواطن الخاسرين الأكبرين .

ان قضية تقرير مصير الشعب لايمكن ان تترك لمن تسلم مقاليد الحكم وهو كالنملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، بل يتحتم ان يقول الشعب كلمته بعد كل هذا الضيم والتضحيات الجسام التي قدمها ومايزال ، عليه أن يتعامل بجدية يمتلك معها ارادته الحقيقة التي تتلاءم مع استحقاقاته المشروعة من خلال استعادة ثقته بنفسه ووعيه ، لاسيما وعالمنا يعيش اليوم ثورة معلوماتية وخاصة في مجال الاتصالات ، بحيث يتمكن من الاطلاع على كل مايحدث في العالم ويدرك ماله وماعليه ، فقد آن الأوان ليأخذ مكانته الصحيحة بعيدا عن نوازع الدين و المكونات والمذهب ، وأن يتجرد من كل الآثام والعقد والمعتقدات البالية ، ويكون عراقيا خالصا يضع مصلحة البلاد والعباد نصب عينيه ، وبالمقابل فإن على دعاة الديمقراطية أن يصدقوا مع شعبهم ولو لمرة واحدة ويمنحوه حيزا حقيقيا و موضوعيا لممارستها التي هي حق من حقوقه الأساسية ويتداركوا أمرهم قبل أن تضيع لحى الجميع بين …حانة ومانة .

لا تعليقات

اترك رد