الاصلاح والحلقة المفقودة

 
الاصلاح والحلقة المفقودة

نقلت الاخبار الينا ان نداءا من اردوغان عبر مكالمة هاتفية مع قناة (ان تي في ) التركية الى الجماهير ، افشل الانقلاب واعاق حركة الدبابات واوقف قصف الطائرات، ومن ثم ادى الى استسلام الانقلابيين، ولسنا بصدد الحديث عما جرى في تركيا فذاك شانهم، ولكن ما اثار دهشة العالم باجمعه، مؤيدي اردوغان ومعارضيه، هو ليس قدرته على اثارة الناس وجعلهم يحبطون محاولة الانقلاب، بقدر ما أثارهم سرعة استجابة المواطنين ووقوفهم امام قوة الجيش المنقلب ودباباته واسلحته، شباب يفترشون الشوارع امام الدبابات لارغامها على التوقف، واخرين يعتقلون الجنود المنقلبين ويعتلون دباباتهم ويجردونهم من اسلحتهم غير مبالين بما يمكن ان يحصل لهم لو حدث ان فتح الانقلابيون النار عليهم كما حصل فعلا في بعض الاماكن، لم يوقفهم الخوف ولم تردعهم الاسلحة، ولم يكن الدافع هو حب اردوغان، فليس كل الجماهير التي خرجت كانت من انصاره، بل كان الجميع ينتصر لتركيا الوطن والامة، وضع الجميع خلافاته جانبا، حتى احزاب المعارضة التي كانت تقتنص الفرص للاطاحة باردوغان عبر الانتخابات، وقفت الى جانب تركيا الوطن وديمقراطيتها وشرعيتها لحظة ان تهددت بحركة لايمكن لاي عاقل ان يتوقع شيئا عن المستقبل فيما لو كتب لها النجاح..

الاتراك ومنهم المعارضين الذين خرجوا بالالاف في انقرة واسطنبول قبل اشهر مطالبين باقالة اردوغان، يعرفون ويدركون جيدا ان وضع تركيا الحالي هو مسيرة تتقدم الى امام يوما بعد يوم، ليس بفضل اردوغان وحزبه بل لانهم امة عرفت طريقها وهيأت المؤسسات والاجهزة الادارية الرصينة والكفوءة القادرة على ادامة التقدم والتطور والبناء، ولو حصل ان تولى اي سياسي تركي رئاسة الحكومة وليس اردوغان لكانت النتائج واحدة مثلما هي الان من تطور وتقدم وتحسن اقتصادي بفعل الارادة الوطنية والمؤسسات الرصينة والرقابة البرلمانية والمعارضة البناءة والصحافة الكاشفة والمتابعة، فالشعب التركي حين خرج لمقاومة الانقلاب وافشاله، لم يخرج حبا باردوغان كما قلنا، بل تمسكا بالحقوق والحريات التي حصلوا عليها، وحفاظا على الانجازات التي تحققت عبر مسيرة الديمقراطية التي استقرت وتصلبت منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وان الانقلابيين وان وعدوا بالكثير للشعب التركي الا ان حركتهم بنظر الشعب الواعي المتفهم هي سلب لحريتهم ومصادرة لاصواتهم ورميهم في غياهب المجهول الذي حتى وان وعد بالخير الا انه لن يكون مضمونا كما هي ضمانات ديمقراطيتهم وصناديق الانتخاب..خلاصة كل هذا، هي ان الشعب الواعي والحريص والمتفهم لحقوقه ولواجباته قادر على ان يصون نفسه ويحمي مستقبله ومستقبل اجياله..

اسوق هذه المقدمة لاسال نفسي والقراء ايضا: بماذا نختلف نحن العراقيون الذين يحلوا لنا دائما التغني بتاريخ طويل وبحضارات عديدةعن الشعب التركي، ابناء الجنوب علت اصواتهم هذه الايام ليقولوا نحن ابناء سومر واور، وابناء الشمال يقولون نحن ابناء اشور، واخرين يقولون على استحياء نحن احفاد حمورابي ونبوخذنصر؟.. ولكن بماذا نختلف عن الاتراك وهم امة تشترك معنا في تفاصيل كثيرة كالدين والتاريخ والاعراف والتقاليد، بل حتى الطعام والشراب والاركيلة، ناهيك عن تشابه الاسماء ايضا؟..

الاتراك لم يرتضوا ان يقدموا وطنهم ويرهنوا مستقبلهم بيد حفنة من الضباط وان كانوا من ابناء جلدتهم، فالانقلابيون اتراك اولاد اتراك، في حين قدم العراقيون وطنهم بكل ثرواته ورهنوا مستقبلهم بعد مسيرة حافلة من التضحيات وانهار الدماء وقوافل الشهداء من اجل الاستقلال، لكل من هب ودب، فهذا ايراني وذاك بريطاني واخر سويدي ودنماركي والخ..

ربما يبرر البعض قبول العراقيين بالاحتلال كحل وحيد كان متاحا في حينه للخلاص من الدكتاتورية، وقد نتفق او نختلف معهم الا ان السؤال الاتي قد يضعنا امام واقع اخر: اذا كان العراقيون حريصين على حريتهم فساندوا الاحتلال لاجلها، فاينهم الان بعد ان سلبت ليس حرياتهم فقط بل كرامتهم وامنهم ولقمة عيشهم وثرواتهم ومستقبلهم ومستقبل اجيالهم؟.. فاذا كان الدكتاتور لم يسمح لهم بالحركة والفعاليات واعلاء الصوت والمناداة بالحقوق فاستعانوا بالاجنبي فهم اليوم قادرين على التظاهر والاحتجاج والثورة الحقيقية الجادة كما هم ابناء تونس ومصر، فمالذي يؤجل كل ذلك؟..

لايحق لنا الحديث عن حضارات مضت، فلا يشرف حمورابي ونبوخنصر ان نكون احفاده، ولا يشرف الامام الحسين ان نكون شيعته، ولايشرف عمر الفارق ان نحتمي بعدالته وندافع عن تاريخه.. نحن عبيد الدرهم والسوط، شعب متكل على الخرافة وعلى معاونة السحرة والجن، شعب يخسر يوميا وبكل سرور العشرات من شبابه من اجل إسعاد حفنة من العملاء والسراق والاغبياء والمأجورين..

وامام صورة الشعب المصري الذي رفض الذل وحكم الاخوان المتخلف السلفي الطائفي، وامام موقف الشعب التونسي الذي هب في يوم واحد مناصرة لشاب عاطل احرق جسده احتجاجا على الظلم، وامام الشعب التركي الذي إحتشد خلال ساعات قليلة فقط ليحمي نفسه ويصون دولته، نكون نحن العراقيون صفرا الى الشمال في قيمة الشعوب المعتدة بنفسها وتاريخها ومستقبلها، فلا كارثة اكبر من اصغر مما مرَّ به العراقيون، من سبايكر الى الصقلاوية ومن ثم مجزرة الكرادة، ناهيك عن السرقات اليومية المكشوفة للثروات والاموال .. هناك شيء مفقود في حلقة الوطن العراقي، شيء يتعلق بالضمير الانساني وروح المواطنة..

لا تعليقات

اترك رد