حفلة تعارف صغيرة على شرف ما كان وما سيكون

 
حفلة تعارف صغيرة على شرف ما كان وما سيكون
لوحة للفنان احمد صبيح

في الحقيقة كان الكاتب يعاني من عدم القدرة على التركيز. وما لم يكن يريد الاعتراف به أنه يعاني من أزمة الفشل.
فكلّما نظر إلى مخطوطة روايته الأولى الموضوعة في الدرج منذ خمسة عشر عاما، أو نظر إلى النسخة مجموعته القصصية البكر التي أهداها إلى ابن عمّته الموظّف في مكتب البريد، وقد مهرها بتوقيعه ومعه إهداء لطيف، من دون أن تتحرّك من موضعها في الركن الأيمن من مكتبه ما بين الدبّاسة ورزمة الصحف القديمة منذ أربعة أشهر حتى يصاب بالإحباط والخيبة.
لنترك صديقنا الكاتب يعاني خيباته وآلامه في صمت محتسيا قهوته مراجعا قصيدته ولنعد إلى مريم التي تسقط الآن في البئر.
لعلّكم تتساءلون كيف نعرف بأنّ الشيء الساقط توّا في البئر هو مريم، وهي الساقطة في جنح الظلام في قلب البئر المعتم.
لنتفق على شيء، قبل أن نتحوّل بدورنا إلى بتلات ساكورا تذروها نسمات الربيع.
نحن الآن في ذلك العالم من الأفكار الهاربة من مؤلّفها ذلك الشاب الكسول الذي لا يجيد سوى التذمّر.
في ذلك العالم بالذات تتبرعم الحكايات. وهي قصص جديرة بأن تتلألأ وتزهر، ولكنّ ذلك الشخص المصاب بخيبات مزمنة هو في الحقيقة غير قادر على تصفية ذهنه والتحليق لأكثر من عشر دقائق خلف سرب الأفكار التي تتجوّل في سماء فكره.
ولذلك، وحرصا على حياته قبل أن تتحوّل شحناته السلبية إلى أفكار عدوانية، قرّرنا نحن الممضون أسفله، أن ندخل إلى مخزن الحكايات وننتقي منها ما نشاء، قبل أن تهجره بشكل نهائي.
إن كنتم تتساءلون كيف عرفنا بأن الشيء الذي سقط للتوّ في البئر هو جسم مريم.
الإجابة سهلة ومنطقية.
من بين كلّ الشخصيات التي راودت كاتبنا في قصصه الافتراضية، يوجد شخص وحيد يتميّز بجمال أخّاذ وبشرة بيضاء مشرقة يجمّلها تورّد خدّيها ونضارتهما. إنها مريم.
أما ذلك الشخص الذي بدأ وقع خطواته يبتعد عن حافة البئر وابتلعه الظلام، فما زلنا لم نتعرّف عليه بعد. وهو على كلّ حال لن يبتعد كثيرا. ففي دماغ الكاتب خريطة يمكن تتبّعها، وسنتوصّل إليه في حينه.
انتظروني مع الفصل الثالث بعنوان ” مريم تتحدث”

المقال السابقساحة الحرب
المقال التالىالاصلاح والحلقة المفقودة
روضة السالمي صحفية من تونس. حازت على الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل لسنة 2009، المركز الأول عن مسرحية "غيمة الأحلام الدائرية". لديها قيد الطبع: مجموعة قصصية "أبعد من اللون" عن دار زينب للنشر والتوزيع و مجموعة قصصية الكترونية "لاشيء في السماء مجموعة مسرحية الكترونية: عصابة جندب ومسرحيات أخرى ل....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد