أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة: ميتافيزيك ودين (٣)


 
أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة: ميتافيزيك ودين (٣)

لعلّ الخطأ الكامن في بعض ما نقرأه من لاهوت وفكر وفلسفة يندرج في إطار التّوعية والإرشاد والنّصح، بدل الغوص في النّفس الإنسانيّة لاستفزاز مكنوناتها بغية الوصول إلى المشكلة الأساسيّة. التّوعية الاستباقيّة جيّدة، والنّصح والإرشاد عملان يدعمان الخبرة الإنسانيّة النّظريّة. وأمّا العمل على تفكيك الخطوات الإنسانيّة المؤديّة إلى المشكلة فهو الأهمّ، وبالتّالي تنكشف الذّات أمام الإنسان وتتّضح الرّؤية ويسهل العلاج. وحتّى لو لم نصل إلى نتيجة إيجابيّة حتميّة، نكون على الأقلّ قد تلمّسنا الدّافع لفعل الشّر أو ما يسمّى بالخطيئة. والمفكّر المبدع هو ذاك الّذي ينبثق منه الفكر كالنّور فيدخل الأعماق الإنسانيّة ليكشف خباياها، فتعلن ثورة على جانبها المظلم لترفع من شأن إنسانيّتها العظيمة.
وإذ نحن بصدد قراءة وكتابة أنسي الحاج، تتّضح لنا قدرته على سبر الأغوار الإنسانيّة الّتي قد نغفل عنها أو نخشى الولوج فيها. وإذ نحاكي الفكر الأنسيّ نعيد قراءة ذواتنا، وفكرنا، وخبراتنا، بل حتّى ماهيّة إيماننا على ضوء هذه الثّورة الفعّالة.
يقرأ أنسي الحاج الكتاب المقدّس على ضوء إنسانيّته وخبراته ما يمنحنا آفاقاً واسعة تساعدنا على تفكيك عناصرنا الإنسانيّة وتذهب بنا إلى أهمّيّة الحضور الإنسانيّ في الكتاب، والانطلاق منه لفهم تعاملنا مع الله والعكس صحيح. والومضات الفلسفيّة الكائنة في النّصوص تعمل كمحرّك للعقل والنّفس بغية إيقاظها من ثبات الفكر الموروث والتّقليدي كي تتمكّن من الانطلاق والتّحرّر. كأن نقرأ لأنسي في كتاب “كان هذا سهواً” الفقرة التّالية: “هنالك بعض الرّغبة الشّريرة في كلّ ارتماء وكلّ تجديد، لعلّها تشبه ما كان يعتمل في النّفس أثناء عبور حوّاء وآدم من الباب الشّرقي في الجنّة إلى أسفل الصّخرة، في السّهل المنخفض، حيث قادهما الملاك المرافق إلى هناك بداية المنفى، واختفى”. (1)
لقد قرأ اللّاهوتيّون في سلوك حوّاء وآدم عدم طاعة لله سبَّب دخول الخطيئة والموت إلى الإنسانيّة. لكنّ أنسي الحاج قرأ في سلوكهما رغبة ما في التّجديد. وهنا الحديث على المستوى الإنسانيّ العام، لأنّ كلّ تجديد أو كسر للمألوف هو بمثابة ثورة تفترض التّحرّر من التّقليدي، أو الموروث، أو نزعة إلى تحقيق الذّات بالذّات بعيداً عن الله. وهنا أصل الفكرة، ومبدأ الحركة الإنسانيّة، والرغبة في الجديد حتّى ولو كلّف الأمر الخروج من الجنّة. لعل “الجنّة” ترمز هنا إلى حالة الرّكود، والاستسلام، والقبول اللّا إرادي، و”أسفل الصّخرة” مبدأ التّجديد والخروج عن المألوف، و”الملاك الّذي رافق واختفى” يرمز إلى احترام الحرّيّة الإنسانيّة الباحثة عن نفسها.
ويكمل أنسي ليتوغّل أكثر ويثور أكثر فيقول: “لو قهر قايين قهره من تفضيل الله هديّة أخيه هابيل على هديّته، لحوّل غيرته إلى اعتمال داخلي، ولعلّه كان شيئاً فشيئاً سيتعالى في نظر الله، وربّما سيلجئه إلى مراجعة الذّات كما حصل مع أيّوب.” (2)
تصرّف قايين بعفويّة دون أن يخفي قهره وغيرته فأتى تصرّفه عنيفاً قاسياً. تحامل على الله وعلى أخيه. إلّا أنّه بحسب أنسي الحاج لو أذلّ هذا القهر لتبدّل الأمر وراجع نفسه وعدل عن فعله الشّرّير. وفي هاتين الفقرتين يركّز أنسي الحاج على السّلوك الإنساني الانفعاليّ الّذي أدى إلى الخطيئة بحسب النّصوص الكتابيّة. ولو أنّهم أخفوا هذا الانفعال وخرجوا عن طبيعتهم الإنسانيّة أو بمعنى أصحّ عن حرّيّة التعبير الانفعالي، بمعنى آخر أظهروا عكس ما يضمرون لاختلف الوضع كلّه. “كان ينقص روّاد الخطيئة والمحمّلين مسؤوليّة تأسيس موتنا (آدم وحوّاء، قايين…) مهارة في التّمثيل تلجم عفويّتهم ولا تفضحهم أمام الخالق…” (3)
والفكرة العميقة المتجليّة في الفكر الأنسي تكمن في الإيعاز إلى روّاد الخطيئة الحقيقيّين في العصور الحديثة، الّذين يبرعون بالتّمثيل، ويظهرون عكس ما يضمرون، ويخفون انفعالاتهم بمكر وخداع. ما يحيلنا إلى قراءة أخرى لسلوك آدم وحوّاء وقايين، قراءة إنسانيّة تظهر الفرق الشّاسع بين السّلوك الانفعالي والسّلوك الماكر أمام الله. فالأوّل بحسب أنسي أخفّ وطأة من الثّاني. السّلوك الانفعالي حالة آنية ومؤقّتة وينتج ما ينتج عنها من سلبيّات وشرّ، لكن يليها الشّعور بالنّدم والأسف. وأمّا السّلوك الماكر الّذي يضمر في داخله الشّرّ في حين أنّه يظهر التّقوى والورع يخطّط لموت شامل وتام على المدى البعيد. “ما كانت الواقعة لتقع بهذه السّهولة لو تعامل الله في بدء الخليقة مع باطنيّي العصور الحديثة”. (4). وتبدو هنا ثورة أنسي الحاج باتّجاه الله الّذي برأيه تعامل مع سلوك انفعالي، ما لا يمكن أن يحصل اليوم في ظلّ القدرة العالية في أداء البعض، وبراعتهم في إخفاء ما في نفوسهم من حقد وضغينة.

لا تعليقات

اترك رد