بلقيس

 
بلقيس.. للكاتبة وداد معروف #مصر #قصص
لوحة للفنان سرور علواني

استيقظ من نومه مبتسما , فمازال يستشعر دفئها و يغمره سحرها ,جلس نصف جلسة أسند رأسه لقائم السرير , يقطف من حلمه الجميل وعند قطفة لذيذة قال : ماذا تريدين منى يا بلقيس ؟ كأن شمسا طلعت من بين الأمواج أضاءت عتمة عمرى , كان عناقا رطبا حانيا صحوت فلم اجدك بين يدى . عدت مرة أخر تسبحين وتركتنى ؟
وقعت عينه على المنبه قام مسرعا ليلحق بعمله , تترائى له يتابعها . رفع صوت المذياع ففاتنته ستشغله عن الطريق بتثنيها المغرى , ألقى السلام على زملائه , لمح من بعيد امرأة ذات قوام سمهرير ..اقترب فالتفتت للقادم . نظرة واحدة لوجهها أدخلته مرة اخرى لنفس الأجواء التى استيقظ منها , أفاق على صوتها تسأله : حضرتك الاستاذ زياد مدير المؤسسة ؟
صمت ليسمع هذا الصوت مرة أخرى , أعادت السؤال , قال لنفسه ” هو صوتها بنغماته الطروب ”
_ نعم أنا هو سيدتى
أشار لها لتدخل وقرب لها المقعد ترك مكتبه وجلس قبالتها , لم يصدق ” تركتها تسبح بلباس البحر ” هل تبعتنى الى هنا أيضا ؟ تطورت حالتى فصرت أهذى بحلمى فى يقظتى ! ماذا لو دخل على أحدهم ووجدنى أحدث نفسى ؟
لاحظت صمته وسرحانه فقالت وهى تخرج من حقيبتها ورقة : أستاذ زياد هذا خطاب نقلى الى مؤسستكم أرجو أن تعتمده , قربته من يده امسكه وهو يحدث نفسه ” ليس حلما اذا فهذه الورقة مستند على ذلك , اذا وجدت بلقيس أخيرا
بضحكة مشرقة رحب بها قائلا : أهلا بك أستاذة بلقيس …هز رأسه مستدركا ..آسف أستاذة رضوى , أنت اضافة للمؤسسة . ماذا تشربين ؟
لا ..لا ..لا شىء أشكرك
دخل الساعى قال له احضر كل ما عندك من مشروبات الآن
ضحكت مندهشة وقالت : لم كل هذا ؟ يكفى كوب من الشاى
ظل يتحايل لعينيها طويلا ويقارنها بأنثى أحلامه , لم تختلف عنها فى تقسيمة واحدة كلها هى اسطورة أحلامى , نفس الجمال الملكى السامى تام الحسن , حتى جلستها جلسة ملكات . كلما رشفت رشفة من الفنجال تشرب منها بعينيه , استبطأت توقيعه , أحس بتململها فأسرع ووقعه , ناولها الإقرار وهو يقول :سعدت بوجودك يا بلقيس !
ضحكت مستغربة الاسم , أما هو فلم يستغرب ضحكتها المموسقة , تطرب ليله دائما هذه الضحكة, مضت تتبعها عيناه حتى غابت , ولم يكن عاديا أبدا أن يلتقى بلقيس بعد كل هذه السنوات ويتركها , فخلق الحجج والمبرارات ليكون قريبا منها دائما , لم تبتلع هذا الاقتراب و لا ارتاحت له أبدا . فاهتمامه بها لفت انتباه زملائها , ما ان يدخل المكتب حتى تحاصرها الاعين , ثم ما هذا الاسم الذى يصر على مناداتى به ؟ ومن هى بلقيس تلك ؟ هل هى زوجته توفيت ويرى فىّ شبه منها أم حبيبة فارقته ومازال يحتفظ بملامحها فى عينيه , صممت أن تفاتحه فى كل تلك المؤرقات
بينما كانت تنهى بعض الأوراق فى مكتبه وهى تهم بالانصراف ناداها : بلقيس انتظرى أريد أن أتحدث معك
قالت باعتزاز: أنا اسمى رضوى لست بلقيس
وضع عشقه كله فى عينيه وهو يقول : أعرف … و أعرف أنك تتعجبين من مناداتى لك بهذا الإسم , وقد لا تصدقينى لو قلت لك أنى أعرفك جيدا وأحفظ ملامحك هذه قبل أن أراك . حينما جئت هنا لأول مرة كنت رأيتك قبلها ألف مرة
رفعت حاجبيها باندهش وقالت : لقد زدت الأمر تعقيدا وإلغازا
وستزيد حيرتك لو أخبرتك أنى كنت أنتظرك وعندى ثقة أنك ستأتين يوما ما . حتى صار انتظارك متعة لى وطقس من طقوس قليلة تسعدنى
بصوت هامس كسول قالت : كل هذا الانتظار لى أنا , أسطورة لشاب مثلك ! بينى وبينك فارق عمر كبير
أما أنا فأراك عروسا لم تذهب برونقها الأيام
كيف ؟ وأنا ارملة وأم لصبيتين ! لكنى أراك بغير العين التى ترانى بها
وهو ينظر لفمها الجميل وهو يساقط الألفاظ قال : رضوى دعينى أحبك . ..دعينى أراك ..أتأملك
لملمت الأوراق من أمامه و هرولت سريعا الى الباب , تحاشت لقائه بعدها , تدس رأسها فى الأوراق فى موعد زيارته اليومية للقسم , لاحظ هروبها منه , أتعبه صدها وأبوابها الموصودة , فأرسل لها على هاتفها : سأظل أحبك حتى يشيب شعرى وينحنى ظهرى و تتجعد ملامحى .
توهجت الرقة التى تسكنها , لكن ظل عقلها يرفض هذه المشاعر , لم يدر بخيالى يوما ما أن أكون أنثى أحلام لشاب فى هذه السن , يقترب من الثلاثين بينما أنا فى بداية الأربعين , لست من هؤلاء النسوة اللاتى يجدن فى هؤلاء الشباب تجديدا لأعمارهن , لن أدعه يسترسل فى مشاعره
نطق تليفونها بنغمته وجاء صوته كوشوشات القمح : لم تهربين منى يا بلقيس ؟
بصوت نحاسى قالت : لتنجو منى وأنجو منك
هل تظنين أنى لا أقاوم يا بلقيس ؟
مصمم أنى بلقيس
هل عندك شك ؟ والله أهرب منك هروب الجبناء وانا أكره الجبن , مهلا على يابلقيس لا تستعملى قسوتك
لمستها الكلمات فقالت : ما فيها لتفتن بها ؟
وجاء سؤالها أغنوجة له فقال : هى صاحبة القصر المرصود هى عشتار ونفرتيتى هى بلقيس , هى معى فى حلمى كل ليلة , كل ليلة يا بلقيس !
بشغف قالت : كيف تكون ؟
أبحث عنك فى جنبات الأرض حتى أجدك على موجات البحر أجرى إليك فأدثرك بما البس . فتنظرى لى فتشرق شمسك يا رضوى فتدفئنى وتهدهدنى وأعانقك بقوة حتى لا تتركينى مرة اخرى
اختلجت مشاعرها لم تعد تدرى ما تقول له , امتلئت نشوة و أحست ألق اللحظات الحلوة , أبت ان تسترسل فيها , صوت عقلها يعلو شيئا فشيئا , لن أدعه يسبح فى قوارب أحلامه . لن أصد مشاعره اليوم لكن سيكون أمرا آخر غدا
وفى الصباح كان طلب نقلها على مكتبه ينتظر التوقيع

المقال السابقإنّ بعضَ الشّيءِ عشق 
المقال التالىمع وضد
وداد محمود معروف , خريجة اعلام جامعة القاهرة , تعمل فى وزارة التربية والتعليم المصرية . تكتب القصة القصيرة ولها مجموعتان قصصيتان بعنوان " ريشة من جناح العشق " و " كارت شحن " والاخيرة كانت فى معرض ا القاهرة للكتاب الاخير . صفحتها علة شبكة التواصل هى بمثابة منتدى أدبى , فهى تهتم بكل الاجناس الادبية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد