ديزال – الفصل الثاني

 
ديزال - الفصل الثاني
لوحة للفنان عبد الرازق عكاشة

استغرقت فى حمامى اليوم وقتًا طويلًا جدًا مختلفًا عن كل يوم
ماء ساخن شديد الحرارة
وكأنه يجلى صدى جوع زمانى لصوت ناعم
ويخرج زفير المر
من قلبى المعطل عن الحب
رغم أنه عامر بالمحبة
أرتوى بماء اللهفة
ورقص اللحظة فى أفقى الذى بدأ يتجاوز سقف الحمام،
ويصعد إلى السحاب القريب من الطابق الثامن
سخونة الماء تريح أعصابى المرهقة والمبللة برطوبة الغرفة
أستنشق شهيقًا جديدًا من حلم قديم جاء يمشى على أطراف أصابعه،
أحلام يقظة لم تتحقق من قبل،
خاصة مع رائحة صابون الشكولاتة النقى،
الذى يمر على عمرى الممتد،   
من زمن الصبا والمراهقة،
لأكتشف ما خجلت منه إلى الآن،
نقاط ضعفى تتهادى رويدًا رويًا على أرضية الحمام الصلبة، فأشعر بنعومتها
أدهن جسدى المتعب،
بزيت العود الخليجى الذى اشتريته من محل مغربى،
يسمى الحانوت
أسفل العمارة
أغنى مهوسًا مرة وفرحًا مرات،
أوغل فى اللحظة بعمق جوعى للحنان
لأسيطر على توترى وعصيبة جسدى
وتورمى فى شعورى بتضخم القلق،
من انتظار الموعد
أغنى بلا معنى وبلا مأوى وبلا مرسى، لكلمات
لاترتبط ببعدها أبدا
(على الزراعية يارب أقابل حبيبى
جبار صوت أندريه جبار)
أرتديت حذاء فخما ماركة فرنسية معروفة
كنت أحافظ عليه كى أرتديه لحظة نزولى مصر
ياسلام يابو فودة
حذاء جلد فخم وتوزيع ابتسامات،
طنطا كلها سوف تقف،
يابدوى
أهو جاء اليوم واستعملته قبل النزول
هى طنطا أغلى من أندريه
قميص أبيض أزراره سمراء شكل الحزام،
جاكيت مربعات قريب من الأزرق الغامق،
بنطلون أحمر قانى.
ووضعت عطرا طبيعيا جميلا
إنها المرة الأولى التى ألتقى فرنسية,
نزلت السلم إلى المصعد،
كل عيون سكان الغرف المقابلة تلتهم من أناقتى رشفة .
وتبلع حبات الأناقة من شم عطر ملابسى،
قلت محدثًا نفسى سوف أذهب ساعتين مبكرا،
أنا لا أعرف هذا الحى الآن، أكيد تغير
لأَنِّى من قبل أربع سنوات، كنت قد زرته بدعوة من مصرى نبيل،
يدعى أستاذ جمال هريدى
هو من سرب إلى أذنى، معلومات أخرى عن جمال باريس
وسكب سيلًا من كلمات محترمة عن كيفية بدء الحلم هنا،
صاحب تجربة كبيرة وحقيقة واعى وقارئ
ومحاول للوثب تجاه الحلم (عداء قوى فى مارثون ألعاب قوى الزمن )
يسكن خارج العاصمة بحوالى 80 كليو مترا،
وهذا الباب أوبر فليه مدخله إلى العاصمة،
وكان معه رجل أعمال ناجح، يدعى جمال حسن
ياه يابو فوده
أين أيام هؤلاء المصريين الرجالة
نعم مزقتهم الثورة والصرعات
من طابور خامس ومن يرتدى عباءة الرئيس،
ومن هو وطنى أكثر من الآخر،
مع أن ميزان الوطنية اختل،
وأصبح الكل بيبوز  فى المقاهى،
صرعات فقدنا فيها الكثير وطفى على السطح بلاوى أكثر..
حديث هؤلاء المحترمين، جمال حسن وجمال هريدى، وكان معهم صحفى عرفت إنه توفى كان قادمًا من مصر للعلاج، اسمه أحمد عبدالمطلب قرأت الخبر فى فيس بوك، وحزنت جدا جدا
كان حديثهم عاقلا موزونا،
لهم من الخبرة وأناقة اللغة
والمعرفة مايسمح لهم بالتحدث،
عن هموم مصر
بأناقة و رقى، كان جمال هريدى عميقا فى رسم حالة البلد،
فى حين كان جمال حسن لبقًا، عبارته دقيقة لاتخلو من الذوق العام
فهو عصامى ناجح، علم وبنى نفسه بنفسه
ينبئ بالذات من الوقوع فى الملذات، فى جلسات هراء جمعيات الوهم المصرى
حديثنا من أربع سنوات، مازال يعشعش فى ذاكرتى من صدق الكلام
رغم أننى كنت حديث العهد بفرنسا، طريدًا من عش أمى مصر، لم أرَ منهم غير سيل من النصح، ورصف أسفلت التواضع أمامى
مازالت أراؤهم تروى حدائق رحلتى بالأمل فى كل مراحل اليائس ..
رغم أن الحى كله كانت تدب فيه أقدام المصريين بسحن موحدى،
وبمقاسات مختلفة للأقدام
تبدأ من 44 على الأقل
أقدام أحيانًا أكبر من العقول
التى هاجرت أجسادها على قوراب الموت الصغيرة
التى غامرت بعبور القارات بهم حتى حدفتهم على أقرب شاطئ فى أوروبا
جاءوا من الموت بجوار الأهل إلى الموت على رصيف محطة المترو
جاءوا من قرى  المحلة والمنصورة وطنطا والمنوفية على عجل
بدون أن ينالوا جزءًا من التعليم الاجتماعى وليس الدراسى فى مصر فقط
بدون الحصول على علاج يوقف نزيف المرارة المتسرب إلى قلوبهم
يا ترى الآن الحى تغيرت معالمه
يا ترى ممكن أقابل أيا من الجمالين ؟؟؟؟
فعلًا حسب ما عرفت من المصريين.. الحى تغير تماما
فى المترو
حين بدأ يتعرج ناحية محطة كاترن شومان
بدت الألوان واحدة
فى كل محطات مترو باريس، ألوان الفساتين تلف الرصيف
وتغنى جمالًا إما واقفين إما جالسين
هنا
يبدو أن عينى بدأت تصاب بحركة عصيبة، أرى الأشياء وكأنها متداخلة (فلو) والألوان باهتة
والعنف يرقص أمامى
ملابس تشبه بعضها فى الألوان
الرمادى والأسود وبطلون الجينز الأزرق
وحذاء رياضى .
اللون الأسود يقترب من فقدان وقاره من كثرة………؟؟؟؟
وجوه جائعة تبحث عن القرش فى حافظة جيب أى قادم للحى،
أسنان لونها أصفر وعيون تترقب البوليس وحضوره فى أى لحظة مثل القط والفئران التى ابتلعت أقراص شجاعة اللحظة لكنها لا تأمن غدر القط
لا تخاف شنبه مؤقتًا، إنما تدير ظهرها ليعبر فى صمت
علامات التغير على الحى بعد الربيع العربى على مايبدو صحيحة.
عند الاقتراب من محطة الركاب مصريون وتوانسة وجزائرون
حركة الأجسام مختلفة عن حركة الأجسام فى المترو فى منتصف باريس
هناك الأجسام تفادى بعضها، ولو أحدٌ لمسك يعتذر، وإن لم يعتذر عليك أن تطالبه بالاعتذار
هذا حقك الإنسانى
أما هنا فاللمس والدفع والضرب حتى الوقوع على الأرض
شىء يبدو أنه عادى..

خائف على ملابسى والمجهود المبذول وأندريه والرائحة الغالية
لكن توكلنا على الله
خرجت من المترو
سحب الأصوات العالية تهز صرصوع أذنك من الداخل وتلعب بالطبلة الداخلية كرة شراب
لا تعرف الصوت هذا مع أى جسد
ومن جسد كهذا كيف يخرج صوت مثل ذاك.. تتوه
هنا لا أحد يشترى تذكرة عبور بوابات المترو الحديدية
الكل يقفز من فوق الحديد، فشراء السجائر المضروبة أفضل .
إنها سجائر المكروبات تحت السلم، تجمعت لتقتل حناجر الأمل
فى حى الموت
حتى قليل السيدات التى شاهدتها هنا إما محجبات أو ترتدى الأسود وتمشى خائفة
على ما يبدو هنا أصبح المكان مجتمعا رجاليا
خرجت أبحث عن مقهى أنتظر فيه الموعد
لأجد مصريين وجزائرين على الصفين، يبعون هذه السجائر المغشوشة والبضاعة المسروقة والماركات المضروبة
زحام وكأنى فى مولد السيدة أو العتبة
بالضبط مع اختلاف رائحة الغربة، الأصوات عالية فى كل مكان، من يحدث أمه فى التليفون،  ويتوعد بالانتقام من أخيه فى مصر.
من أخذ الفلوس لإيصالها إلى أهل شخص آخر، ولم تصل من أسبوع..
من يريد الانتقام من المعلم، لأنه سرق منه مئة يرو فى الشيك.
فى هذه الأثناء لمحت شخصين يحاولان الظهور بشكل مختلف
فى جانب من جوانب المقهى
يتحدثان بصوت منخفض أقل من الآخرين،
اقتربا منى بهدوء، تسحبوا على أقدام كسها النفاق لحمًا
حول عضم مرتعش
أحدهم وجهه أصفر يبتسم، ضحكته غريبه، شاربه مرسوم أكثر من الرسم المعتاد
يشبه عصابات أفلام الكارتون، أو توفيق الدقن الذى يعرف كل شىء لكنه مخبأ.
أسنانه تظهر من الابتسامة الناعمة، لتفضح شاربه المحدد مثل أسنان المشط
يرتدى جاكتًا على بنطلون جينز، تركيبة الوجه تشبه مساحة أرض فاضية على الترعة
الكل يلقى بها زبالة الأسبوع، وهو فى حاجة لأن ينفخ هواء ساخن فى بؤبؤى عينيه، حتى يخجل المنافق داخله
أما من خارجه
كائن كل تفاصليه تخاصم بعضها
قدم نفسه أ.عادل هيكل صحفى أحمل كارنيه جمعيه الصحافة الفرنكوفونية:
ـ نحن أصحاب جريدة هنا تهتم بشأن المصريين حضرتك معلم
ـ ربما وربما أحلم أن أكون معلما
ـ لكن ما كل هذه الأناقة
ـ لأن لدى موعدًا
رد الشخص الآخر، وكأن أتون اللحظة قد صرخ فى صرصوع أذنه الشمال
يريد أن يقدم ذاته المهزومة
فملامحه ترسم علامات التمثيل والذل
لأنه يريد معرفة تفاصيلى، وبماذا يستفيد منى
فأتى صوته متشنجا يحمل فحيح الأفعى، وكر وفر الصغار., لغة المتحرشة.. سباب للآخرين.. لا توحى بثقافة..
عصيبة ترسم عصافير على جبهته اليمنى، واضمحلال فكره، يرسم 111 على الشمال قدم نفسه:
– أنا رئيس تحرير جريدة قبض البلد
ضحكت وفاض كيلى من المرح
ما أرى أقوى من خزان نكت قلبى التى عرفتها عبر الزمن
– ياخبر ليه قبض؟
هى كده لأننا نقبض ونعرض ما تحب ليس مهما أن تكون مين؟ ولا تكتب إيه ؟ لكن تدفع إيه
ليس مهم إخوان أو عسكر اللى يدفع يركب،  
أنظر فى وجه الرجل أنيق لكنه مزيف يحمل حقيبة، ولا يحمل فكرا
إنه أنموذج لفقر الفكر
وليس فكر الفقر
عينه تنظر وكأنه موظف فى معمل تحاليل
والثانى أسترجى فى ورشة نجارة
وليس حتى قارئ جريدة فكيف يكتب !
إذن أدركت أنى أمام حالتين جديدتين من نصب العصر
فبدلت ملامحى فى الحال، وقررت أن أدفع قهوتى بابتسامة مزيفة
وأجبرت أن أستذان وأترك المقهى فورا
وأن أمشى فى الشارع إلى أن يأتى موعدى مع أندريه لوسطو هانم
وأسال نفسى هل أندريه كانت تجلس فى تلك المقاهى لا لا؟!
أزعل جدا يا عم طه حسين، أندريه لا تقل عن سوزان أرجوك يا صعيدى يابو المرجلة
ثم أعود وأسال هل أندريه كانت تمشى على نفس الرصيف الجائع الذى يعانى الوحدة لتعانقه أوراق شجر الخريف المتساقطة، فى كل شوراع باريس الأخرى..
رصيف عارى من الحنان
الحذاء الأنيق لا يرسى عليه بسهولة، فكيف حذاؤك يا أندريه
فجأة اكتمل المشهد
هنود يشون على نار وسط الرصيف ذرة أصفر
وعرب يشون لحم السجق والكفتة
وسيدة كسا الشحم جسدها الأسمر، على ما يبدو أنها من السنغال، تحمل ولدا على كتفها، والآخر على الظهر وفى يدها بنت، وفى عربة الأطفال ولد آخر، وتجرى وراء الأتوبيس، لا تريد انتظار القادم بعده، مع إن الفاصل ثلاث دقائق
واضح أنها غير ذاهبة لمكان مهم
فى هذا الأتوبيس 170 مسرح متجول، ظلت السيدة السمراء تسب السائق لأنه على عجل
ثم تسأله انت عرررربي
نهضت سيدة أخرى من المغرب العربى، وصوتها به عواء الذئاب، وعصف الرياح، ونواح الثكلى وزمهرير الحر، وغضب الخارجين من جنة الخير، نعم عربى ماذا تريدين من العرب، وهاتى يا أرض المعارك.. أفصحى عن جمال اللغة الفرنسية فى ردح سوق الجمعة فى كفر أبوحسين
وقف الأتوبيس وتحول المكان إلى معركه أتى فيها الأفارقة
والعرب بكل مفردات اللغة، التى كنت أعلم أنها لغة خاصة بأكل الشكولاتة
كوميديا من عند رب العالمين، كنت محتاجا لأضحك قبل المعركة
لا لا مع أندريه، ليست معركة إنها رقصة الحلم الأزلى
أى حلم فهذا الفقر !
أعرف أن للفقراء والبسطاء رائحة خاصة من عطر الكرامة
لكن ما أقصده هنا، هو فقر الروح جوع الأمان، التحصن فى أماكن لم تروَ بعد بالفكر، إنه التهميش حد الذل فى بلاد تنادى بالعدل، تعطى المساعدات المالية لتعيش، لكن ليس من حقك الحلم، لو فضلت على هويتك عبدًا…
الساعة خمسة وجهى تبدل، أخرجت تليفونى، لأرى نفسى فى مرايا الشاشة السوداء، أشبه أبطال الأفلام فى الصور الفحم، الذين يرسمهم رسامو الأرصفة
جريت إلى باب أندريه
ضربت الكود السرى 44447 أربع أربعات سبعة

المقال السابقالهجمة المرتدة في تركيا تهدد الديمقراطية
المقال التالىفاجعة الكرادة ليست الاخيرة
عبدالرازق عكاشة كاتب وناقد مصري .اول عضو من خارج الاتحاد الاوربي و عضو مجلس ادارة صالون الخريف للفن والاداب الفرنسي اقدم صالونات الادب والفن اسس١٩٠٣،كاتب وفنان له ٢١جائزة في الفنون والنقد.. عشرة تكريمات دوليه..صدر له ٧ كتب و ثلاث روايات و ٤ كتب في النقد . كاتب منذ ١٩٩٠ بعديد من الصحف العربيه و له م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد