تركيا، ما بعد محاولة الإنقلاب ..


 
تركيا، ما بعد محاولة الإنقلاب ..

تركيا، ما بعد محاولة الإنقلاب الأخيرة الفاشلة، بالتأكيد لن تكون هي نفسها قبل الإنقلاب، و لن يكون أردوغان نفسه بعد هذه المحاولة كما كان قبلها ، هذه ستكون من المسلمات، و برأيي أن تركيا ستحتاج لفترة طويلة لتتمكن من معالجة تبعات و إنعكاسات و تفرعات و تفاعلات و تأثيرات هذا الإنقلاب الفاشل، سواء في الداخل التركي أو خارجه، هذا بإفتراض أن الأمور سوف تستتب قريبا و تستقر و تعود الحياة هناك إلى طبيعتها، حيث أن هناك تقارير عديدة لا زالت غير متأكدة من عودة الأمور إلى مجاريها، و إحتمال وجود ثغرات أمنية كثيرة هنا و هناك، و إحتمال وجود خطط بديلة للمتآمرين، و إحتمال وجود أسماء كبيرة ضمن فريق الإنقلابيين لا زالت لم تكتشف لحد الآن ..

ما نتمناه لتركيا و الشعب التركي و القيادة التركية، كل الخير و السلام و الأمن و الأمان، و أن يتمكنوا من معالجة هذه الأزمة و ملحقاتها بأسرع ما يمكن لتعود تركيا و العجلة الإقتصادية و التنموية فيها إلى حركتها الطبيعية ..

ما حصل في تركيا ليس سهلا و ليس قليلا، و لن يكون من السهل تجاوز و معالجة تأثيراته و إنعكاساته، فتركيا عضو في الناتو، و عضو مرشح في الإتحاد الأوربي، و هي تعتبر من أكبر الدول و أقواها سياسيا و إقتصاديا في منطقة الشرق الأوسط، ناهيك عن تاريخها العريق الطويل ..

لها من الأعداء و غير المحبين الكثير خاصة في السنوات الأخيرة، و لها من المحبين و المؤيدين أيضا الكثير، و كان يمكن أن تكون تركيا و تبقى مجرد دولة عادية و بلد ضمن هذه المنطقة، فقط عدد لا غير، كما كانت قبل عشرين أو ثلاثين عاما، لولا قدوم أردوغان و حزبه و سياساته التي قلبت كثيرا من الموازين، و غيرت كثيرا في شكل و نوع العلاقات و السياسات التي تتمتع بها هذه الدولة، داخليا و خارجيا، و هنا نتكلم عن الإنجازات قبل أي شئ آخر، لكي لا يتهمنا ” البعض ” بأننا من محبي أردوغان شخصيا، و لو أن ذلك ليس سبة و لا عيب برأيي، و لكني لا أدعي ذلك، بل دائما أحاول أن أكون منطقيا و علميا في الطرح و التحليل، و إنجازات الرجل و حكومته تتكلم عنها أرقام و تقارير و منظمات دولية و وكالات إعلام مختلفة، و معالم يجدها كل زائر لتركيا على الأرض ..

البعض يقول عن أردوغان أنه إسلامي متشدد، البعض يتهمه إنه إخواني النفس و التوجه، آخرين يتهمونه بكونه براغماتي، و البعض يتهمه بالعمالة لإسرائيل و أميركا و الغرب، نعم إنها مساحة واسعة جدا و متناقضة و متعاكسة من الإتهامات لهذا الرجل و نظامه، ناسين أو متناسين أن هذه الدولة ، السلطنة العثمانية السابقة، التي حكمت نصف العالم لسنوات طويلة، و التي تربط ما بين الشرق و الغرب جغرافيا و حضاريا، هي ليست إمارة أو دويلة عربية أو أفريقية، إن لها حضور دولي و إلتزامات دولية واسعة و كبيرة بعضها ربما فرض عليها بحكم خروجها خاسرة من الحرب العالمية، و من ثم إنهيار سلطنتها و تقسيمها بين المنتصرين، فعلاقاتها بالغرب غير طبيعة علاقات دولنا به، و علاقاتها بإسرائيل غير طبيعة علاقات دولنا بها، و هكذا ..

أردوغان جذب الأنظار من خلال الإنجازات التي تحققت لتركيا خلال فترة حكمه، كما يلاحظ أنه غير من توجهات الدولة التركية لتكون أكثر فاعلية و تفاعلا مع الجيران الشرق أوسطيين، و العرب بالذات، و كانت له مواقف مشهودة فيما يتعلق بالسلطة الفلسطينية، و قطاع غزة، و العراق و سوريا، و مصر، و غيرها، بغض النظر عن من يتفق أو يختلف معه بخصوص طبيعة و حجم العلاقات هذه، أضف إلى ذلك فأن الموقع الجغرافي و حجم الدولة التركية و أهميتها السايسية و الإقتصادية صاغت نوع و طبيعة علاقاتها الدولية، سواء مع الشرق أو الغرب ..

و ربما، بعض من مواقفه الدولية و سياسات حكم أردوغان ما خلق الحجم الكبير من الحذر و ربما العداء في تعامل العديد من الدول معه، فعلاقاته مع فلسطين و قطاع غزة و حماس، سببت له مشاكل كثيرة مع إسرائيل، و علاقاته المميزة مع نظام الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي سببت له الكثير من المتاعب مع النظام المصري الحالي، و عدد آخر من الدول العربية على رأسها الإمارات و السعودية و عدد آخر من الدول العربية، الذين أتهموه بأنه يرعى الفكر الإسلامي الإخواني، في حين أنهم لا يريدون فكرا آخرا غير النموذج الحالي للحكم الملكي أو الإماراتي أن يكون شائعا في المنطقة ..

علاقاته على غير ما يرام مع إيران بحكم إتهامه بأنه يرعى الإسلام السني، أو كونه إخواني الهوى، كذلك الحال بالنسبة للدول التابعة و المرتبطة بإيران في المنطقة، كالعراق و سوريا و لبنان و غيرها ..

أميركا و الغرب و الإتحاد الأوربي و الناتو غير راضين عنه، كون توجهاته تجاههم قد تغيرت، و أن ملامحه الإسلامية الواضحة غير مرغوب فيها، كما أن علاقاته بإسرائيل بين مد و جزر، بينما علاقاته مع روسيا و الشرق لم تكن أيضا على ما يرام، كونه عضوا بالناتو، و يتطلع لدخول الإتحاد الأوربي، و كون تركيا محسوبة تاريخيا كدولة حليفة للغرب و أميركا بشكل خاص ..

تصوروا رجل و نظام و دولة تسير و حولها كل هذه الألغام و القنابل الموقوتة، كيف لها أن تعمل و تتصرف لترضي الجميع، أعتقد هذا من المستحيلات إلا إذا كانت و صارت تركيا دولة لا طعم لها و لا شكل مميز و لا رائحة، كحال بعض دولنا، تصفق مع من يصفقون و ترقص لكل من يضرب الدف لها ..؟؟

ما يهمنا الآن، أن نتابع الأحداث لنتعرف كيف و متى تعود تركيا لوعيها، برأيي هي لا زالت تتصرف كرد فعل للصدمة، لكن ما نلاحظه و نسمعه من أحداث و نقرأه من تقارير لا تدل أن الموضوع كان مفاجأة كاملة لأردوغان و نظامه، فالتحرك المعاكس كان سريعا و حاسما، فكما يبدو كان هناك علم أو شكوك بوجود محاولات للإنقلاب، و كانت هناك ربما قوائم بالأسماء لمن تحوم حولهم الشبهات، لكن من الواضح أن هناك عملا مخابراتيا أمنيا دؤوبا يجري الآن للإحاطة بكل التفاصيل، و التوصل إلى كامل حلقات المؤامرة و أسماء المشاركين فيها، و نأمل أن ينتهي هذا الجهد بأسرع ما يمكن لتعود الأمور إلى مجاريها، لكن هذا ما نشك فيه كما أشرنا إليع آنفا، على الأقل في الأمد المنظور، ربما خلال الأسابيع القليلة القادمة سنبقى نتوقع و نسمع بمفاجآت و أخبار جديدة و قرارات مختلفة، و نحن سمعنا فعلا أن هناك قرارات جديدة و حاسمة ستصدر هذا الأربعاء بعد إجتماع أردوغان بمجلس الأمن القومي، ربما يتعلق بعضها بموضوع عودة عقوبة الإعدام في القانون التركي ..

الأهم من ذلك هو متابعة و تصفية العلاقات الدولية التي تضررت كثيرا برأيي، فمما لا شك فيه أن هناك عدد من الدول ضالعة بشكل ما في التخطيط و التنظيم و التحشيد و الدفع لهذا الإنقلاب، و ربما مشاركات فعلية أكبر فيها، كما أن هناك شكوك أن البعض من هذه الدول كان له علم بتوقيتات تنفيذ الإنقلاب، و لو أن البعض من هذه الأخبار و الشكوك لم يتأكد حتى الآن ..

فمثلا، أن وزيري خارجية روسيا و أميركا كانا مجتمعين معا وقت تنفيذ محاولة الإنقلاب، و أعلوا بالموضوع فور ورود أخباره، و كان رد فعلهما كما يقال فاترا و غريبا، و يقال أن إجتماعهما قد أمتد لساعات طويلة، و كأنما كان لمتابعة الأحداث و تطوراتها ..

بالنسبة لأميركا، فأن المتهم الأول بقيادة الإنقلاب، هو من اللاجئين الأتراك المقيمين في أميركا، و لا زال الجدل بين البلدين عن تسليمه لتركيا لمحاكمته، كما أن ردود الفعل الأمريكية لم تكن بالمستوى المطلوب، خاصة و أن تركيا تعتبر من بين الحلفاء، و عضو فعال في حالف الناتو ..

الإتحاد الأوربي أيضا لم يكن رد فعله بالمستوى المطلوب، و معروف أن العلاقات متوترة بين الطرفين منذ فترة، لكننا نرى أن أميركا و الغرب و الإتحاد الأوربي قد أهتموا بأخبار الإعتقالات التركية لقادة الإنقلاب و كيفية التعامل معهم و إحتمال إعدامهم، أكثر بكثير من إهتمامهم بخبر الإنقلاب على الحكومة التركية الشرعية خاصة طيلة الساعة الستة أو السبعة الأولى خاصة ..

فيما يخص إسرائيل، فأن تنسيقها مع الغرب و أميركا و الإتحاد الأوربي موجود و معلوم فيما يتعلق بالأمر التركي، و لو أن تركيا حاولت تقليل التوتر مع إسرائيل قبل أيام فقط من الإنقلاب، كما إنها حاولت الشئ نفسه مع روسيا التي تصاعد التوتر معها بشكل خاص بسبب الحرب مع ما يسمونه بداعش و التعامل مع الوضع السوري، و تصاعدت الأزمة مع إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية على الحدود التركية السورية، و التي تسببت في تأزم كبير للعلاقات بين الطرفين، حاولت تركيا أيضا معالجته فقط قبل أيام من الإنقلاب ..

الدول العربية يشار لها كثيرا فيما يتعلق بهذا الإنقلاب العسكري، فهناك تقارير تشير لضلوع مباشر و مشاركة فعلية بشكل من الأشكال لكل من الإمارات و مصر، و عدد آخر من الدول العربية، منها سوريا و العراق، كما يقال أن لمحمد دحلان، رجل الأمن الفلسطيني المشبوه، و الذي يمارس دورا إستشاريا ما حاليا لدولة الإمارات و مصر، و كما يقال أيضا أنه يؤمل أن يهيأ ليحل محل محمود عباس في رئاسة الحكم الفلسطيني، فلهذا الشخص كما أوردت العديد من التقارير، دورا مهما في التخطيط و التنفيذ و الإتصالات و التحضير لبعض جوانب هذا الإنقلاب ..

و مما يؤكد هذه الشكوك، أن العديد من أجهزة الإعلام و الصحف و التلفزة و الشخصيات السياسية و الإعلامية المصرية و الإماراتية لا زالت تهاجم تركيا و أردوغان حتى بعد إعلان فشل الإنقلاب، بعد أن كانت تروج و تحتفل بالإنقلاب و زوال حكم أردوغان، و الغريب و المضحك معا، أن البعض من هؤلاء باتوا يروجون، بعد فشل إنقلابهم، لخبر أن هذا الإنقلاب لم يكن إلا مجرد مسرحية و تمثيلية إختلقها أردوغان لينتقم من معارضيه، و ليدفع الإصلاحات و التغييرات السياسية في البلد نحو نظام رئاسي قوي بصلاحيات واسعة ..

ختاما، لا أرى أن الوضع و الصورة الآن في تركيا واضحة و مكتملة لدرجة الحكم بعقلانية و حيادية و تجرد على الأوضاع هناك، لكن ما نحن متأكدين منه أن تركيا ما بعد الإنقلاب لن تكون هي نفسها كما كانت قبله، كما أن أردوغان قبل الإنقلاب هو ليس نفسه بعد الإنقلاب، و أن هناك العديد من الملفات قد فتحت، و لا بد من تناولها و التعامل معها بحنكة و ذكاء و تأني للوصول بتركيا و النظام و الحكومة التركية و الشعب التركي الكريم إلى جادة السلام و الأمان، و لتعود تركيا لتكون عضوا فاعلا متفاعلا مهما في منطقة ملتهبة تطورات الأحداث فيها كبيرة و مهمة و خطيرة كل يوم، آخذين بنظر الأحداث أن الحفاظ على التوازن في هذه المنطقة الملتهبة يفترض وجود دولة تركية إسلامية حديثة قوية و متماسكة، و إلا فأن المنطقة ستشهد مزيدا من التدهور و الأزمات، خاصة مع التهديد و التمدد الإيراني الفارسي في إتجاهات عديدة ..

و من الله العون ..

المقال السابقحكومتكم لاتهش ولاتنش
المقال التالىحقائق تقرير تشيلكوت ودلالاته..!!
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد