شهادة طائر العنق : محاكاة قصية لنص الشاعر سامي مهدي

 
شهادة طائر العنق : محاكاة قصية لنص الشاعر سامي مهدي

حدث يبعث‘ فينا الحنين ونسلَم الروح ويفر الطائر حاملا وقارنا وخطايانا حتى يرتعد من صوت الإله ونبقى بين الشك واليقين من بياض اللوح ومن حفريات الرقيم الأخير ونخاف الوعود والمثول بحضرة الشاهد ( طائرُ العنق ) على ما خٌفي وما أٌعلن من نزف الجنين وشهوة الرماد .
منذ سبعة آلاف عام وهذا الحنين للشق الأول , للظلمات , للأبخرة , لتبدد الأنين , لوخز الحق في الوريد , فلا القرب يجدي ولا البـعد يـفيد .أسمع‘ دوي الريح أتسمع ؟
صوت‘ الوليد من رحم الجب , صوت يدور صداه في الطرقات , يرنُ في أذني , يقرع‘ أبواب القلب , الحق قريب فلنهرب الضمير كي نبحث عنه في رماد الشرق ونعد‘ سبعة آلاف عام من الخوف , من الشك , من الهرب , ونشيد الجسور , وتتداخل العصور في خطيئة مثلى أزلية .
سيدنا تبهره الحية بزركشة ثوبها تخدعه‘ , تمضي به إلى العالم الأسفل (( والآله كرونوس يخصي أباه ويرمي أعضاءه في البحر , وتولد افروديت من خطيئة كرونوس )) (1) . وتتعشعش الشياطين في طبقات الجب …
أتدرك ذلك العذاب الأليم للروح في ظلمة الجب ؟ أتسمع أنينها ؟ أوامازالت تقرعٌ والطريد يقرع ؟ وهل تحطمت الأبواب ؟
الجدارٌ , الصحيفةٌ , الملطختان بالألم والرغبة المكبوتتان لرؤية نهار اليقين , أبحث عنهما بين الشقوق , وأحترس ذنب الظل اللاسع !
الصحيفة وما تركنا عليها من العقارب سيحملها طائر العنق , وكم تمنينا أن تتآكل أجزاؤها وكم تمنينا أن يثلم اللوح وينهار الجدار لشدة غليان مياه العرش !
لا تعجب لذلك الشق فانه يخرج آلافا من الصغار الذين يدركون موتهم بعد ألف عام وبعد طن من القنا بر وألف شهوة للفاكهة ولثوب يخفي تحته الجمر فيلتهب الفتى لزينةٍ , لعطرِ الزعفران في آخر النهار , والكل ينتظر المصير , الكل يتوسل الطائر , الكل ولو بعد سبعة آلاف عام سيصنع لنفسه تاريخا بين الأجيال , ولقد أتعبهم الانتظار ولكن أدمنوه , ونثروا الرماد على جباه السنين , وتزاحم الخفق بين البطينين والأذينين , وتزاحم فضول الصغار لمعرفة من القاتل ومن القتيل ؟ ومن يسقط أخيرا ؟ ومن يهبط من الهرم إلى القاع ؟ ويقرر الأنتحار بتفاحة نصفها النهار ونصفها الآخر غسق وزرقة ..
سأرى , سترى ماالذي خلف الجدار ؟…. يدٌ تمتد نحو الظل , نحو الصوت , نحو التفاح , نحو شظايا التأريخ , كي نلقي بها فوق الشك , فوق دورة الحياة , فوق السؤال من أكون ؟ .
حينما نضجَ الجنين فتح عينيه بعد خروجه من الشق , ورفع بيده شعلة ..
هاهو الرجل الحمال ينام على ذلك الجبل , حاملا مشعله مترنحا يغسله الثلج , يشتعل جسده بالبرودة , يحتمي وراء صخرة , هاهو يخرج من الثلج إبنا لسبعة عصور قديمة , وسبعة عصور ميلادية , يشق عصر الظلام إلى مابعد عصر الظلام بسبعة سلالم . يدخل بيته الحجري المشيًده على هيئة مغارة من دخان بهيئة فضاء زيتي (( وإذا بسبع سماوات في كل سماء ملائكتها )) (2) .. يتردد , يتريث , لكنه صعد بعد حين يساورهٌ الشك من ذلك اللقاء وبصحبتهم طائر العنق .. يفر الطائر من على كتفيه , سابحا في سديم الطبقات , في ظل الجدران , في دفء الشتاء حتى يبلغ الحقيقة , ويبكي – مستغفرا – . تمتد ذراعي حتى الفضاء السابع , ترتبك بين الطبقات , تتثلج في الظل , في البرد , تفشل بالوصول , تتراجع , ينهرها المصير , ألومٌ نفسي حينما لا تجيد مهارة الوصول , ألومها لتحسسها الثلج , لتوسع الشرايين في درجة الصفر .
أيها الرجلٌ مازلت منذ سبعة ألاف عام وأنت تتأملٌ كياستي وخوفي وارتباك ذراعاي لضياء الكواكب , لموندراما الشك وتنسى عما تبحث – وتظل الجواب !
ها أنت أيها الرجل , أيها الأبٌ فإنك منشغلُ بشقاوة أبنائك , ها أنت تعلمهم الشطرنج , وكيف يخلعون الصور من على الجدار , ها أنت تشيرَ إليه نحو الجمال , تشيرَ إليهم نحو خيوط الشمس ولهيام الروح بعد الموت , لفرارها بين الطرقات , في الظلمات , بين حافات قلعة الشطرنج .
منذ ذلك التاريخ ومحيط الدائرة يتسع عاما بعد عام , وتزداد الحفر , وتغص بالقتلى , وتنادي …….. ؟ وقابيل يبني له قصرا في الدائرة وينشر الحراس ويٌشْهرٌ سيفه نحوي بعد أن خرجَ لتوه ظافرا بالدم بعرش منحه لنفسه , ويختنق بالنشوة .. بالإرث , بجنون اللعبة ..
ونرمي السؤال الكبير على عاتقهم , ونشهدَ طائر العنق عليهم , ونشهد سبعة آلاف عام ومئتين وخمسين جيلا ونقرع أجراس الأديرة , وأجراس المدارس والمقابر ..
للموتى..
للتائهين ..
للراقدين في المنازل ..
للوافدين إلى القمر ..
لعل احدهم يعلقٌ في مخالب النسر , أو يقودهٌ ( زو الطير ) إلى ظلمات مسكن الإله ( أكليلا ) , أو تعلق قدم أَحدهم بالطريق الذي لا يرَجع ممره لعله يلقى السلام هناك في تلك الشقوق ..
في تلك الثنايا ..
بلى هي سبعة آلاف .
الجنين هو في المخاض , في الجب المظلم , أسمعٌ صوته , نبضات قلبه , وهو في الجب , أحسٌ بركلات رجليه , أتحسسٌ حبله السري وجريان الماء والطعام فيه و يعلو صوته , يمزقٌ الأغشية والأنسجة , يتوسع الجب , يفيض , صرخات تعلو , وصوته يعلو , وأنا أنتظر وأنت تنتظر طائرا وعنقا , ومولودا يخاف النهار .. يهداءٌ الصوت بالزلال , بالحليب الشفاف .. يقضمٌ بشفاهه الورد , يجتثٌ الحبل وتبدأ الكتابة تأريخاً جديداً وأخطاءً جديدة لمولود يحيا بين الشك واليقين , بين الهلع والحيرة للاستلام لقدر آخر .
مولود يبعد آلاف الأميال عن ظلمات الشق إلى ظلمات النهار , مولود بدمه الآسن , بصمته الذي ماعاد صمتا , يجيء حاملا حتفه وفتاة النار تصرعه بالجنون , بالخضوع حتى المصير الأخير .
التاريخ يكبر والمولود ينضج بالسؤال – الخلق , الماهية , الأشياء – يصبح رجلا يجيد لعبة الدوران وحتمية البحث كان وما كان ..
المولود في محطته السادسة يقذف بذاته على سلَمه الحجري قريبا من الفضاء السابع .. يبكي مستغفرا .
في محطته السابعة تتطاول ذراعاه حتى المجرات , حتى الفضــاء الأخـير , يبحث عن جواب قد نسيه المولود .
الجنين رجل , والجنين حمال , الكل يجيد القتل والقتال , ولعبة الكرِ والفرِ وتزداد الدائرة إتساعا .
الخلود متاهه , ورمي السؤال هو الحل الأخير والعقيم , والرجوع خطوة خير من التقدم خطوة بالطمي .
ومازال السؤال مغلفا بالثلج , بالفلين , بالغرين !!.

احالات

rich form.the forgotten langunuage
تاريخ الرسل والملوك للطبري

المقال السابقالــــحــبُ بـــغــداد
المقال التالىالإنقلاب التركي وتساؤلات وطن ؟!
رياض الدليمي - العراق - كاتب واعلامي - ماجستير تربية - دكتوراء فخرية- مدرس - الاصدارات- مجموعة شعرية بعنوان تسلقي عروش الياسمين- مجموعة قصصية بعنوان - غبار العزلة- مجموعة شعرية مشتركة بعنوان - غوايات - مجموعة قصصية مشتركة بعنوان - انطلوجيا القصة- كتاب اقتصادي- رئيس سابق لمجلة الان الثقافية- نائب رئي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد