سيدات العتمة

 
سيدات العتمة

مهما بلغ الرجل من احساس، ومهما كان بارعاً في العزف على قيثارة المرأة؛ ثمة وتر لا تصل إليه أصابعه، وثمة نغمة لا يجيد عزفها. لا يشعر بالأنثى إلا أنثى، ولا يصل إلى قاع امرأة إلا امرأة.

وأنا أقلّب بأوراق الفوضى المتناثرة على أطراف الوطن المثلوم، استوقفني عنوان ” سيدات العتمة” ادهشني ذاك التناقض في المفردتين سيدات و عتمة. كيف تتلاقى السيادة مع الظلام. تناسيت لبرهة الأخبار، على الرغم من أن الأخبار كانت مثل ملمس فنجان للتو أُعدّ، وما حدث في تركيا من انقلاب سموه بالفاشل لأنه لم يدم إلا رمشة عين. ذهبت أبحث عن تفاصيل أكثر لهذا العنوان عرفت أنها مجموعة قصصية للكاتبة الفلسطينية ” شيخة حسين حليوى” وفي لقاء معها حين سألتها المذيعة: لماذا اخترت لنسائك سيدات العتمة؟ قالت وادهشني ردها: “هناك نساء سلبن النور ولم يعشن به، بيدا أنهنّ انفردن بسيادة العتمة، هنّ لا يعرفن النور فلم يجربن أبعاد ولا تفاصيله وحدها العتمة كل ما يعرفن هؤلاء النسوة” هنا أعود لأكرر إيماني بأن المرأة وحدها من تشعر بامرأة تتألم وإن كانت تلك المرأة صامتة. الكاتبة “شيخة الحليوى” وكأنها أرادت مكافأة نساء قصصها بالسيادة؛ على الرغم من أنها سيادة موجعة وسيادة للسواد الحالك.
كم من امرأة حتى بعد أن وصلت الكهرباء إلى خيام البدو، وإلى الكهوف والأنفاق، ما تزال تعيش في العتمة ولا تقدر على مواجهة الضوء. لأنها منذ البدء ورثت من شرقها الظلام واقصاء عواطفها عن مجالسة النور؛ على اعتبار أن النور هو ذكرٌ ممنوع عليها أن تخالطه؛ لكيلا يرى عورة رغباتها، ولا يفضح ملامح أحلامها، ويستشف طموحها في كسر قيد العتمة. اللواتي انفردن بسيادة العتمة هنّ أفضل حالاً من اللواتي انفردن بسيادة النور؛ المرأة التي تعودت أن تدفن رأسها تحت لحاف العتمة هي لا تعرف ما يدور من تناقضات تحدث في النور. هنّ كما كتبت عنهن شيخة الحليوى ” حياتهن تتلخص في معرفة اتجاه تحريك اللبن، أو متى تُضاف البهارات، وأين يحتفظن بالأسرار” وأنا أضيف إلى نصوص الكاتبة “عن الأخريات اللواتي خرجن من عتمة البداوة وهربن من بين الأسلاك الشائكة للعشيرة. دخلنّ في عتمة أشد من عتمة البداوة، لأن الضوء الخدّاع هو عتمة” هي ما تزال تحت وصاية الرجل، إن لم تكن الوصاية بالحكم والأمر فهي وصاية بالرغبة. ربما هي تحررت من شكل القيد لكنها ظلت مقيدة بمضمون القيد. المرأة التي توهمت بسيادة النور، جعلت من نفسها وليمة دسمة لرجل هو ينفق الكثير ليأكل وجبة دسمة. تضع شهادتها جانباً، لتلبس زي جارية، لكن بطراز حديث. كلما قرأت أكثر تورطت بالجهل أكثر؛ بدل من تعكس ما تعلمته سلوكاً أنيقاً وفكر حر، تعكسه دهاء وإثارة. نساء الزمن الذي على وشك الانقراض أمهاتنا الطيبات، وأخواتنا الكبيرات، اللائي عشن العتمة وجاهلية الشرق هن اللواتي خلقن الضوء فينا، من أجمل العبارات التي سمعتها ما قالته الكاتبة شيخة ” لم أقرأ في طفولتي كتب عظيمة، كان في طفولتي نساء عظيمات كالكتب”
لا ندري هل ستدوم للنساء سيادة العتمة وهل يصر الشرق على جعلهن سيدات العتمة، أم سيأتي زمناً تنتهي فيه العتمة ويخلعن النساء عنهن ثياب السيادة ويصبحن سيدات النور.
إن شدة الضوء ومبالغة المرأة في كثرة الإنارة هي عتمة. والعتمة تظل عتمة وإن انفردت المرأة بسيادته. لعلنا نقرأ يوماً عن سيدات الفكر وسيدات الإبداع، سيدات الحب الجميل، وسيدات يعجنّ طحين العتمة ليخبزن لنا رغيف الضوء. يليق للنساء امهاتنا، وأخواتنا زوجاتنا، وبناتنا، وصديقاتنا، أن يلقبن بسيدات النور لا سيدات العتمة.
وفي الختام أمطر بوابل الشكر للكاتبة الفلسطينية “شيخة حسين حليوى” على اسلوبها القصصي المميز واحساسها العميق..

المقال السابقعلى الشريط الحدودي الفاصل
المقال التالىطنطل عذير
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد