إخفاق التيارين العلماني والديني في العالم العربي – ج٢

 
إخفاق التيارين العلماني والديني في العالم العربي - ج٢

النتيجة كانت أزمة في الهوية الثقافية بين التيارين المتصارعين. الأول مشروع شكلي هش لا يأخذ من الغرب إلا السطحيات والتيار الأخر فضل الإنغلاق الفكري على الثقافة التقليدية دفاعا عن نفسه وعن موروثه.
تحصن العلمانيين في برجهم العاجي وبعدهم عن الإستجابة لحاجات الفرد والمجتمع، أدى إلى ظهور التيار الديني بشكل لافت مما دفع بعض الأنظمة إلى استغلال الدين لقطع الطريق على انتشاره.
فالتيار الديني يبني وجوده انطلاقا من الدين٬ فهو يحاول السيطرة على امتياز ثقافي اجتماعي ديني يجعله في وضعية المسيطر على الرأسمال الديني الثقافي والاجتماعي، أي يسعى لتحقيق طموحات سياسية عن طريق استخدام الدين كوسيلة.
حاول هذا التيار أيضا إعادة هيكلة بنية السلطة المستمدة شرعيتها من الدين أي النظام القديم، على عكس العلمانيين الذين يشتقون شرعيتهم في نظامهم الحديث من مفاهيم كالحرية والديمقراطية و.و. بيد أن الدينيين لم يستطيعوا بلورة الجانب العقائدي ولا التشريعي ولا إعادة قراءة الموروث الثقافي الديني، فقد تاهوا بين السياسي والديني، كما أن تقلد المسؤولية في النظام الديني يدعي توفر شروط الأمانة والعدل والثقة وهي أمور يصعب تحقيقها حين يصبح الطموح السياسي هو الغالب.
أزمة التيارين الديني والعلماني أدت إلى انفصال تام بين الهرم والقاعدة الشعبية، أدت أيضا إلى انهيار الوعي الثقافي الجماعي بسبب أزمة المدرسة التي لم تعد سوى ماكينة لإعادة إنتاج النخب في الزمان والمكان. إنتاج مثقفين بعيدين جدا عن واقعهم يتم إلحاقهم مباشرة بالسلطة أو المجتمع السياسي أي بنخبة الحكم والنفوذ. المدرسة كانت سببا أيضا في اغتصاب السلطة الثقافية للمجتمع، فالمثقف لم يعد ممثلا ووسيطا بل تم انصهاره في دائرة النخبة الحاكمة لكلا التيارين حتى صار مدافعا عن الإيديولوجيات الحزبية الضيقة أكثر من اشتغاله على مشاكل المجتمع والدفاع عن حقوق الأفراد والجماعات. أي باختصار أصبح ممثلا للسلطة الفوقية ومدافعا عنها.
هدا الإستبداد الثقافي لكلا التيارين وتعسفهما السلطوي دفع الأقليات والجماعات الثقافية الأخرى وهي في الغالب غالبية المجتمع إلى الحراك دفاعا عن حقها في الوجود وفي ممارسة حقوقها المدنية. هذا الموقف الدفاعي ولد ثقافات وموروث ثقافي قديم داخل المجال الثقافي المجتمعي يكتسي أحيانا طابع الصراع والمواجهة.
كلا التيارين لم يستطيعا استيعاب كل المكونات الثقافية والدينية والعرقية للمجتمع العربي الحديث. كلا التيارين دخلا في مشروع بناء على المستوى الدولي وتحالفات في الخارج وانفصلا بدلك عن المشروع القومي المجتمعي.
فقصر نظر التيارين والجري وراء تحقيق طموحاتهم حرم المجتمع العربي من أن ينشأ ثقافة قومية مشتركة تتسع لكل مكونات المجتمع على اختلاف مشاربها، بل ساهما في بروز ثقافات محلية – عصبية- مذهبية – طائفية – قبلية – . . . تتصارع بدورها من أجل إثبات الذات والوصول لهرم السلطة والتي كانت لعقود خارج دائرة المشاركة بفعل الإقصاء.
تراكم الإخفاقات التي سببها التيارين وتحلل وتفكك فكرة الثقافة القومية العربية أدى إلى وجود حالات شاذة داخل المجتمع العربي أدت إلى بزوغ فكرة الصراع ثم الإنسحاب من اللعبة السياسية إلى العنف. وما تشهده المجتمعات العربية المعاصرة هو تحصيل حاصل لهذا التاريخ الطويل من الفشل في بناء مجتمع سياسي حضاري قادر على الإستجابة لمتطلبات المجتمع وإيجاد حلول للصراع الإجتماعي والطبقي.
الحصيلة كانت إذن إخفاق التيارين العلماني والديني في المجتمع العربي على صعيدي الفكرة والتطبيق معا.

لا تعليقات

اترك رد