هل اصبحت تركيا” Coup d’État Proof “بعد الانقلاب الأخير ؟!

 
هل اصبحت تركيا

في دراسة احصائية حول ظاهرة الانقلابات في العالم بعد الحرب العالمية الثانية يلاحظ ان الانقلابات قد تضاءلت بشكل حاد بعد انتهاء الحرب الباردة من ١٣ انقلاب سنويا في السبعينات الى اقل من أربعة حاليا ؛ كما ان عدد الانقلابات الناجحة تضاءل ايضا من ٥٠٪‏ الى اقل من الربع حاليا ويعود ذلك الى عوامل عدة لعل أهمها الرفض العالمي لظاهرة الانقلابات ضد الحكومات المنتخبة والى تحسن العلاقات بين الحكومات المدنية والمؤسسة العسكرية التي بدات تلمس ان منافعها كمؤسسة اعظم من خلال الاستقرار . اما أسباب النجاح والفشل في الانقلابات فقد بقيت ذاتها مثل وحدة المؤسسة العسكرية حول قرار الانقلاب ووجود قضية واضحة يلتف حولها الانقلابيون وتكون مقنعة للقطاعات غير المشاركة بحيث تؤيد او تلتزم الحياد .
بشكل عام فان الانقلابات العسكرية كوسيلة للقفز الى السلطة باتت وسيلة مرفوضة وغالبا ماترتب عنها نتائج سلبية خاصة على مستوى العلاقات الدولية للدول ، لكن الظاهرة مازالت قائمة وان كانت الدول ، خاصة ذات التجارب الديمقراطية الناجحة ، قد باتت اكثر حصانة ضدها .
في ضوء ذلك بات من المشروع ان نتساءل فيما اذا كانت تركيا قد اصبحت محصنة ضد الانقلابات العسكرية وخاصة بعد فشل محاولة الانقلاب الاخيرة ، فهل يمتلك احد الجرأة للمجازفة بالتعامل مع سؤال افتراضي كهذا ؟
في التحليل السياسي وخاصة في مجال دراسات المستقبل لاتوجد اجابات قاطعة ولكن توجد مؤشرات وما هو مطلوب البحث في المعطيات الراهنة واتجاهاتها المستقبلية المُحتملة ؛ على هذا الأساس نحن بحاجة للتعامل مع هذا الموضوع الإجابة عن سؤالين أساسيين :
لماذا وقعت الانقلابات السابقة .
هل كان فشل الانقلاب الأخير ثمرة عمل مؤسسي معاكس ام ان فشله كان بسبب سوء إدارة الانقلاب والحظ ، قليله او كثيره ، الذي حالف السيد اردوغان هذه المرة ؟
شهد تاريخ تركيا الحديث عددا من الانقلابات بل ان تركيا الحديثة نفسها هي ثمرة انقلاب ؛ تم ايفاد الجنرال مصطفى كمال باشا لقمع تمرد في الأناضول عام ١٩١٩ انتهى الامر بعدها بقيامه بتشكيل مليشيات أعلنت خروجها عن السلطنة احتجاجا على توقيعها اتفاق مع الحلفاء الغربيين اعتبره المتمردون تفريطا بالحقوق الوطنية كما استأنفت المعارك ضد الحلفاء حتى انتهت الأمور بالاعتراف باستقلال تركيا . تمت بعدها القصة المعروفة حول تأسيس النظام العلماني اللائكي الاصولي الذي لم يجد حلا لمشكلة الدين في البلاد سوى بتأميمه وابتلاعه وتتريكه لغويا بما في ذلك الاذان وتلاوة القران ؛ في ظل هذه العلمانية المتطرفة ، التي حملت الدين في أحشاءها ، نشأت ماتسمى بالدولة العميقة او حراس الجمهورية … الخ ، وهي كيان هلامي يتألف من الضباط والقضاة وكبار موظفي الدولة الذين ارتبطوا مع بعضهم برباط شخصي وفكري عام حول مبدا الجمهورية العلمانية والذين ظلوا ينظرون بريبة وحذر الى الحكومات التي تشكلت في أواخر الأربعينات من القرن الماضي في ظل نظام التعددية السياسية الجديد الذي أنهى فترة احتكار السلطة من قبل حزب اتاتورك ، حزب الشعب الجمهوري ، باعتبارها تهديدا محتملا لعلمانية الجمهورية رغم ان العديد منهم كانوا منخرطين ، بشكل او باخر ، في نشاطات ذات طبيعة دينية وخاصة حلقات الذكر والطرق الصوفية والتي ستغدو في مراحل لاحقة رابطاً جوهريا ً.
في مطلع الخمسينات فاز حزب الديمقراطية بزعامة عدنان مندريس بالسلطة وقام باجراءات عديدة غيرت شيئا هاما في واقع المجتمع التركي ؛ أنضمت تركيا في عهده الى حلف شمال الأطلسي كما نفذت مشروعاً تنموياً ضخماً شمل تطويرات جوهرية في القطاع الزراعي وافتتاح عشرات المصانع وتطويراً كبيراً للبنى التحتية ومؤسسات التعليم ، وفي ذات الوقت شهدت البلاد سياسات جديدة تجاه الدين حيث أعيد الاذان باللغة العربية كما سمح بتلاوة القران باللغة العربية عوضا عن قراءة معانيه باللغة التركية وتم افتتاح اول معهد لتدريس العلوم الشرعية وعددا من مراكز تعليم القران ؛ في ذات الوقت بدأ مندريس بانتهاج سياسة خارجية اكثر استقلالا عن الولايات المتحدة ومنها اعتزامه زيارة موسكو من اجل تأمين تمويل سوفيتي لبعض المشاريع التنموية ، اضافة لخطوة – قلما ينتبه لها المؤرخون – وهي توقيع معاهدة دفاع وتعاون مع العراق عام ١٩٥٥ والتي شكلت أساساً لما عرف فيما بعد بحلف بغداد والذي سحب تركيا الى موقف جديد من الصراع العربي – الاسرائيلي ؛ لقد أعلن مندريس تأييده للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وأيد موقف العراق الذي أعلنه نوري السعيد عن اعتزام العراق استخدام قواته المسلحة للدفاع عن اي قطر عربي يتعرض للاعتداء من جانب اسرائيل الى جانب الأغراض الاخرى للحلف الجديد ، ولعل الأهم هو ان الحلف ابعد اسرائيل عن آية ترتيبات غربية في المنطقة كما دخلت العلاقات التركية – الإسرائيلية في حالة من الجمود ؛ كان من نتائج عمليات التنمية السريعة والشاملة ظهور ارتدادات اجتماعية جراء الاختلالات واعادة التموضع الاجتماعي مع مايترتب عن حالات التنمية السريعة والشاملة وانعكاساتها على المواقف السياسية ، حيث ترى الشرائح الاجتماعية الصاعدة اقتصادياً واجتماعياً انها مهمشة لان النظام السياسي لم يتمكن من احتوائها بعد، فيما ترى الشرائح في الجهة الاخرى انها مهددة ولذلك يسود جو عام من السخط وعدم الرضا عن الوضع القائم ، هذا بالاضافة الى طغيان حركات التحرر الوطني خلال عقد الخمسينات مع ما صاحبها من صعود للتيارات اليسارية النشطة الى الواجهة السياسية في مختلف ارجاء العالم ومنها تركيا وبلدان الشرق الأوسط المختلفة .
بدات الدولة العميقة بالتحرك ، وبدفع خارجي أمريكي بشكل خاص ، كما اصبح معروفا الان ، فبدأت المظاهرات تجتاح المدن التركية وساهمت في خلق حالة من عدم الاستقرار ، او اريد للمشهد ان يكون كذلك ، فقام الجنرال جمال كورسيل بتنفيذ عملية انقلاب ناجحة في ٢٧ مايس عام ١٩٦٠ تم على اثرها اعفاء حوالى ٥٠٠٠ ضابط وخاصة من كبار الرتب كما أُحيل رموز الحكومة ورئاسة البلاد الى المحاكمة والتي انتهت بإعدام رئيس الوزراء مندريس ووزيري الخارجية والمالية والسجن للبقية !! وكانت مبررات الانقلاب هو ان الحكومة قد انحرفت عن العلمانية وقيم الجمهورية كما أرساها اتاتورك وانها كانت تسعى لإعادة الحكم الاسلامي .
وفقا لما تيسر من معلومات ، اصبحت متاحة بعد طول الفترة التي مرت على الحدث ، فقد كان هذا الانقلاب من تصميم ضباط متوسطي الرتب التحق بهم عدد محدود من الجنرالات عند وبعد تنفيذه ، ومادة تنفيذه هم طلاب الكليات والمدارس العسكرية وقد كان مفاجئا لانه الاول منذ تأسيس الجمهورية ويؤكد الدارسون للتاريخ التركي الحديث انه كان من تصميم خارجي وأمريكي بشكل خاص ؛ لعل ذلك هو سبب نجاحه بالدرجة الأساس .
جاء الانقلاب الثاني عام ١٩٧١ ، وسمي انقلاب المذكرة ، بعد ان شهدت تركيا عقدا من الفوضى الشاملة في الحياة السياسية ؛ شهدت تركيا ظهور عمليات عنف منظم من جانب الحركات اليسارية التي شكلت مجاميع عنف مسلحة ودخلت في مواجهات مفتوحة مع منظمات يمينية واسلامية متطرفة ؛ كان السيد ديميريل يرأس الحكومة آنذاك وقد شهد حزبه ، حزب العدالة ، عددا من الانقسامات وقد ازداد وضعها حرجاً بعد تزايد اعمال العنف السياسي وصلت حد قيام مجموعات من الطلاب اليساريين بمهاجمة مصالح أمريكية واختطاف عدد من الجنود الأمريكيين ؛ شهدت المرحلة صعود الاسلام السياسي ممثلاً في حزب جديد هو حزب النظام الوطني بزعامة نجم الدين أربكان فقام الجيش ومن خلفه الدولة العميقة بتوجيه مذكرة الى ديميريل تطالبه بالاستقالة وهو مافعله ؛ أنيطت رئاسة الحكومة بعدد من رؤساء الوزراء ولكن الجيش هو من كان يدير الأمور من خلف الستارة حتى جرى تعديل الدستور ثم أقيمت انتخابات عامة سنة ١٩٧٣ فاز فيها حزب الشعب الجمهوري بزعامة بولند اجويد باغلبية ضئيلة تم اثرها إقامة ائتلاف حكومي ضم حزب الشعب الجمهوري وحزب “النظام الوطني” الاسلامي وبعد اشهر غادر حزب اجويد التحالف ليحل محله حزب العدالة اعقبت ذلك فترة طويلة من عدم الاستقرار الحكومي وتعاقب الحكومات ذات الآجال القصيرة مما أعاد اجواء السبعينات وعودة العنف السياسي بين اليسار واليمين ، فقام الجنرال كنعان إيفرين رئيس هيئة الأركان بانقلابه المرتبط باسمه في سبتمبر عام ١٩٨٠ وأصدر عام ١٩٨٢ دستورا جديدا تمهيدا لعودة الحكم المدني الذي تولى فيه إيفرين رئاسة الجمهورية ؛ الدستور الجديد كرس رسميا وصاية الجيش على الدولة حيث نص على تشكيل مجلس للامن القومي باغلبية من العسكريين وعضوية عدد من المدنيين ويجتمع مرة في الشهر من اجل الحفاظ على الدولة من خلال توصيات تقدم للحكومة .
بدأ بعد هذه التطورات مايمكن تسميته بعهد تورغوت أوزال رجل تركيا الجديدة الذي ترأس الحكومة في البداية ثم رئاسة الدولة وفي عهده بدات تركيا خطواتها الاولى نحو نهضتها الحالية وخاصة على المستوى الاقتصادي والاستقرار السياسي . شهدت مرحلة أوزال وخاصة في النصف الثاني من التسعينات ، رغم وفاة أوزال قبل ذلك ، صعود الاسلام السياسي مما استدعى تدخل الجيش مجددا عام ١٩٩٧ لاجبار نجم الدين أربكان رئيس الحكومة وزعيم حزب الرفاه الاسلامي على الاستقالة كما صدر حكم قضائي بحظر الحزب وملاحقة القيادات الاسلامية قضائيا وزج اغلب رؤوسهم البارزة في السجون وكانت تلك المرحلة قد أفرزت ثلاثة اتجاهات في تيار الاسلام السياسي وهي التيار التقليدي على نمط الاخوان المسلمين بزعامة أربكان وقد خرج من ساحة العمل السياسي التركي ، وتيار إسلامي متعلمن انشق عن هذا التيار التقليدي وكان بقيادة رجب طيب اردوغان وعبدالله غُل اما الاتجاه الثالث فهو اليمين الاسلامي المتطرف الذي اختبأ في ثنايا المؤسسة العسكرية والقضاء متلفعاً بالتصوف والدروشة وهو بزعامة فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة الذي نسب له الانقلاب الأخير .
ما تعلمناه من هذا السرد ان الانقلابات التركية كانت تتم في ظروف الاضطرابات وعدم الاستقرار السياسي والتي شهدت صعود التيارات اليسارية واليمينيّة الراديكالية وقد تغير هذا الواقع مع حلول الألفية الجديدة وسيادة نمط ” دولة الرفاه ” في الوضع التركي بشكل عام الامر الذي أدى الى امتصاص زخم التطرّف في الحياة العامة ووضع ذلك قيودا معنوية وسياسية على إمكانيات تحرك الجيش مجددا للاستيلاء على السلطة وظل الخطر الوحيد متمثلاً في حركة غولن الذي انتحلت حركته صفة حراس الدولة او ماعرف بالدولة العميقة ؛ رغم معرفة النظام الحالي بمخاطر هذه الحركة الا ان قيودا قانونية ودستورية قيدت إمكانيات الدولة في التعامل مع هذا الخطر رغم تكرار حملات الملاحقة والمتابعة النشطة الا ان مؤسستي الجيش والقضاء بقيتا في منأى عن الملاحقة نسبيا بسبب طبيعة وضع هاتين المؤسستين في النظام العام للدولة .
بعد الانقلاب الأخير رفعت الحصانة عن الجميع وطالت الاعتقالات تحت طائلة الاشتراك في الانقلاب الفاشل حوالى سبعة آلاف شخص معظمهم من منتسبي القضاء والجيش وقوات الامن والسؤال الان هل ان فشل هذا الانقلاب قد وفر حصانة مستقبلية لتركيا ضد الانقلابات العسكرية باعتباره قد كشف اخر اوكار المتربصين بالنظام الديمقراطي القائم وهل اكتسبت الدولة التركية ونظامها السياسي اليات نمطية واضحة للتعامل مع ظاهرة الانقلابات .
إجمالا يمكن تقديم بعض الاستنتاجات المبنية على الوقائع انفة الذكر وهي :
١- ان الحياة العامة وإدارة الحياة السياسية في تركيا قد تخطت المعادلة الصفرية لدى معظم أطراف اللعبة السياسية الديمقراطية في البلاد ؛ لم تعد خسارة مقاعد في البرلمان في إطار انتخابات برلمانية نظيفة تعني كسبا مطلقاً لطرف منافس بل ان الجميع رابح ، وهذا الربح يتمثل في الديمقراطية ذاتها التي تتيح للقوى السياسية المساهمة في إدارة الشأن العام سواء في صفوف الموالاة او المعارضة لذلك اعتبرت العملية الانقلابية موجهة ضد الجميع وان جماهير أشد منافسي النظام خرجوا دفاعا عن تجربتهم كتفاً الى كتف مع جماهير الحزب الحاكم . هذا يعني ان السياسة في تركيا قد غادرت ساحة الخصومة الى ساحة المنافسة وان عودة العنف المتمثل في حكم العسكر او اي حكم ذو طبيعة شمولية او سلطوية سيكون مرفوضاً وهو درس يتعين على حزب العدالة والتنمية استيعابه قبل غيره لانه في موقع السلطة ويتحمل مسؤولية استثنائية بهذا الخصوص ، كما ان على المعارضة ان تفهم ان المعارضة لاتعني المناكفة بل ان هنالك مساحات وطنية مشتركة يقف عليها الجميع وأهمها الحفاظ على التجربة الديمقراطية ورفض اي بديل عنها .
٢- اثبتت قوى اليسار والليبرالية التركية والقوى القومية الكردية الشرعية انها على قدر كبير من النضج وانها تقدرقيمة التجربة الديمقراطية في البلاد وكل مايهدد النظام القائم هو تهديد للجميع ، كما ابدت فهمًا واضحا لثلاثة امور ذات مستويات متدرجة في الحياة العامة لاي بلد : الدولة والنظام والحكومة وان لكل واحد من هذه العناوين مساحته . الدولة جامع مشترك وهي التعبير السياسي العقدي عن مفهوم الوطن والنظام هو قواعد اللعبة المتفق عليها لإدارة الدولة اما الحكومة فهي ساحة اللعبة والمنافسة ، والخلاف او الاختلاف متاح على مصراعيه وما يتهدد الدولة والنظام يهدد جميع أطراف لعبة الحكومة ؛ هذا بدا واضحا في السلوك الناضج الذي انتهجته جميع أطراف اللعبة السياسي في تجربة الانقلاب الاخيرة .
٣- ان الدولة العميقة فقدت بريقها منذ زمن طويل غير ان قواعد اللعبة الديمقراطية وسيادة حكم القانون كبلا يد الحكومة في التعامل معها واجتثاثها رغم ان جميع أطراف الحياة السياسية باتوا في السنوات الاخيرة في موقف الرافض لها وتدخلاتها في الحياة العامة خارج الأُطر القانونية والسياسية لكن بقايا رغبة في مناكفة الحكم كانت ماتزال باقية في نفوس البعض ؛ هذه المعادلة قد تبدلت بعد الانقلاب الخائب الأخير واصبح الإدراك العام متجها ، بلا اي استعداد للمساومة ، الى ضرورة اجتثاثها خاصة وانها اصبحت مربضاً مقلقا للسلام والاٌمن الأهليين مع توجهات دينية – قومية متطرفة تخلط بين أقصى الاصولية العلمانية وأقصى الاصولية الدينية ؛ المجتمع التركي لم يعد يتسع مع نموذج دولة الرفاه ، الدولة الاجتماعية ، لمثل هذا النوع من التطرّف الفكري الذي يرفض مغادرة الماضي .
٤- قانونياً وسياسياً اثبتت التجربة التركية انها قد أنتجت اليات نظامية قياسية لمعالجة اي تهديد جدي يستهدف التجربة الديمقراطية . من الناحية القانونية والمؤسسية تصرف جميع الأطراف الرسميون وفق ضوابط وتسلسل قانوني دون تردد . أدت الشرطة واجباتها وفق مرجعياتها القانونية والدستورية ونفذت الأوامر الصادرة لها من رئاسة الحكومة ثم رئاسة الدولة بالتصدي للانقلابيين رغم كونهم ينفذون عمليتهم الانقلابية بادوات الدولة الشرعية ويزعم الحفاظ على القانون . كذلك نفذ جهاز المخابرات الوطنية عمله وفقا لمرجعيته القانونية وقام بقطع الاتصالات ومارس ادوارا فاعلة في التصدي للانقلابيين في الشارع وعلى المستويات الأعلى كانت الحكومة تتصرف وفقا لمسؤولياتها القانونية والدستورية رغم صدمة وحجم المفاجاة وضخامة الحدث ومنذ اللحظات الاولى كان رئيس الحكومة على تواصل مع اجهزة الدولة . من الناحية الاخرى اثبت الرئيس اردوغان حساً عالياً من المسؤولية وجازف بحياته وهو يتنقل في نطاق جغرافيا تقع ضمن سيطرة الانقلابيين ولجأ الى حقه الدستوري بطلب حماية الدولة والنظام الديمقراطي ممن يمتلكها وهو الشعب ، وكان الشعب على قدر من الوعي العالي بمسؤوليته وخرج بصدور ابناءه العارية ليتصدى للانقلاب . هذه ليست ” هدّة ” عشائر بالمعنى المتداول لدينا ، كما لم يكن ردّة فعل بل تجاوبا ” مؤسسيا ” مبني على تبادل الثقة بين رئيس منتخب وعموم شعب يثق به رغم انه ليس بالمجمل من ناخبيه ، ان الخطر الذي أشار اليه الرئيس اردوغان كان خطرا يتهدد الجميع وان التصدي له من مهمة الجميع وهذه من علامات النضج الديمقراطي والسياسي الذي اتخذ شكلا آلياً – مؤسسياً وهو قابل للتكرار بذات التردد والشدة في آية حالة مماثلة ، ومن يفكر في الانقلاب مستقبلاً عليه ان يحسب حساب ذلك لانه اصبح تقليداً من تقاليد حياة الأتراك ، من ذلك كله صارت المراهنة التقليدية لمعظم الانقلابات في العالم والتي تعتمد على بطأ رد فعل النظام بسبب غياب القيادة ، في حالة اردوغان كان في الإجازة ، لم تكن صحيحة وجاء خطاب اردوغان عبر الهاتف المنقول تلفزيونيا وأوامر رئيس الوزراء عبر التلفزيون لقوى الامن بإحباط المحاولة الانقلابية مربكاً للانقلابيين بشكل فاق كل الحدود .
٥- رغم ان مجموعة كبيرة من كبار القيادات العسكرية شاركت في المحاولة الانقلابية الا ان الشرط الأساسي لنجاح الانقلابات في تركيا ، وفي النسبة الأكبر من الانقلابات العسكرية في العالم ، لم يتحقق وهو وحدة القيادات العسكرية العليا حول الانقلاب وهو مالم يحصل . ان الجيش التركي جيش عريق وعلى درجة عالية من الاحترافية والمؤسسية لذا فان انقلاباً يقوده عدد من القادة مهما علت رتبهم دون مشاركة او موافقة من تسلسل القيادة النظامية المتمثّلة برئاسة هيئة الأركان يجعل من حظوظ النجاح محدودة ، وقد كان من حكمة السلطة ان أذاعت عدم مشاركة رئيس هيئة الأركان بالاضافة الى قائد الجيش الاول المسؤول عن منطقة اسطنبول وغرب تركيا وقيادات اخرى مما اسقط في يد الانقلابيين وأربك موقفهم بشكل كبير خاصة وأنهم لم يقدموا قضية واضحة من شانها ان تكون موضع اجماع ودون مناقشة بما يؤمن التفاف بقية الجيش حول قضيتهم .
، هل يمكن الحديث الان عن حصانة تركية ضد الانقلابات او على الأقل الانقلابات الناجحة ؟!
اجد انه من الصعب الحديث عن ذلك ؛ في الخمسينات من القرن الماضي كتب البروفيسور هارولد لاسكي ، احد ابرز اعلام علم السياسة المعاصرين ، في كتابه عن الدولة ان الانقلابات ممكنة من الناحية الفنية في اي بلد في العالم وقدم سيناريوهات عن انقلابات مُتَصَوَّرة في بريطانيا والولايات المتحدة . يكفي ان يتوفربضعة ضباط وخطة منظمة للقيام بانقلاب ، ولكن ماهي احتمالات نجاحه ؟! ذلك يعتمد على البيئة السياسية – الاجتماعية للدولة . وفقا للبروفيسور موريس دوفيرجييه فان بيئة اجتماعية – سياسية مناسبة شرط لنجاح اي انقلاب وقد تتحول بعض الانقلابات الى ثورات بمعناها الواسع وتؤدي الى تغيير شامل في البنية السياسي والاجتماعية للبلاد ؛ لكن هذا الشرط لم يكن متوفرا في الحالة التركية ؛ باستثناء الموضوع الكردي فلا توجد احتقانات او فوضى اجتماعية كما كان عليه الحال في عقود الستينات والسبعينات والثمانينات . لقد فتحت مرحلة أوزال الباب على مصراعيه لادخال تركيا الى نادي دول الرفاه الاجتماعي ؛ في تركيا الحالية يتجاوز معدل الدخل الفردي عشرة آلاف دولار سنوياً وهنالك نظام متين للضمان الاجتماعي كما ان الخدمات في أفضل حالاتها قياساً للتاريخ التركي وللمحيط الاقليمي ؛ تركيا دولة تتبوأ مركزاً مرموقا بين مجموعة دول العالم العشرين الأكبر اقتصادياً وهي تتقدم في كافة المجالات ولديها نظام سياسي ديمقراطي ناجح ، دعك عن الخطب الدعائية الطنانة المنددة بطغيان اردوغان ؛
في عددها الصادر يوم الرابع من تموز الحالي نشرت صحيفة نيويورك تايمس الامريكية تقريرا لمراسلتها في اسطنبول ” سابرينا تافيرنيس ” ابدت فيه انواعا من الفن الصحفي في مهاجمة اردوغان واتهامه بالسعي للاستحواذ على السلطة مدى الحياة ، لكنهاتعترف انه يحظى بثقة شعبه وانه كان قادراً على الفوز في جميع الاستحقاقات الانتخابية التي خاضها بجدارة ونزاهة وانه واحد من اكثر سياسيي تركيا موهبةً ؛ على الرجل في نهاية المطاف ان يعود لشعبه كل أربعة سنوات وهو لم يدخل القصر الجمهوري على ظهر دبابة ولم يدخله على دبابة محتل اجنبي . الرجل كان حاجة تلبي متطلبات وطموحات ” أمة غاضبة ” على حد وصف البروفيسور كريم أوكام في كتابه الرائع ” أمة غاضبة : تركيا منذ ١٩٨٩” ، غاضبة لانها كانت ضحية للتاريخ وتامر القوى الاستعمارية وضحية للدكتاتوريات التي أعاقت مسيرتها نحو التقدم الذي تمتلك كل مقوماته وليس اخرها تراث إمبراطوري لازال حيّا قريبا في الذاكرة الجمعية للاتراك .
كان مخزياً ومعيباً مظهر التشفي الذي بان عليه بعض الطغاة العرب من بقايا القرون الوسطى الذين ان اوان استحقاقات الشعوب لتقول كلمتها فيهم ؛ ان كان فيهم حسد لشخص اردوغان فليذكروا ان تركيا اصبحت تجربةَ أمةٍ تدرس في المستويات الأكاديمية في الغرب والشرق باعتبارها اول ديمقراطية تثمر في مجتمع مسلم ، كذلك ظهر كم هو مخز موقف الولايات المتحدة ومعاييرها المزدوجة اذ تأوي شخصا من عصور الظلام الديني ، واعني فتح الله غولن ، في الوقت الذي توقف فيه زوارها من العرب والمسلمين من رجال اعمال وطلبة وسياح في نقاط دخولها على الدين والهوية لساعات طويلة وقد تعيدهم من حيث أتوا ، كما انه من المخزي ذلك الموقف الأولي المائع الذي عبر عنه كيري وحليف ديمقراطي يتعرض لعملية سطو مسلح على الشرعية والحكومة المنتخبة وأكثر خزياً منه التحذير والدعوة الموجهة الى تركيا للالتزام “باعلى معايير العدالة ” في محاسبة الانقلابيين وغوانتانامو مازالت قائمة وتشهد على نوع معايير العدالة التي تطبقها امريكا على أشخاص ثبتت براءتهم ولازالوا يقبعون في الإعتقال ؛ النظام التركي الحالي ليس نظاما للإخوان المسلمين بل ليس تجربة في الاسلام السياسي انه التكذيب الناصع المُبَرْهِنُ على ان الديمقراطية ممكنة في المجتمعات المسلمة وان اطروحات برنارد لويس تسحق تحت اقدام هذه التجربة الشامخة ،،،

2 تعليقات

  1. Avatar غسان العسافي

    استاذي العزيز. تحليل رائع. و سرد تاريخي بديع. احسنت.

اترك رد