الطائفية …في العقل الباطن

 
الطائفية ...في العقل الباطن

العقل الباطن ويسمى أيضا العقل اللاواعي ، واللاشعور ، وهو مفهوم يشير الى مجموعة العناصر التي تتكون منها الشخصية ، بعضها قد يعيه الفرد كجزء من تكوينه ،والبعض الآخر يبقى بمنأى كلي عن الوعي ، وعلى الإجمال فالعقل الباطن كناية عن مخزن للإختبارات المترسبة بفعل القمع النفسي ، فهي لاتصل الى الذاكرة ، ويحتوي العقل الباطن على المحركات والحوافز الداخلية للسلوك ، كما انه مقر الطاقة الغريزية الجنسية والنفسية بالإضافة الى الخبرات المكبوتة “. وأما الطائفية ففي ” معظم الأحيان تكون الطائفية السياسية مكرسة من ساسة ليس لديهم التزام ديني أو مذهبي بل هو موقف انتهازي للحصول على “عصبية” كما يسميها ابن خلدون أو شعبية كما يطلق عليها في عصرنا هذا ليكون الانتهازي السياسي قادرا على الوصول إلى السلطة ، أما الطائفي فهو الذي يرفض الطوائف الأخرى ويغمطها حقوقها أو يكسب لطائفته ويستلب ماهو حق لغيرها تعاليا عليها أو تجاهلا لها وتعصبا ضدها”. وكذلك فإن” الطائفي، بحسب معجم أوكسفورد هو الشخص الذي يتبع بشكل متعنت طائفة معينة . ويرى فارس الخطاب ان “التقسيم السياسي للطائفية لا علاقة له بالانتماء الإسلامي، بل هو عمل محض لتقسيم البلاد الإسلامية على نمط عشائري، ولا ينظر إلى الإسلام وما يحتويه من عقائد وأحكام، أو بالأحرى تحويل الانتماء الإسلامي إلى انتماء قومي عشائري. وقد خطط المستعمر لهذا في لبنان وهو ما حاصل الآن في العراق ” وتأريخيا ” فإن الطائفية كانت إحدى أدوات الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م، حيث وضع أحد أشهر تجار مصر حينها – وهو يعقوب بن حنا- نفسه وأمواله الطائلة تحت تصرف الحملة الفرنسية، وشكل فرقة مكونة من ألفين من أتباعه شاركت مع الجيش الفرنسي في قمع ثورة القاهرة الثانية سنة 1800م، هذه العملية (بحسب المؤرخين) أوجدت -ولأول مرة تاريخيا- فتنة طائفية مازالت في ذاكرة المصريين. ومن قبل الحملة الفرنسية ، كانت الحملة التي قادها الصفويون – وتحديدا عباس الأول في إيران ( 1587-1629)- والتي أجبرت سكان بلاد فارس على التحول من مذهبهم إلى مذهب آخر لمنافع سياسية إستراتيجية، وضعها من قبله بإتقان إسماعيل الأول، ثم من بعد ذلك استثمرت الحركة الصهيونية العالمية موضوع الطائفية من خلال ما تم التعرف عليه من أدبيات ومحاضر من خلال مؤتمرها العالمي الذي عقدته في بازل بسويسرا عام 1879م، والذي أصدر قرارات خطيرة ومهمة سميت بـ(بروتوكولات حكماء صهيون)، البروتوكول الخامس منها يقول “نجح اليهود في نشر التعصبات الدينية والقبلية خلال عشرين قرنا، مما جعل الأمم تنشغل بخطر جيرانها عن الخطر اليهودي “”ويرى الدكتور طه العلواني في بحثه الموسوم (الانقسامات الطائفية وآثارها المستقبلية ” إن موضوع الطائفية لم يتحول إلى “إشكالية أو أزمة إلا في القرنين الأخيرين خاصة، وذلك تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية، في ظرف تاريخي معين ساعد على إحداث نوع من التفاعل بين العوامل الداخلية والمؤثرات الخارجية”. وبذلك أصبح مفهوم الطائفية يمثل المذهب، وتحول أصحابه إلى حملة أيديولوجيات وهوية تجاوزت وتتجاوز – بحسب توفر الظروف الملائمة لها- ثوابت، سواء في العقيدة أم في مفهوم المواطنة” . كما ” ان التعددية الطائفية هى ظاهرة طبيعية موجودة في كل المجتمعات وعند الشعوب و الأمم كافة ، حتى فى تلك المجتمعات التي تبدو متجانسة في نسيجها الداخلي حيث إن التعدد ليس دائمًا هو السبب الوحيد للانقسام ونشوب الصراعات المسلحة وتدمير الكيانات الوطنية؛ ولكن تظهر إشكالية التعددية الطائفية إذا ما تم توظيفها سياسيًا الأمر الذي يؤدي إلى اندلاع الصراعات بين الطوائف المختلفة كما في الحالة اللبنانية ، فقد دخلت لبنان فى اتون الحرب الاهلية بسبب الطائفية والتعامل الخاطئ معها”

اذن الطائفية ليس ان تقف في مكان مرتفع لتقول بالفم المليان أنا طائفي وأمقت المكون الفلاني ، بل هي كالخلايا النائمة في جسد الانسان ، فتجد ان زيدا يدعو لوحدة الشعب العراقي والتسامح والترفع لكنه لايتعاطف مع محنة مكون بعينه ، وآخر يشطب ملايين من العراقيين ليأخذهم بجريرة مجاميع مسيسة تنتمي لها ، او يصر على ذكر وتكرار اسم مكون كبير بسبب فعل سلبي لهذه المجاميع أو الأفراد وهذا بالطبع يعكس حجم الطائفية لديه وسعيه في الظاهر والباطن لتقسيم العراق ارضاء لطائفيته ، وهو بعينه الخراب و من ثم تحقيق هدف أعداء العراق بأن تمتد الفرقة الطائفية حتى الى داخل جسد الأسرة الواحدة ، ليصبح ( هذا الشخص ) مؤيدا لهذا المكون بالتضاد مع أخيه الذي يؤيد مكونا آخر ، ومما يزيد من فاعلية الطائفية لدى الأفراد ، وقوع عمليات عسكرية أو أمنية وخصوصا حينما ترتكب انتهاكات ومخالفات في مناطق يسكنها مكون بعينه ، ناهيك عن الشحن الفكري والمذهبي الدولي والإقليمي الذي يعتبر المحرك الرئيس للطائفية من أجل تحقيق أهداف سياسية وعسكرية. لكن الحقيقة التأريخية تؤكد أن الطائفيين مهما أوتوا من أساليب وإمكانات أوخبرات لايمكن أن يبنوا وطنا ويوحدوا شعبا هم أداة تفريقه ، ذلك لأنهم كما قلنا فئة فاقدة للبصيرة والآستقراء ، وأداة لتمزيق اللحمة الوطنية بشكل مباشر أو غير مباشر خصوصا اذا كانت العقلية الظلامية ، تسيطر على مفاصل التعليم وبقية مفاصل الدولة ، فالوطن لا يستقر مع التقسيم الطائفي الذي هورجس من عمل الشيطان ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، لقد “ضاقت بنا سفن الاغتراب وتاهت مراكبنا في بحر الغربه ولم نجد ميناء الوطن الذي ننتظر زمن ظهوره … فمتى تستقر رحلة العمر على شاطى الوطن … تعبت سواعدنا من التجديف وتقطعت الأشرعه واستهلكنا كل الوقود الذي حملناه معنا… لم يبق لنا الا الأمل في ان يواصل أبناؤنا من الجيلين الثالث والرابع من المهاجرين مشوار أجدادهم في البحث عن الوطن … هذا اذا سمحت لهم دول الاغتراب بالإبحار في مياهها الاقليميه” .

هذا ماكتبه أحد المغتربين اليمنيين في أميركا على صفحته في الفيس بوك، فما بالك والطائفية والطائفيون قد تسببوا بهجرة ملايين العراقيين من بلادهم ، بل وحتى أن بعضا منهم حملوا فايروس هذا الوباء الذي زرعه أعداء الله والاسلام والعراق . لقد خاطب الله عز وجل الرسول الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ { ” ان الله يؤلف بين القلوب حينما تتجه كلها اليه وترجوه وتدعوه بأن يجمعها على المحبة والمودة والسلام.. دعونا اذن نلملم مافاتنا ولانفرط بأبناء شعبنا ، وان نتقي الله ونقول قولا سديدا يصلح حالنا وواقعنا ، ولنتخلص من ضغائننا بالوعي والعقيدة الخالصة ووحدة الكلمة وأولى هذه الضغائن هي …الطائفية المقيتة…في العقل الباطن .

* د طه العلواني
* فارس الخطاب
* عبداللطيف فارق

لا تعليقات

اترك رد