هل أتاك حديث فشل الانقلاب في تركيا : سيادة الشعب و المعارضة وانتصار الديمقراطية

 
هل أتاك حديث فشل الانقلاب في تركيا : سيادة الشعب و المعارضة وانتصار الديمقراطية

هاتفني صديقي حين خرج الانقلابيون ببيان يعلنون فيه انقلابهم الناجح وحظر التجوال فقلت له مطمئنا ومطمنا: “سيفشل الانقلاب لاعتبارات كثيرة” ودخلت في الخط مع صديقتي الدكتورة الضالعة في أمور السياسة الشرق الأوسطية ونحن نتناقش لأكثر من ثلاث ساعات متتبعين كل مراحل الانقلاب إلى نهايته وقلت لها في بداية حديثنا : سيفشل الانقلاب لأن أردوغان في أمان، بالرغم من أنها أكدت نجاح الانقلاب. قلت لها : سأنتظر بعد دقائق تصريحات البيت الأبيض ورد فعل كيري. وبعد دقائق صرح أردوغان من خلال السكايب أن الانقلاب عملية إرهابية ودعا الشعب التركي إلى حماية الديمقراطية وصرح غول وبعده أوغلو داعين الشعب التركي لحماية خيارهم السياسي فخرج الشعب أفواجا أفواجا رامين بأنفسهم أمام الدبابات غير مبالين بمصيرهم في سبيل الحرية وفي وجه بعبع العسكر الذي أذاقهم ويلات الاستبداد، لقد كرهوا العودة إلى الديكتاتورية ويأس الانقلابيون كما يأس الكفار من أصحاب القبور، ولم يصرح أوباما إلا بعد ساعتين وتأكد من خلال أجهزة استخباراته أن الانقلاب فاشل فكان الانقلاب اختبارا لرد فعل أوروبا و أمريكا بالتحديد.

اجتمعت كل الكتل البرلمانية في قبة البرلمان من يسار و يمين وعلمانيين و يساريين وشيوعيين و إسلاميين وبخاصة حزب الشعب الدستوري رغم خصومته مع أردوغان وحتى الأكراد ذاتهم مستنكرين رافضين هذه المحاولة التي أسموها إرهابا وتعديا وتكسيرا لحرمة تركيا العظيمة غير مباليين بما سيحدث لهم في حالة نجح الانقلاب وكانت مواقفهم تتحدث وليست مصالحهم، إنهم يموتون في سبيل تركيا الوطن مهما اختلفوا مع أردوغان ومهما ارتكب من أخطاء إلا أنهم يحتكمون للصندوق لا إلى السلاح وإلى الديمقراطية لا إلى القوة وسيرجعونه إلى بيته يوم الانتخاب معززا مكرما لا مكبلا ومنفيا، نجح اليساريون و العلمانيون و الإسلاميون في أن يكونوا أتراكا مضغة واحدة وابعدوا السهر و الحمى عن جسد الوطن. اختلفوا مع أردوغان ولم يختلفوا حول الديمقراطية و الحرية ومشوارهم الطويل في التضحية لأجل التخلص من الاستبداد وثقافة الانقلاب، لم يختلفوا حول الوعي والاختلاف والمشاركة الديمقراطية ومبادئ المواطنة و المجتمع المدني الذي بنوه حجرة حجرة وحول الانفتاح الاقتصادي و التنمية التي حققوها بفضل تضحياتهم و تقشفهم ليرجعوا الديون التي خلّفها فساد العسكر، اختلفوا حول السياسة وطردوا الحقد والتشفي عن بعضهم البعض وكان ذلك مثالا عظيما حبهم لوطنهم واستقراره على عكس ما حدث لأحزاب المعارضة المصرية سنة 2013 التي نسقت مع النظام وتعاونت معه لتتخلص من خصمها السياسي وهو سلوك ينافي ما قامت عليه ثقافتها في الربيع العربي” التناقض الأعمى”. كان الأتراك جسدا واحدا لأجل بقاء نوعهم ووجودهم على عكس العرب الذين يكرهون بعضهم بعضا ويكادون يفنون جنسهم بالحروب والاقتتال والتآمر حتى مع الشيطان.
لقد كسب الجيش التركي وعيا كبيرا في صفوفه ونمّى احترافية تطورت في مؤسسته جعلته ينسحب من السياسة ويقتل طموحه فيها، وحقق المواطنون الأتراك وعيا بالمسؤولية وثقافة ديمقراطية قلّ نظيرها في العالم تمثلت في نخبها السياسية وفي أجهزة الإعلام التي تخدم المجتمع بالمعلومة الصحيحة لا المغلوطة. إنه الشعب الذي يدافع عن خياره ويستمع لرئيسه في السكايب .

15 جويلية يوليو 2016 سيبقى يوما خالدا في تاريخ تركيا سقطت أذرع داخل الجيش و الشرطة ولم يستمع الشعب للبيان، لقد اعتبروه انقلابا عن الشرعية وعن اختيارهم، أعطى الانقلابيون الرئيس أردوغان قوة وأعطوا الشعب التركي من جديد فرصة في صنع تاريخه واختياره الديمقراطي وأعطوا الفرصة للمعارضة لتظهر أنها معارضة حقيقية قائمة على قواعد حقوق إنسان صحيحة، ومنحوا الجيش شرعية أكثر مما كانت له من قبل وأظهرت قوة تلاحم الشعب مع بعضه البعض حتى أفراد العسكر المنقلبون يحميهم الأمن، لقد ظهر جهاز الاستخبارات التركية الذي يقوده أربعيني قويا متماسكا يدين بالولاء للشرعية وللوطن لا إلى الانقلاب.

في الأخير ما يحز في النفس أن الأتراك يصنعون تاريخهم والعرب فصائل تتقاتل بين معارض لأردوغان وناقم عليه، العرب يهتمون لتركيا وينسون بلدانهم البائسة، ينبهرون لتركيا ويفشلون في الدفاع عن أوطانهم وعن أنفسهم وعن مواقفهم ويخذلون كل من يقول كلمة حق، ويحبطون عزيمة من يزرع الوعي أو يشارك في نشره أو يدعو إلى مجتمع مدني و مواطنة حقيقية. معارضة شكلية فاسدة تتعاقد مع السلطة المستبدة لسرقة المال العام و اقتسام خيرات الوطن فيما بينها ، امتيازات كبيرة وتنازلات للمحتل والأجنبي الدخيل الذي يرمي حتى نفاياته النووية عندنا. أجزم حتى لو كان الانقلاب مسرحية فما أصغرنا حكومات و شعوبا والشركات التركية تصنع لنا الطرقات والمعامل و الناطحات ونسيجها يكسو عورتنا، وثقافته تكاد تمحو ثقافتنا.
خالد ساحلي

1 تعليقك

  1. Avatar عبد الحميد سي ناصر

    بغض النظر عن علاقة ما حدث في تركية بما يحدث في الشرق الاوسط و موقع اردوغان في معادلته ، فإن الدرس الذي يمكن ان يستشف من محاولة الانقلاب في تركية و الطريقة التي تعامل بها حزب العدالة و التنمية مع الحدث ، هو أن الحماية الحقيقية لاي نظام هي الشعب و مدى التحامه مع من انتخبهم بشكل ديمقراطي و حر ، فلو لا هذا الالتحام بين الشعب و اردوغان لما استطاع اردوغان ” العودة ” الى حكم تركية بهذه السرعة … اوافقك الرأي استاذ خالد

اترك رد