تركيا …الانقلاب الخائب وخيبة الحسّاد !!

 
تركيا ...الانقلاب الخائب وخيبة الحسّاد !!

ماكان حلما بدا في الآونة الاخيرة بعيد المنال بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب اردوغان جاءه هدية من الانقلابيين الخائبين الذين حاولوا السيطرة على الحكم ليلة السادس عشر من تموز الحالي ؛ هذا الانقلاب الخائب اخرج اردوغان أقوى وأكثر قدرة على المضي في مشروعه بإقامة نظام رئاسي ويؤمن له موقفا قويا ازاء الحلفاء الدوليين الذين خذلوه في الآونة الاخيرة مثل الولايات المتحدة التي تشهد وسائل اعلامها حملة لم تعتد على شن مثلها الا ايام الحرب الباردة ضد زعماء معادين او منحازين للخصم الايديولوجي ، الاتحاد السوفيتي . هذا الانقلاب كاد ان ينجح وبدت ساعاته الاولى مكللة بهذا النجاح حتى لحظة ظهور اردوغان على شاشة احدى محطات التلفزة حيث دعا الشعب للنزول الى الشارع وأعلن عزمه العودة الى اسطنبول للنزول بنفسه الى الشارع لمواجهة الانقلاب مع الجماهير . كانت تلك نقطة التحول حيث اقتحمت الجماهير المطار وطردت الجيش منه وأمَّنته لاستقبال طائرة الرئيس .

لأجل إعطاء فكرة كاملة قد يكون من المفيد اعادة شريط الأحداث كما وقعت :
في حوالى الساعة الساعة السابعة والنصف بتوقيت غرينتش من مساء يوم الجمعة ١٥ تموز قامت وحدات عسكرية باغلاق جسري البوسفور في اسطنبول وبعد ذلك بوقت قصير بدات أصوات تبادل إطلاق النار وتحليق طائرات تسمع في انقرة وحلقت طائرات مقاتلة وهليوكبتر في اجواء اسطنبول وبدا واضحا ان محاولة انقلابية قد وقعت .

كان رئيس الوزراء بن علي يلدريم قادرًا كما يبدو على التواصل هاتفيا مع قناة خبر التركية وقد ادلى بتصريحات أكد فيها ان مجموعة صغيرة من الضباط تحاول الاستيلاء على السلطة وان الحكومة عازمة على الدفاع عن الديمقراطية كما أكد ان قوات الامن قادرة على احباط المحاولة واعادة الأمور الى نصابها . كان الرجل يبدو واثقا وحازما .

كان البيان الاول للقوات الانقلابية قد تم بثه من خلال موقع إلكتروني معلنا فيه ان الجيش قد استحوذ على السلطة حفاظا على ألديمقراطية وأعلن البيان ان جميع علاقات تركيا الخارجية ستستمر . لغة البيان وطريقة أذاعته عكست أولى بوادر وهن المحاولة .
في هذه الأثناء أعلنت قناة CNN التركية ان الرئيس في وضع آمن فيما أعلنت وكالة الأناضول ان رئيس الأركان رهن الإعتقال من قبل الانقلابيين الامر الذي يؤشر الى حقيقة ان الانقلاب كما وصفه رئيس الوزراء بانه من ترتيب مجموعة محدودة من الضباط لان العادة جرت في تركيا ان يقود رؤساء الأركان الانقلابات .

قامت قوات الانقلابيين باجتياح مقر شبكة TRT الإعلامية الحكومية والمقرين الرئيسيين لحزب العدالة والتنمية في انقرة واسطنبول .
بثت شبكة TRT بيانا للانقلابيين يشير الى ان دستورا جديدا سيعتمد في البلاد متهما الحكومة بتدمير الديمقراطية والحكم العلماني وان هيئة تدعى ” مجلس السلام ” ستتولى إدارة الدولة كما أعلن البيان فرض الأحكام العرفية وحظرا شاملا للتجوال .
أكد مصدر رئاسي ان الرئيس والحكومة مازالوا في السلطة ويمارسان واجباتهما .

عاد رئيس الوزراء التركي ليؤكد عبر تويتر ان كل الإجراءات قد تم اتخاذها لإحباط المحاولة الانقلابية وستقاوَم حتى الموت وانه تجري محاصرة مقرات التمرد .

الساعة العاشرة و ستة وعشرين دقيقة بتوقيت غرينتش كانت قلابة الأحداث بظهور الرئيس رجب طيب اردوغان على CNN التركية ومن خلال هاتف نقال داعيا الشعب للنزول الى الشوارع لمواجهة الانقلاب الذي تنفذه ثلة صغيرة من الجيش كما أكد انه سينتقل الى العاصمة انقرة وكانت الاستجابة الشعبية سريعة وفعالة.

بدات القوات الانقلابية تواجه مقاومة شرسة من قبل قوات الشرطة وقوات مكافحة الشغب وعناصر المخابرات وكلها موالية للحكومة الشرعية وللرئيس اردوغان وقد بدات أصوات الانفجارات تسمع في انقرة واسطنبول وكان واضحا ان العنصر الأساسي في الانقلاب هو سلاح الجو وبعض الوحدات البرية وتم استهداف مبنى البرلمان حيث وقع عدد من الضحايا من قوات الشرطة .

بعد الساعة العاشرة بتوقيت غرينتش أعلن قائد الجيش الاول ، وهو القوة المسؤولة عن اسطنبول ومناطق غرب تركيا ، ان المحاولة الانقلابية من عمل فئة محدودة وانه مامن شيء يدعو للقلق ، كذلك أعلن قائد القوات الخاصة ان مجموعة خائنة تقوم بعملية الانقلاب وان الجيش لايتبنى المحاولة .

جاء رد الفعل الدولي الأهم حول الأحداث على لسان الرئيس اوباما في ساعة متاخرة مشيراً الى ان على جميع الأطراف في تركيا دعم الحكومة المنتخبة كما ادلى وزير خارجيته كيري بتصريح مماثل رغم انه في وقت مبكّر ادلى بتصريح مائع مخالف من حيث الجوهر لهذا الموقف وقد فهم الموقف الامريكي على انه دلالة على ان الانقلاب قد فشل وان الاولويات المتحدة تمتلك من المجسات داخل تركيا مايمكنها من تقدير الموقف بشكل دقيق . كما صدر بيان مماثل عن الاتحاد الاوروبي رغم موقف مائع أولي عبرت عنه السيدة مورينيو في وقت سابق ، كما اجرى كيري اتصالا مع وزير الخارجية التركي أكد فيه دعم الولايات المتحدة المطلق للحكومة المدنية المنتخبة ديمقراطيا ؛ روسيا بدورها أعربت عن موقف مماثل واعتبرت ان عدم الاستقرار في تركيا سيؤدي الى عدم الاستقرار في العالم .
ماجرى بعد ذلك هو عمليات تصفية وتطهير للمواقع الحكومية والشوارع من مظاهر الانقلاب على يد قوات الشرطة ومكافحة الشغب وجهاز المخابرات الوطنية ، وقد ظهر الرئيس اردوغان في اسطنبول وكان ذلك نقطة حاسمة في انهاء زخم الانقلاب بالكامل وأصبحت الجماهير تتوافد بعشرات الآلاف الى الشوارع كما قامت قوات الامن بتصفية اخر مظاهر الوجود العسكري في الشوارع .
وجهت الاتهامات الى فتح الله غولن الزعيم الديني المتطرف والمقيم في بنسلفانيا في الولايات المتحدة ومجموعته التي تسمى بالتنظيم الموازي حيث تتغلغل عناصر مجموعته في مفاصل الدولة كجزء من الدولة العميقة وأعلن رئيس الوزراء التركي مطالبة تركيا تسليمها غولن لغرض محاكمته ويعتقد ان هذا الموضوع سيكون عامل توتر بين الطرفين وهو ما لاتتمناه الولايات المتحدة لدور تركيا الحالي في الحرب على داعش .

بشكل عام يمكن القول ان الانقلاب قد ال للفشل الذريع رغم ان بعض المواقع مازالت بيد الانقلابيين الا ان الاتجاه العام والمهيمن على المشهد تؤكد ان مايجري هو تصفية جيوب معزولة محدودة ولا تدعو للقلق خاصة وان اكثر الانقلابيين وقادته بشكل خاص اما وقعوا بيد السلطة الحكومية حيث جرى اعتقال اكثر من ١٥٠٠عنصرا كما يبدو ان بعض عناصر الانقلاب قد هربت للخارج .
مالذي يمكن إبداءها من ملاحظات عاجلة حول الموضوع :

١- ان العامل الحاسم في افشال الانقلاب هو رفض الشعب بمختلف اتجاهاته لهذا الانقلاب وقد عبرت احزاب المعارضة عن موقف التضامن مع الحكومة الشرعية وهذا يعني ان هنالك متغير جوهري طرأ على الإدراك العام للشعب التركي وانه غير مستعد للمساومة على نظامه الديمقراطي مهما كانت الأسباب ورغم التوتر الأخير الذي بدا يطفو على السطح بين عموم طبقات الشعب التركي بعد ان انغمست تركيا في نزاعات في اكثر من جبهة خارجية ، ولكن يبدو ان احترافية الطبقة السياسية التركية التي تقود البلاد حاليا وإتقانها ” الكار ” السياسي جعلها تخطو خطوة الى الوراء بالاتجاه الى المصالحة مع روسيا وإسرائيل والدعوة للتطبيع مع سوريا والعراق وربما مصر ؛ هذه الخطوات اعادت ثقة الجمهور التركي بقيادة البلاد .

٢- اتبت اردوغان شجاعة سياسية وشخصية حاسمة أدت الى قلب الميزان في الشارع بفعل ظهوره ودعوته الجماهير للنزول الى الشارع وكانت الاستجابة سريعة وقوية كما يبدو انه قد رتب شؤون أمن نظام الدولة بشكل رصين ومناسب بحيث شهدنا ان قوات الامن الداخلي كانت قادرة على مواجهة وحدات الجيش الانقلابية في الشارع وبانضباط عال رغم تعرضها للقصف الجوي ؛ اردوغان هو اليوم أقوى مما قبل الانقلاب وانه قد حاز على تفويض شعبي كاسح لتطهير الدولة واجهزتها من العناصر غير الموالية للديمقراطية ، كذلك كان موقف رئيس الوزراء الجديد ملفتا من حيث قدرته على إدارة الأوضاع لمواجهة الانقلاب في موجته الاولى رغم غياب الرئيس خارج العاصمة .

٣- من الواضح ان تركيا قد اصبحت في عصر جديد يمكن وصفه بانه عصر مابعد الانقلابات . لقد ترسخت قاعدة الديمقراطية والإيمان بها كأساس للعبة السياسية في البلاد وتجتمع حول ذلك الموالاة والمعارضة مما يعني ان الدولة العميقة والتنظيمات السرية اصبحت عدوة للجميع وانها كائنات غريبة ومضرة في الفضاء السياسي التركي وهذا امر في بالغ الأهمية لاستقرار البلاد ومضيها في طريق التنمية ومعالجة قضاياها الأمنية الملحة مثل الموضوع الكردي بعيدا عن لانشغال بمعارك داخلية ضد اشباح كما كان يجري في القرن الماضي . كما اظهر الحدث ان تركيا قد تحولت بالفعل الى دولة مؤسسات حيث تحركت مؤسسات النظام بشكل منسق ومنضبط بما في ذلك قوات الجيش واجهزة حفظ النظام ومختلف الأجهزة الحكومية التي أظهرت ولاءاً للدولة والشرعية .

٤- من المحتمل جدا ان تتجه العلاقات الامريكية التركية الى التوتر وذلك بسبب موجة من الانتقادات على لسان مسؤولين امريكيين لشخص الرئيس اردوغان ولو بشكل غير مباشر الامر الذي فتح الباب واسعا امام موجة إعلامية غير مسبوقة من النقد لسياسات تركيا وشخص اردوغان وخاصة من قبل تلك المؤسسات الإعلامية التي تعتبر قريبة من الادارة والخارجية مثل نيويورك تايمس وفخورين افيرز وواشنطن بوست ومجلة تايم ومعظمها تحدثت عما يشبه الأمنية بوقوع انقلاب يزيح مانسميه نظام اردوغان السلطوي ، وواضح ان القضية الاساسية هي التباين في الموقف من الوضع في سوريا والقضية الكردية ودعم الولايات المتحدة لمجاميع كردية تصنف على انها فصائل ارهابية .

٥- تمت إدارة الانقلاب إدارة سيئة فقد وقع في ظرف بدات فيه الثقة تستعاد بين الحكومة والجمهور واعادة الانفتاح على المحيط الاقليمي مجددا كما ان اغلب الشخصيات السياسية الرئيسية بقيت حرة طليقة وفي ظروف الاعلام المفتوح كان بوسع الجميع التحريض والتوجيه ضد العملية الانقلابية وهنالك قاعدة عامة في جميع الانقلابات مفادها ان الحسم ان لم يتم منذ الساعة الاولى فالأمور على الأغلب ستكون لغير صالح الانقلاب .
٦- فضح الانقلاب حقيقة موقف بعض الأنظمة الخليجية وخاصة عبر وسائل إعلام ممولة خليجيا من تركيا ونظامها الحاكم . هذا الموقف المتشفي لايخدم احدا ومن كانت له شكوى ضد نظام اردوغان فله ان يعلنها دون مواربات ، كما ان العداء لجماعة الاخوان المسلمين لاينبغي ان يظل عقدة تحكم علاقات الدول في المنطقة خاصة وان نظام تركيا هو نظام وطني مختار من الشعب اتجاهاته تحكمها معايير المصالح لا الأيديولوجيا .

هذه ملاحظات أولية سريعة نامل ان نطورها في مقالات قادمة يستوجبها حجم الحدث بشكل مؤكد …

لا تعليقات

اترك رد