عن الكتابة المسرحية

 
عن الكتابة المسرحية

تأليف : مارشا نورمان
ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

ماذا نعمل عندما نكتب للمسرح ؟ هل نسلى أنفسنا ، هل نقوم بالترفيه عن الآخرين ؟ هل نعلن عن حكمتنا ؟ هل نحاول الحصول على لقمة العيش ؟ هل نحاول أن نحدد هدفنا ؟ هل نخدم شكلا من أشكال الفن ؟ هل نسهم فى الحوار ؟ هل نحاول إنقاذ السفينة ؟هل نحاول إغراق السفينة ؟ هل نحقق التوازن ؟ هل نواصل التواجد ؟ هل نخاف على وجود مهنتنا ؟ هل ننجز مهمتنا ؟ ماذا ؟

لقد كتبنا جميعا من أجل كل هذه الأسباب بين الحين والحين . كنا جميعا فى حاجة إلى ما يمكن أن يمنحه المسرح لنا ، و قد قدمنا جميعا قلوبنا إلى الآلهة على أمل الحصول على مكان ما على مائدة الكتاب المسرحيين ، فتعرضنا جميعا للإساءة ، وقد سمعنا جميعا عبارات مثل :

” لا ، لا يمكنك الجلوس هنا ، أنت لست مستعدا .”

” نعم ، يمكنك أن تجلس هنا ، لكننا لا نعتزم أن نشجعك .”

” هل أنت مجنون ؟ لا يمكن لمثلك أن يجلس هنا .”

” حسنا ، يمكنك أن تجلس هنا، لكن فقط ريثما تأتى بجديد .”

” لا ، اكتب للتلفزيون ، لا يمكنك الجلوس هنا.”

نعم ، يمكنك أن تجلس هنا، لكن فقط حتى يتم افتتاح عرضك القادم ”

إذا كنت تقرأ هذه المجلة ، فأنت تعلم أنه لأمر مؤلم أن تكتب للمسرح . لكنك تعلم أيضا أن ليس الفنانون وحدهم من يتعرضون للإساءة ، فالإساءة حالة إنسانية .من حسن الحظ ، ليست الإساءة هى الحالة

الإنسانية الوحيدة ، فالناس يشعرون أيضا بالحب والخوف والقوة والمجد ويتعرضون للإحباط والهزيمة والانتصار ، وهم يتوقون للشخصية المخطئة ، فيعقدون الصفقات مع الشيطان ، ويستولون على أشياء لا تخصهم ، ولديهم عيوب قاتلة وثروات فاحشة . يكررون الخطأ نفسه مرات ومرات ، وأحيانا يتعلمون أشياء . خاصة فى المسرحيات الموسيقية ، يتعلم الناس أشياء. ما نحتاج أن نعمله ككتاب مسرحيين ومؤلفين للاغانى وملحنيين، ليس محاولة إيجاد مقعد على المائدة ، نحتاج أن نقول حقا إذا ما كان ذلك أشعرنا بأننا نحب أن نكون كائنات بشرية وحيدة فى عصرنا . كتاب المسرح هم من ينقلون الحالة الإنسانية ، وهم من يرسمون طريقا بائسا لإنسان معين نحو هدف معين . مثل هؤلاء الكتاب هم من نكن لهم التقدير . فالمسرحيات التى تحكى لنا القصص هى التى نحتاج إلى سماعها، لأننا نسافر على الطريق نفسه ، تلك هى المسرحيات التى تنجو من الموت وتبقى حية.

نريد جميعا أن نكتب تلك المسرحيات التى تذهب لكى لا تحفظ فى الأدراج ، والتى لها حياتها الخاصة . مثل الدكتور فرانكشتاين ، نريد جميعا أن نخلق الوحش الذى ينهض من فوق المائدة ويسير فى الليل باحثا عن الحب . لكن كيف لنا أن نفعل ذلك ؟ لو أننا كنا ننوى صعود جبل ضخم فإن دليل موثوق به سيقول لنا ماذا نلبس وماذا نحمل فى حقائبنا ومتى نتوقف ونستريح ؟ فالانصات إلى هذا الدليل الجيد يمكن أن يحسن فرصتنا فى الوصول إلى القمة والعودة وتوفير الوقت ، وربما إنقاذ حياتنا .

إذن ما هى حبال حياة كتاب المسرح والمعالم والإشارات و وسائل الوصول إلى الطريق الصحيح والبقاء هناك . هذه المسألة برمتها هى مجموع كل ذلك ، بداية من من أفضل ما لدينا من أدلاء ، هؤلاء الناس الذين يقضون حياتهم فى مراقبة الناس وهم يصعدون الجبل الضخم ، لكننى أريد أن أتحدث قليلا عن الموضوع ، لأن تجربتى فى اختيار الموضوع غير المناسب خطأ لا يغتفر ، إنه خطأ المبتدئين الذى يمكن أن يتعرض له الشخص فى أى وقت . ومن ثم ما هو الموضوع المناسب للمسرحية ؟ قال آرثر ميلر الموضوع الأهم هو كيف يجعل الإنسان من العالم بيتا ، لكن ماذا يعنى ذلك ؟

عندما بدأت الكتابة المسرحية للمرة الأولى سألنى جون جورى : ما الذى تريدين الكتابة عنه ، قلت لا أعرف ، كل ما أعرفه أننى أنتمى للمسرح .وعند ذلك قدم لى هذه النصيحة : عودى إلى الزمن الذى كنت فية خائفة حقا واكتبى عن ذلك . سيجعلك الخوف تتذكرين التفاصيل ، والتفاصيل تقنع الناس الآخرين بأن القصة

واقعية ، ومن المحتمل ، إذا أنت خفت من هذا ، فإن الآخرين سيخافون من هذا أيضا ، ومن شأن ذلك أن يلفت انتباههم . وكانت المسرحية التى كتبتها بعد تلك النصيحة هى مسرحية : ” خروج ” التى ترتكز على شخصية فتاة عنيفة التقيت بها عندما كنت أعمل فى مستشفى عام للأمراض العقلية . وقد كانت – تلك المسرحية – نقطة انطلاق مسيرتى المهنية وماتزال تعد من أهم ما لدى من مسرحيات . لقد سمع كل طلابى هذه النصيحة . واستفاد ديفيد ليندساى– آبير ، من هذه النصيحة فكتب مسرحية ” حجر الأرنب ” وسمعت تونى مورسون تقول الشىء نفسه ذات مرة ، فقد قالت : ” الفزع هو الذى يدفع الناس لتقليب الصفحات ” من الواضح ، الخوف من شىء ما موضوع خطير .

عند تلك النقطة يمكن لنا أن نذهب إلى كل المسرحيات الشهيرة والمسرحيات الموسيقية ونختصرها فى كل ما كانت تخاف منه الشخصيات العظيمة . ربما يبدو ذلك أمرا تافها ، لكن هاملت يخاف مما سيحدث له لو أنه لم يكتشف من الذى قتل أباه . لورا تخاف ما سيحدث لها لو ظلت تعيش فى منزل تورفالد . والملك لير يخشى ألا تحبه بناته . والملك أوديب يخشى أن الكثير من الناس سيموتون إن لم يتم رفع اللعنة . وماشا تخاف ألا تصل موسكو . وجوليت تخشى أن تفقد روميو . وكارلى يخشى أن يستولى جاد على فتاته. وماريا تخشى الرحيل عن الدير . ألخ ألخ ألخ . لكن الاستخدام الأفضل فى عصرنا هو التفكير فى الخوف وكيف يتم سحبنا إلى حافة مقاعدنا عندما يكون لدينا ذلك النوع من الخوف على المسرح .

أول شىء عرفته على وجه اليقين أنه لا يكفى وجود الخوف فى حد ذاته . مؤخرا كنت على متن رحلة بحرية لمشاهدة الحيتان فى شمال أيسلندا ، كنت خائفة جدا من الغرق ، كنت أرتدى بدلة زرقاء كبيرة ومعطفا واقيا من المطر وسترة نجاة وقفازين و ثلاث قبعات . لم أقف أبدا ولو لمرة واحدة ، لأن البحر كان عنيفا جدا ، التصقت بمقعدى ومكثت مغلقة العينين طوال الرحلة ، كل ما كنت أتمناه طوال الوقت الانعتاق من هذا الخوف ، لكنه لم يات أبدا . فقط عندما رست السفينة وصار لى مطلق الحرية فى المغادرة،خرجت من هناك بأسرع ما أستطيع . لو كان ذلك مسرحية ، لكنت سأغضب من الكاتب المسرحى بسبب محاصرتى وتعذيبى على هذا النحو .

النقطة الأساسية هنا أن شخصيتك فى حاجة إلى فعل ما ، يمكن لك اتخاذه للتغلب على خوفها وإنقاذ نفسها . فنحن نأتى الى المسرح لنرى ماذا يفعل الناس عندما يقعون فى مشكلة . على ما أعتقد ، أى نوع من

المشكلات . نريد أن نرى هذا لأننا ربما نجد أنفسنا فى نفس المشكلة ذات يوم . وطوال وجودنا على هذه الأرض ونحن نتجمع حول نيران قبيلتنا لكى نستمع إلى القصص ، لكنها مع ذلك ليست القصص التى تسعد شعبنا ، إنها القصص التى توضح كيف يواجه شعبنا الصعوبات ليبقى على قيد الحياة ، وربما لهذا السبب نعرف القليل جدا عن ماهية السعادة.وذلك لأننا نرى القليل جدا من القصص التى توضح كيف يفعل الناس ذلك . ومع ذلك لدينا غريزة حب البقاء كجنس بشرى لأننا حكينا قصصا عن كيفية حل الناس مشكلاتهم وكيف يتغلبون على خوفهم ويصلون إلى ما يريدون ، أو عكس ذلك .

ومن الآن ، هذا الكلام لإرشادك . إذا عرفت قصة عن رجل شجاع فى مشكلة كبيرة اكتب ذلك . اكتب عن كيف بدأت المشكلة ، وماذا فعلت الشخصية وكيف تجاوزت ذلك . مشكلات صغيرة ، على سبيل المثال ، المشكلات التى سوف تحل من تلقاء نفسها مع نمو الشخصية، لست فى حاجة لأن تضيع وقتك معها . اكتب عن الجشع والانتقام والغضب و الخيانة والشعور بالذنب والزنا والقتل . وعند الكتابة عن مشكلات هينة مثل : الظلم والهلاك والذل والعجز والشيخوخة والحزن وإساءة الفهم ، تأكد أنها مرتبطة بواحدة من أكثر المشكلات فاعلية . اربط الخيانة بالضياع وسيكون لديك مسرحية . اربط الزنا بالشيخوخة وسيكون لديك مسرحية ، ثم دع الخوف يقود الأمر كله . امرأة متقدمة فى السن تخشى أن يقيم زوجها علاقة غرامية مع امرأة أخرى ، لذلك تخطط لقتله ، مجرد مزحة ، لكنك ترى ما أقصده ، نعرف أننا نود مشاهدة تلك القصة على قدر غبائها من الناحية الشكلية . بعد ذلك أضف فقط حوارك العظيم ومشاهدك الرائعة وانته من ذلك .هاها .

على نحو جاد ، إن ما نفعله عندما نكتب للمسرح هو أننا نحكى قصص الناس التى هم فى حاجة لرؤيتها . ونحن نفعل ذلك لنفس السبب الذى نضع فيه علامات التوقف . لأنه من المهم لسبب ما أن يتوقف الناس عند هذا المكان وينظروا حولهم . أما مكاننا على مائدة الكتاب المسرحيين فيتم تحديده بمدى تذكر العديد من الناس القصص التى نحكيها ، و تتذكر الناس القصص التي يشعرون أنهم يحتاجون إليها ذات يوم . تماما مثل الحياة ، الحاجات الملحة هى مفتاح القصة الجيدة ، الخوف هو القوة التى تحفظ لها حركتها . ومن الأخبار السارة أن الناس تواقون جدا للقصص التى تخترعها عقولنا لهم حتى ونحن نائمون . لذلك فهم

دائما فى حاجة إلينا . وإنه لشرف عظيم أن أكون حكواتية ، وأن كان ذلك مؤلما ، فليؤلم ، فيمكن لنا تحمل ذلك .

الكاتبة :
مارشا نورمان ، كاتبة أمريكية شهيرة ، من مواليد عام 1947 ، حيث ولدت فى لويفيل بولاية كنتاكى ، كتبت للمسرح والسينما والتلفزيون ، وحازت على أكبر جائزتين فى أمريكا عن أعمالها ، فحصلت على بوليتزر فى الدراما وتونى لأفضل مسرحية موسيقية ، ومن أبرز أعمالها المسرحية : تصبحين عل خير يا أمى و خروج والحديقة السرية والحذاء الأحمر، وغيرها ، وهذا المقال منشور فى الأصل فى مجلة : المسرحى الأمريكية وعدة مواقع الكترونية أخرى حديثا .

لا تعليقات

اترك رد