أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة – ج٢

 
أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة - ج٢

ميتافيزيك ودين (1)

لعلّ الّذي كان سهواً ليست خواتم أنسي الحاج وما ورد في كتاب “كان هذا سهواً” من فكر وفلسفة واختبار حياتيّ… وإنّما ما غفل عنه البعض أو الأغلبيّة في التّعمّق في الفكر الدّيني الإلهيّ. لقد دخل أنسي الحاج مواطن الفكر العميق وأبحر فيه انطلاقاً من الإنسان لا انطلاقاً من الله. فحاور ذاته وحاور الله لكن بطريقة غير تلك الّتي عهدناها. عالج إشكاليّات الله/الإنسان، الحياة/الموت، القدر/الإيمان، العدم/الوجود، بطرح تأمّلاته الشّخصيّة ولكن المعبّرة عن الآخر في ذات الوقت. لقد وعى أنسي الحاج حاجة الإنسان لمناقشة هذه الإشكاليّات، فلم يناقش تقليديّاً، وإنّما ناقش أسباب الفكر وترامى إلى أصل الفكرة. عالج الأصل أكثر من النتيجة.
“قد تكون هذه ثقيلة ولكنّها ليست “مزحة” ثقيلة!

فكرة أن يكون وراء إنكار ما لوجود الله نيّة عميقة لتبرئته”. (1)

بالذّهاب إلى أعمق مكان في الإنسان الّذي ينكر وجود الله، استخرج أنسي الحاج النّيّة الأصيلة في نكران هذا الوجود الإلهي. فاتّجه إلى الجذور الإنسانيّة الفكريّة، حيث نشأت الفكرة، وتراكمت الاختبارات الإنسانيّة. لا يريد أنسي بهذا القول تأكيد إيمان الملحد أو نفيه، بل يسعى إلى طرح الإشكاليّة وتبيان أصولها وظروفها ونتائجها. بالذّهاب إلى هذا العمق قبض أنسي الحاج بفكره وروحه على إنسانيّة الإنسان.

بالمقابل نقرأ أنسي الحاج في عمقه اللّاهوتيّ حينما يقول: “بعض مهمّات الله (كاختيار من يموت، متى، كيف، من يفدي من، إلخ…) تُرينا صعوبتها أنّ الألوهة ليست امتيازاً بل عبء أُعفي الإنسان المحبوب من حِمله” (2). بين نيّة تبرئة الله وإعفاء الإنسان من عبء الألوهة تتجلّى الفكرة الأنسيّة في المحبّة القائمة بين الله والإنسان، وبين الإنسان والله. ثمّة علاقة حبّ قائمة ربّما بالفطرة بين الوجود الإلهيّ والوجود الإنسانيّ على الرّغم من كلّ الشّوائب الّتي تسود هذه العلاقة.

“كيف استطاع نوح، بعد ما اختير وحده وعائلته للنّجاة من الطّوفان، أن لا يشعر بالذّنب؟
وتشارع الله، وفي حرصك على الحقّ، رغم موتك، تتردّد وتحار، تقلق أن لا تظلمه.
وأنت الّذي يُصلب لا تعرف لمَ، تخاف على شعور تاركك، تخاف عليه من حرف جارح.
ويحملك الشّعور بجميل ذاتك على الظّن أنّك خير الكائنات، وإلّا لما كنت مؤرّقاً بهاجس الحقّ وأنت في زوبعة الشّدّة.” (3)

قد ينتاب البعض هاجس الدّراسات، وتعتريه الانتفاضة على أنسي، ويصيبه القلق في خطورة مواجهة النّصّ الكتابي أو مواجهة الله ذاته. إلّا أنّ أنسي يحمل الهمّ الإنساني بكلّ هواجسه وهمومه وقلقه المعرفيّ تحديداً في ما يخصّ الله. إنّه يعرض بوضوح هذا الصّراع الإيمانيّ الإلحاديّ في كلّ إنسان، ويبيّن النّزاع الإنسانيّ الدّاخليّ الّذي غالباً ما يحجبه الإنسان، فإمّا يتّجه إلى الثّورة العبثيّة، وإمّا يخاف وينغلق على نفسه، وإمّا يتحوّل إلى مهووس بالإله السّيّد يرجو طاعته وإن أهلكته هذه السّياديّة.
كأنّي بأنسي يكتب ذاته على ضوء ذاته، ويكتب الآخر على ضوء المراحل الإنسانيّة الاختباريّة بكلّ ما تحمل من شكوك وإيمان، محبّة وبغض، قبول ورفض. يكتب بشريّة الإنسان ويدعونا إلى اختبار هذه البشريّة والغوص فيها حتّى نبلغ معرفة الحقيقة الإنسانيّة الوجوديّة.

اقرأ ايضا: أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة – ج١

لا تعليقات

اترك رد