ديزال

 

الفصل الاول

رنَّ هاتفى الساعة العاشرة صباحا من يوم السبت عطلة نهاية الأسبوع الباريسى .
سيد محمد فودة:
(بنجور)
صباح الخير
معك أندريه لوسطو .
: أرسلت لى إميلا أمس عبر موقع (تى .تى) يفيد أنك مستعد لشراء ساعة زوجى الديزال، هل شاهدتها جيدًا في الإعلان من فضلك؟
أخبرك أن بالإعلان ثلاث صور مفصلة عن حالة الساعة .
ثمنها .. الموديل وكل التفاصيل قبل الحضور .
:نعم سيدتى وأعجبتنى
:إذا تفضل اليوم الساعة الخامسة عصرًا
فى ضاحية (أوبر فليه) سوف تركب مترو
“ماكس دروموه”
خط رقم 12.
أو عليك الصعود فى مترو رقم 7 خط “كاترشومان”
ثم تأخذ أتوبيس رقم 170
نحن نسكن فى الشارع الرئيسى المقابل لمبنى البلدية عمارة رقم 118 الطابق الخامس كود أربع أربعات سبعة 44447
كانت عيونى لا تزال لم تفتح بماء صباحى المعبأ بالكسل
مغلقة بالسهر والتقليب فى الإنترنت والتسالى بالمواقع العامة والخاصة ومعاكسات فيس بوك وإبداء الآراء على توتير
إنه قلق الوحدة ووحدة القلق فى ليالى الوجع ..
مشاهدت أحلام لا يمكن تحقيقها إلا عبر طرق غير شرعية .
جسدى مثقل بالإرهاق وعمري الذى يمر أمام عينى دون أن أتزوج.. لم أجد بنت الحلال التى ترشف حلمي وتصنع البهجة لجسدى المعبأ بنار العذرية
نائم
منهك فى أحلام الغربة وغياب الدفء
واحتساء خمرة القبل المحللة مع فتاة حلمى
ويومى لم يعلن بدأه بعد.. رغم أن الساعة العاشرة والنصف صباحا
ففى يوم إجازتى أنام وقتا طويلا من تعب العمل فى دهان الزيت
مهنة المصريين فى باريس المعروفة..
كنت فاهم أننى ممكن أجد شيئًا آخر أفجر فيه طاقتى التى هربت من وطنى حاملا لها فى أعماقى..,
ياه أعماقى التى تشبه قلب الساعة التى يحركها بندوال الأمل الذى لا يهدأ إلا عند عطل البطارية.. ولم يهدأ فى سنوات الغربة إلى الآن لأن البندول لم يجد ساعة يرسى على قلبها. .
كنت فاهمًا إن باريس بلد سوف تخرج ما بداخلى
من كبت سنوات طاقتى فى طنطا.
وتصلح بطارية حلمى المكسورة حزنا
حين كنت أعمل فى محل الساعات الذى ورثته عن أبى الحاج أحمد فودة الطيب الذى ربى أحلامى فى حقول إنسانية وطيبة قلبه..
وقف بجوارى حتى حصلت على شهادة كلية التجارة .
وربى معى أربعة أخوة.. اثنين بنات.. واحدة تزوجت فى طنطا ميدان المحطة
والأخرى فى الإسكندرية بمنطقة محرم بك
وأخ مهندس زراعى والثانى موظف بمكتب بريد
أبي توفى بعد أمى بشهر لحق بها من كثرة الحب
عند القادر الجبار
رحل أثناء عمله على رف المحل وإصلاح الساعات الخردة فى يد موظفى الورديات فى المصانع .
وكنت وقت الفراغ ألعب وأضيف وأحذف..
كنت على وشك أن أصنع موديل ساعات يحمل اسمى “فودة مارك”
ولكن عدم إيمان أو تصديق أحد من حولى بما أعمل جعلنى كفرت بالفكرة .
شعرت أننى على وشك دخول معبد الجنون.. والصلاة خلف المخرفين فى مسجد
السرايا الصفراء
الذين أصابهم مس الهوس
كنت أظن أن تخرجى من كلية التجارة سوف يشفع لى فى أن أجد عملا آخر بباريس عاصمة النور
التى قرأت عنها منذ عمنا رفاعة وطه حسين فى الثانوية العامة
كنت أظن أننى سوف أجد سوزان فى كل امرأة أقابلها .
للأسف ..
لكن
أكيد هناك أعمال أخرى غير دهان الزيت
الذى اكتشفت هنا أنني عبد فى هذه المهنة عند اللى يسوى أو لا يسوى
عند ناس لا تعرف التجارة ولا الثقافة..
لا اختراع ولا فكر ولا حتى اللغة
إنما يمارسون المعلمة، لأنه تزوج من ساعدته فى الحصول على الأوراق الخاصة بالإقامة
أو حصل على إقامة من أجل العلاج، خاصة فيروس سي الشهير الذى اقترح له عبدالعاطى الكفتة علاجا وهميا
كل أحلام هولاء الحصول على الأموال وإرسالها إلى قراهم
خاصة فى مجال دهان الزيت الخارجى
فالعملىفى برد باريس القارس تدفع عليه الحكومة أموال..
المعلم يكسب ويشترى أراضى ويرمى لنا بقايا هذه الأموال التى لا توازى حق فنجان قهوته مع عاهة فى مقهى الشيشة المصرى بالليل للأسف
************
اليوم بارد جدا فى ضاحية كلاشى حيث أسكن
منذ سنوات، أصابنى القرف من السكن مع المصريين
الذين ينهشون لحم بعضهم البعض  فى الغربة
كل يوم حكاية وصداع ففضلت أن أسكن وحدى
وأتحمل كل شىء حتى أريح عقلى
وأواصل رحلتى
فى هذا الاستديو (الغرفة)
الـ 18 متر فى الطابق الأخير حيث يتوقف المصعد الكهربائى فى الطابق السادس
وأصعد على قدمى عبر السلم إلى الطابق الثامن الأخير .
وأقابل على السلم عاهرات الفجر.
وضحايا غدر الزمن وذل الغربة
الذين ليس لهم مساحة فى المجتمع العربى
هناك أمهات ماتت وأباء تجرعوا سم الانتحار لأنهم علموا بأمر ذويهم
أو منهم من طاردته أحجار مدعى العفة .
أقابل هؤلاء العائدات من العمل الليلى بالوقوف عاريًا على باب كلاشى انتظارا لجوع زبون يبحث عن لذة مختلفة .
أقابلهم وأضحك لأن أصواتهم خشنة وحناجرهم قوية قوة الرجال، وأشكالهم نساء رائعات .
أصعد إلى مكان إقامتى فى هذا المبنى القديم.. لاكتشف أن البناء عند آخر دور ينام فى حضن السحاب المبلل بالوجع وألم المغتربين
وخمرة وحشيش الهاربين من هويتهم أو ذكوريتهم
سحاب سلب منه البراءة وأصابه التلوث معبأ بدخان نصفه آهات
هذا المبنى يطل على مقهى مغاربى بالقرب من البنك الشعبى لإحدى الدول العربية .
وقريب من محطة مترو خط 13
(بروت كلاشى) أى باب كلاشى المعروف
حى يسكنه العرب وأكثرهم مغاربة من أصحاب المحلات..
المارة والعابرون الواقفون بجوار الحوائط يبحثون عن شىء ناقص أو غائب من أعمارهم المرصوصة بلا حركة ..
أرصفة الحى ارتوت من ماء الفقر وسرعة حركة حدقة أعينهم التى تخون بعضها
أرصفة تشكو من صناديق القمامة التى امتلات بعلب صفراء لا تشتم منها غير رائحة دهون سندوتشات الشاورما وزيت البطاطس، فهذه الأكلة هى الأسهل والأرخص ثمنًا..
أرصفة شققها رخص اللحم المصطف ليل نهار
ومحلات الجزارين ومخابز العرب
الذين يكتبون على المحل من الخارج لحم حلال أو خبز حلال وربما هذا غير صحيح
المدهش أن السُكري من خمرة الليل يبنى بالنهار ألا يدخل إلا إذا رأى يافطة “حلال”.
كل شىء حرام فى الليل كل ما يدخل الجسد من غير الفم محلل.. أما الطعام فلابد من مفتى..
عالم مدهش ياحمادة أفضل شىء أن تدلع نفسك فى الغربة
تمشى لتجد الرصيف يبكى موجوعًا من النفاق، وربما الجهل، الذى بسببه أردات فرنسا وضع العرب على الأبواب لتحافظ على نقاء أرصفة أحياء نبلائها ..
تجد الجالسين على المقاهى المنتشرة بشكلها الفقير، وجدرانها الهشة المرتعشة التى يمكن أن تسقط عليك
أما سيراميك الارض فحطمته أقدام الخائفين
وخطوات المترددين ذاهبًا وإيابا
من غد لا تشرق فيه شمس
.. خمس سنوات وشمس هذا الحى مختلفة غارقة فى رطوبة المساحيق التى تلون جوع البطن..
أو مرايا محمطة لا يرى فيه الجوعى وعراة الجسد وجوههم الحقيقية المخبئة خلف زمن الهروب من شىء منزوع..
ترى ساقين عاريتين ملفوفتين بحذاء طويل ومسحوق أبيض شفاف، بياضه أكثر من لون الأسنان المعبئة باللون البنى من سجائر الحسرة وعدم القدرة..
دائمًا فى الليل تجدهم جالسين على كرسى البار يحتسون خمرة أوبيرة السقوط
لكن لا ترى وجها
كل الوجوه خبأتها المساحيق والألوان الفجة.. كل الشقوق سدتها البرده ؟؟؟؟ إلا شقوق العمر
لا ينظرون فى وجهك إنما إلى حقيبة أموالك ويقرأون إهدافك بسرعة.. إنها خبرة زمن الرصيف ..
أحيانا تتوه لا تعرف الجالسة رجلا أم أنثى
لكن أنت أمام حالات خرجت من مصانع معطلة الذكورة
بدلت زيوت الإنتاج والطاقة بزيت اليأس والرغبة فى المعيشة بأى طريقة
إلى أن ياتى القدر مع انتهاء رشفة كأس نبيذ النار المنتظرة أو الجنة الحالمة
فنحن بشر لا نعرف ولا نحدد ما يعلمه الرب
فلم تكن الحياة سهلة عليهم
هنا فى المقاهى لا تسمع فيها غير أسماء سعاد.. فاطيما.. نوال وخديجة يعملون بالمقهى، أجسامهم ثمينة غليظة من أكل الكسس ولحم جزار لا يعرف إلا لهجة الجنس المعبأة بالألفاظ المتسخة التى تحب السيدات سماعها أحيانا فى لحظات الخلد والرغبة
ونادرًا ما أسمع هنا فى الشارع لغة فرنسية أو حتى أرى فرنسيين يعبرون من هنا أو هناك
أما السكان فيسكنون همومهم اليومية أكبر من منازلهم الضيقة .
هموم تعلن عنها كل صباح نشرة أخبار وجوههم المرهقة
وأجسادهم المرسومة بوشم الوحدة والقلق وأحيانا أجسادهم المثقلة بالوهن وأحيانا الدعارة وسرقة الضرائب والهروب من القانون بالإقامة فى هذه الأحياء
أما أقدامهم فلا تغادر أكثر من 2 كليو متر من هنا
فأحلام أحذتهم لا تعرف السير أكثر من ميدان كلاشى حتى الأتوبيس القادم من هذا المكان رقم 74 أو 54 يبدل وجها بالركوب حين يصل إلى ميدان كلاشى آخر ما يعرفه سكان هذا الحى غالبًا
أو ربما كبر السن والبحث عن المساعدات الاجتماعية هذا شغلهم اليومي فى نفس الحيز.. أحيانا تجد ناسا لا يعرفون من أين جاءوا إلى هنا ولماذا..
وأحيانا تقابل عربيا فقد الذكورة طمعا فى أن يكون أنثى فاجرة
تغرى رجال الليل الجوعى من أصحاب السيارات الفخمة
أو محبى الاختلاف والمثلية.. حى تجد فيه السكارى بخمر فقدان الهوية..
ياه صوت كاترين مختلف به نبرة حزن ووجع، لكنه جاد وحاسم أيقظنى من النوم وكأنه يرجوني لإعلان الحرب النفسية على كسلى ووجعى الجسدى المصحوب بالملل ونسيان هذا المكان
انتزاع قوتى الكامنة من تحت بطانيتى التى أحضرتها معى من مصر فى رحلة الكر والفر
الهروب عبر الحدود من الإسكندرية إلى ليبيا واليونان وأيطاليا ثم باريس هذا الحى
كنت أظن أن باريس جنة الخلد
….
على المركب كنت ألتحف غطائى من البرد، وأنظر فى ساعة يد قائد المركب ساعة كبيرة الحجم .
عندما سألته عن نوعها نظر لى باحتقار وتكبر
لماذا سألنى
قلت له لأنى ساعاتى فى طنطا
لكن بعت المحل من أجل ركوب مركب الموت معكم .
لكن ساعة حضرتك لم تمر على من قبل؟
….رد
(حين تذهب لباريس سوف تتعرف على هذه الماركة.. عزيزي.. عد مكانك فى المركب اقتربنا من أحد شواطئ اليونان)
اليوم يبدو انه مختلف فعلا الذكريات، والمطر يغسل شباك الاستوديو (الغرفة) التى أسكنها منذ الخامسة فجرًا. والمطر لا يتوقف
ويطهر الثلج الأبيض بصلة قلبى وألم غربتى
السماء تذرف دموعها أحيانا مسرعة واحيانا أخرى ببطء .
تغسل رائحة الخمر والمخدرات من الغرف المجاورة فى نفس الطابق
أتابع من شباك غرفتى المنظر الخارجى
وأتامل وجدانى من الداخل بعد سماع صوت كاترين
حالة كسل ذكريات وخيال
لكن يجب أن أنهض وأغسل أسنانى المثقلة بأثر قطع اللحم من عشاء أمس
عند أحمد كريم صديقى من الإسكندرية الذى حضر معى على نفس المركب منذ خمس سنوات .
لكن لماذا اتصلت أندرية لوسطو وليس زوجها؟
بماذا أغسل جسدى، هل بصابون طعم الشكولاتة أم صابون عادى؟
خمس سنوات لم أرى فرنسية سوزان وحلم العم طه
فى المترو مرات ألمحهم من بعيد لكن اليوم
إنها مدام لوسطو أول من رد على إميل لى فى فرنسا منذ بدأت أبحث عن اقتناء ساعة ديزال .
تلك الساعة التى استفزتنى بحجمها الكبير وشكلها الجديد الفخم.. لكن سعرها غال جدًا على ميزانتى، لذا قررت أن أشتريها من مواقع النت أرخص حتى لو كانت مستعملة وتسمى “استعمال فرنسي”
مثل مصر تبع لك ثلاجة استعمال طبيب، سيارة قديمة استعمال مهندس بترول .
تذكرت مرة سيدة نشرت إعلانا فى إحدى الصحف بطنطا (سيدة تخرج من البيت شريفة مؤدبة تبحث عن الزواج والاستقرار)
ياه هل يا ترى أندريه زوجها مسافر أو معها؟
هل تحمل معك وردًا يا أبو فودة .
ولا انتظر البيع والشراء يمكن نطلع بصداقة بعد ذلك .
أندريه لوسطو اسم جيد موسيقي مختلف عن أسماء الحى هذه اسمها أندريه.. آند فودة مثلا يا لها من روعة..

لا تعليقات

اترك رد